«كنا نجلس في صالة التحرير لا نستطيع تحديد أي مانشيت للجريدة، فيدخل هو ويسألنا عن الأحوال فنخبره محتاسين في المانشيت، فيطلع على الأخبار ويختار هو ويصبح ذلك المانشيت هو حديث الجميع ثاني يوم» ما سبق جزء من مقالة الكاتب صلاح منتصر في وداعه للكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، في العدد التذكاري الذي أصدرته الأهرام 18 فبراير 2016 غداة وفاة «الجورنالجي».

ما سبق يشير بشكل أو آخر إلى إبداع «هيكل» الذي قضي أكثر عمره بين الصحافة والسياسة، الأمر لا يختص بهيكل قدر الإبداع ذاته، وصفه نجيب محفوظ ذات يوم فقال «لو كان هيكل روائيًا لقعدنا في بيوتنا كلنا».

ليس صحيحًا أن كل صحفي هو مبدع وإن وجب ذلك، صاحبة الجلالة تحتوى الجميع، الكتّيب، صحفي المعلومة، صاحب اللقطة، رجل العلاقات، لذلك كان هناك «الديسك» الواجب فيه بعض الصفات لإخراج المنتج شكل مهني محترم.

لا يوجد تعريف محدد بالإبداع، فهو يُرى ولا يُمسك، نشعر به دون تحديد هويته، يظهر على ملامحنا فور تذوقه، الأمر في الصحافة كذلك نجده في عنوان على شاكلة «تموين صفا..تموين انتباه» للرائع إبراهيم عيسى، نلمسه في صفحة تم رسمها بعناية، في معلومة جاءت وصيغت وقُدمت للقاريء بمهنية فأخبرته ماذا يحدث.

وإن كان هذا الإبداع يقتضي أن يُترك المبدع على راحته ويكون هو مالك زمام أمره، فإن سوق العمل الصحفي لا يمنح ذلك، بل بالأدق لا يملك أن يُعطي المبدع رفاهية الإبداع وإن كان بعض المؤسسات تعمل على منحه مساحة ينفث فيها عن إبداعه.

حين خطوت أولى خطواتي بجريدة الوفد اليومية وقت العظيم والأستاذ سعيد عبدالخالق تعرفت لأول مرة على «توقيع الحضور»، طالب في الفرقة الثانية لكلية الإعلام وبالتالي لم يسبق لي مثل تلك الأمور، وقتها سألتها ومتى توقيع الإنصراف قالوا لا يوجد، العمل الصحفي لا يحدده موعد انتهاء.

ما يحدث اليوم تخطي فكرة «توقيع الحضور» التي تحولت إلى «بصمة»، القيود زادت، الأحداث تتسارع، و«تريند» جوجل لا يرحم.

كم مرة زميلي الصحفي راودتك فكرة تقرير ما، فيتشر بعينه، أحضرت المقدمة، استلهمت البداية، بدا في خيالك العنوان وأغرتك الكتابة فوضعت كل ذلك في «فيل ورد» على أن يكون اليوم الثاني هو يوم التنفيذ، وكم مرة فوجئت إنك لن تنجز ما أحضرته بالأمس لأن هناك حادثة وقعت أو قرار حكومي صدر يستلزم قراءته بعين صحفية، أو أن هناك حدثًا ما غطي على كل الأشياء فلا مجال لما تريده في ذلك اليوم لأن صورة سيارة فنان قد أصبحت «تريند» على جوجل وبالتالي ستظلم منتجك إن نشرته في مثل تلك الحالة.

ما سبق حدث ويحدث وسيحدث، طبيعة الصحافة منذ الأزل أنها تقدم ما يهم الناس من الدرجة الأولى، لا يوجد من يملك حق رفاهية إعطاء ظهره لما يجرى مقابل أن ينشر ما يريد، وهنا تقع الإشكالية الحقيقية بين ما يريده المبدع وما يتطلبه سوق العمل المفروض ربما على الجريدة ذاتها وأصبح الفكاك منها يعني تغيير منظومة بالكامل.

تلك الإشكالية تدفع المبدع إلى طريقين أولهما اليأس والتحول إلى موظف في مهنة لا تعترف بذلك، وقتها يفرغ من داخله، حبات إبداعه تنفرط منه، روح الحماسة تخمد، يأتي ويذهب من أجل لقمة العيش ويتحسر على كل شيء جميل يراه ويدرك إنه يستطيع فعله لكن لا وقت لديه.

الطريق الثاني هو أن يظل قابضا على إبداعه كالجمر، لا يسمح لأحد أن يسلبه حق في الإبداع، وقتها عليه أن يكون محاربا محنكا أكثر من مقاتل شجاع، يقبل اللعبة التي يفرضها السوق الصحفي ويكسب منها، سيعطي ذلك لـ«تريند» جوجل، ويكتب آخر لـ«لإنه مطلوب» لكن لن يمر يوم دون أن يكتب هو ما يريد بالشكل الذي يريد ويحارب من أجل نشره ويكتفي به!

نعم هو أقل القليل وظلم في كافة الأحوال لكن أفضل من «مفيش»، دوما في مصر نتعامل بتلك الطريقة الواقعية، تعايش بدلًا من أن تموت قهرًا لو أدركت أن هناك صحفي أمريكي أراد كتابة «بروفايل» عن زاهي حواس فلازمه أسبوع، أما أنت فمطلوب منك الكتابة عنه خلال دقائق معدودة.

احفظ روح إبداعك بين جنبيك ولا تفرط فيها، اقبض عليها، أعطهم ما يشاؤون مقابل أن تفعل ما تشاء في لعبة شد الحبل، كن موجودا في الحدث وموجودًا بما تريد، وضف لمستك على كل شيء فهو لك ولا تنس سيزول كل شيء «ويبقى قانون الموهبة»، وسيختفي يومًا ما تريند جوجل وتصنيف إليكسا وتبقى روحك التي تحميك فلا تضيعها فالإبداع شجرة يجب ريها دومًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد