كثيرة هي الدراسات والتحليلات التي تتناول قطاع غزة هذه البقعة الساخنة والمشتعلة دومًا سياسيًا وعسكريًا، وكذلك كثيرة هي النسب والإحصائيات التي تشير للجوانب المختلفة للواقع الغزي وما فيه من شؤون اجتماعية واقتصادية وعلمية وغيرها، إلا أنك لن تجد أحد يتناول الجانب الابتكاري لقطاع غزة وأحوال المُبتكرين والموهوبين فيه، على اعتبار أننا لن نربط هذا الأمر بما في القطاع من جامعات وكليات علمية فمن المعلوم أن القطاع مليء بهما والغالبية العظمى لأبناء القطاع ذكورًا وإناثًا يلتحقون بالدراسة المدرسية والجامعية، فضلًا عن التسجيل المُتصاعد في الدراسات الأكاديمية العليا والطلب الشديد عليها.

وقد كان لمؤسسة شُعاع للعلوم والتقنيات – وهي مؤسسة أنشئت عام 2016م وتهدف لرعاية الموهوبين والمبتكرين واحتضان المبتكرات والاختراعات العلمية – ولي كذلك على وجه الخصوص كمدير تنفيذي للمؤسسة إطلالة على هذا الجانب المُشرق للمجتمع الغزي وأحببت أن أنشره عبر هذا المقال وأضعه بين يدي القراء الكرام، وجاءت إطلالتنا على هذا الجانب من خلال المسابقة التي أعلنت عنها المؤسسة في أغسطس من العام الماضي 2017م وعنوانها «مُسابقة شعاع للابتكارات العلمية»، حيث تم الإعلان عنها عبر موقع الفيس بوك وتم دعم منشور الإعلان كإعلان مُمول يستهدف منطقة قطاع غزة فقط لأنه نطاق عمل المؤسسة حاليًا، وقد وصل المنشور لحوالي 61.380 شخصًا من الفئة العمرية ما بين 18 عامًا إلى 45 عامًا. مع العلم المسابقة التي أقرها مجلس إدارة المؤسسة لم تكن مُقيدة بأي مجال علمي بل كانت منفتحة على كافة المجالات والتخصصات العلمية المختلفة بحيث يمكن لصاحب أي ابتكار المشاركة بالمسابقة.

وقد سجل بها حوالي 70 فريقًا علميًا يتشكلون من زهاء 150 مُبتكر وموهوب من كلا الجنسين من كافة التخصصات العلمية وكانت المشروعات أيضًا تشمل العديد من الجوانب العلمية، وبعد إجراء المقابلات العلمية ومناقشة الفرق بمشروعاتهم تم إقرار 17 مشروعًا ليتم تمويلهم من المؤسسة وتمكين أصحابهم من تنفيذها، ولا يعني أن جميع المشاريع التي لم يتم إجازتها ليست ابتكارية أو ليست ذات جدوى فهناك  مشروعات كبيرة تحتاج ميزانيات ضخمة لا تستطيع توفيرها مؤسسة ناشئة، بالإضافة لمشروعات أخرى ابتكارية لكنها غير ناضجة وبحاجة للمزيد من الدراسة والبحث، وهنا أنوه إلى أن مقصدنا بالموهبة والابتكار هو ما يتعلق بالمجال العلمي والقدرة على الاختراع وابتكار أشياء جديدة وليس المواهب الفنية كالشعر والرسم وما شابه ذلك.

ومن خلال نموذج التسجيل الذي سجلت خلاله الفرق العلمية مشروعاتهم قمنا بالمؤسسة بدراستها واستخلاص النتائج التي أحببت نشرها هنا للفت انتباه مجتمعاتنا كافة والمسئولين خاصة لهذه الفئة وواقعها وطموحاتها، وإن كانت المسابقة تستهدف بيئة قطاع غزة فقط إلا أني أزعم أن نتائجها يمكن تعميمها على الوطن العربي بكامله لتشابه الظروف السياسية والأحوال والنُظم الإدارية لغالبية الدول العربية، وأرى أن غزة أشبه بدراسة حالة Case Study وهي عينة ممثلة لباقي المُدن.

وبالتطرق لنتائج الدراسة فأرغب في البداية أن أشير إلى سؤال راودني، وهو ما نسبة الموهوبين والمبتكرين في المجتمع وهنا لا أعنى مجتمع بعينه بل أي مجتمع ومن خلال بحثي حول هذا الأمر فلم أعثر على إجابة شافية فمعظم التقييمات تشير الى اختبارات الذكاء مثل اختبار «ستانفورد بينيه»، وتصنيف «كرونشانك» حيث يشير الأخير إلى أن نسبة الأذكياء المتفوقون من 5% إلى 10%، ونسبة الموهوبين 1% إلى 3%، ونسبة العباقرة (الموهوبون جدًا) يشكلون 0.001% أي واحد من كل مئة ألف، وبالاطلاع على دراستنا حيث كان مجتمع دراستنا 61380 شخص وفي الأخير تم إجازة 17 مشروعًا تقدم بها زُهاء 30 شابًا وفتاة، وبذلك فإن نسبة المُبتكرين تكون حوالي 0.05% أي أنها تقع ما بين فئة الموهوبين والعباقرة حسب التصنيف السابق، وهي قريبة أكثر إلى فئة الموهوبين، وتقترب أكثر إذا افترضنا أن هناك من فئة المجتمع المستهدف لم يتمكنوا من المشاركة بالمسابقة لوجود انشغالات لديهم أو عدم رغبة لأسباب خاصة.

 وخلاصة ذلك أن الأشخاص المُبتكرين هم موهبون ولديهم ذكاء مُرتفع وليس بالضرورة أن يكونوا عباقرة خارقين ونسبتهم في المجتمع قريبًا من 0.05% من الفئة الواقعة ما بين عمر 18 إلى 45 عامًا، أي حوالي مُبتكر من كل 2000 شخص، ولا أجزم طبعًا بدقة الأرقام وكون النسب حقيقية فهي محاولة استرشادية وأطرحها للاستئناس، ولا يمكن أيضًا أن ننفي وجود مبتكرين من فئات عمرية أخرى أقل من 18 عامًا وأكثر من 45 عامًا والشواهد كثيرة بذلك، والمحصلة أن مجتمعاتنا بها آلاف المُبتكرين والمُخترعين ولو توافرت لهم الظروف والإمكانيات فيمكنهم المُساهمة بإنشاء نهضة حضارية جديدة.

وبالخوض في عمق الدراسة فقد ظهر لنا أن أكثر من 70% من مجتمع الدراسة لم ير ابتكارهم النور كمُخرج نهائي، في حين أن ما نسبته 43% منهم حاول القيام بتنفيذ مشروعه ولكنه لم يُكمله، وما نسبته 31% لم يشرعوا بعمل أي شيء لتنفيذ أفكارهم، وهذا يعود في الغالب لأسباب مادية ولعدم توافر الدعم اللازم لتنفيذ الأفكار والمشروعات الابتكارية، وكذلك قد يكون هناك عائق فني بسبب عدم وجود الدعم العلمي والمشورة اللازمة من قبل خبراء ومختصين وعدم وجود حاضنات علمية تحتضن الأفكار وتمكن أصحابها من تنفيذها، وعليه فمشكلتنا كعرب ليست بعدم وجود أفكار ومُبتكرين بل لعدم وجود رعاية حقيقة لهم وعدم وجود وزارات ومؤسسات علمية تبحث عن هؤلاء وتُقدم لهم ما يلزم من الدعم المعنوي والمادي والفني.

أما حول الجهات المُتوقع أن تستفيد من المشروعات فقد أشار غالبية المُسجلين بالمسابقة أنهم يستهدفون بابتكاراتهم ومُخترعاتهم كافة فئات المجتمع، وهناك من يستهدف جهات معينة ومخصصة في المجتمع، وهذا يشير لاهتمام الموهوبين بكافة فئات المجتمع وإحساسهم بمشكلاته ورغبتهم برقي مجتمعاتهم، وحول إذا ما كانت هناك حاجة للسوق في المنتج المُتوقع الحصول عليه بعد إنجاز المشروعات فقد ظهر أن الغالبية ترى بوجود حاجة لذلك، وهنا نتساءل متى تمتلئ أسواقنا بالمنتج المحلي ونوفر آلاف فرص العلم لأبنائنا بدل الاستيراد الخارجي الذي يستنزف أموالنا ويشغل أبناء الغرب والشرق، بينما يعاني الشباب العربي من الفقر والبطالة.

ويرى الغالبية أن مشروعاتهم ستنتج أشياء غير موجودة بالسوق المحلي وهذا يدلل على وجود عقلية ابتكارية قادرة على الإبداع والابتكار، وإخراج أشياء جديدة تخدم المجتمع وتؤدي لحل مشكلاته إذا ما مُنحت الفرصة ووجدت الأيادي الداعمة لهم والحانية عليهم – على الرغم من امتلاء الأسواق المحلية بالبضائع المستوردة من الصين وغيرها من الدول –.

وحول الفئة العلمية للفئة المستهدفة فقد أظهرت نتائج الدراسة أن زهاء 50% هم خريجو جامعات ولكنهم بدون عمل، وكذلك ما نسبته 30% طلاب و20% لديهم أعمال مُنوعة، وهذا يشير إلى أن الابتكار والإبداع غير مقتصر على فئة معينة بل هو مجال وأفق يخوض غماره الكثيرون من العديد من الفئات العمرية ومن مختلف التخصصات العلمية وحتى من لديهم وظائف وأعمال يُمكن أن يساهموا بالابتكارات العلمية وتكون لهم بصمات واضحة، وهنا إشارة إلى أن الخريجين الذين يُنظر لهم كمشكلة، يمكن أن يكون لهم دور هام جدًا في رُقي المجتمع وتطويره إذا ما فُتحت لهم آفاق للإبداع والابتكار.

ونلفت انتباه القارئ أنه تبين من خلال الدراسة أنه لا يوجد خريجو تخصصات علمية محددة يقتصر عليهم محاولة الابتكار والاختراع، بل سجل في المسابقة من كافة التخصصات العلمية وحتى من أصحاب التخصصات الأدبية كانت لهم مُساهمات واجتهادات للابتكار العلمي، وهذا يُعززه ويؤكده ما نراه باستمرار عبر صفحات الوسائل الاجتماعي المُختلفة من أشخاص بُسطاء وعاملين بورش وغيرهم يقومون بإنجاز اختراع أو ابتكار وتحديدًا في الدول التي أصبحت تُعاني من ويلات الحروب والنزاعات.

من المشهور أن الابتكار والاختراع والبحث العلمي يُنفق عليه المليارات والملايين من قبل الدول المُتقدمة والمُتحضرة، وهذا الأمر يتخذه البعض ذريعة لبث اليأس والإحباط وأننا لن نتقدم في ظل وجود أنظمة رسمية لا توفر الدعم اللازم ولا تنفق شيئًا يذكر لصالح البحث العلمي، ولكن هذا لا ينفي أن هناك مئات بل آلاف المُبتكرات تحتاج مبالغ بسيطة ويمكن أن تقدم حلولًا كثيرة لمشكلات المجتمع وتؤدي لرُقيه وعلى المؤسسات التعليمية ومن لديهم هم النهوض بأمتهم من رجال الأعمال والميسورين من المساهمة بما يتمكنون لدعم المُبتكرات العلمية، وحول الموازنة التقديرية اللازمة للمشروعات الابتكارية فالدراسة قد أظهرت أن غالبية المشروعات التي تقدم بها الموهوبون لمسابقة شُعاع تحتاج لموازنة ما دون الـ 5000 دولار، وحتى أن هناك مشاريع تصل تكلفتها إلى ما دون الـ 300 دولار، وبالرغم من أن الأموال زهيدة إلا أنها غير متوافرة معهم ليبدؤوا بإنجاز مشروعاتهم، وهذا يعود للحالة المادية لأبناء القطاع غزة بسبب الحصار والتضييق، وعدم وجود مؤسسات تدعم الابتكار وترعاه.

قريبًا تختتم مؤسسة شعاع مُسابقتها المتواضعة للابتكارات العلمية وستتعرفون على الابتكارات التي شاركت في المسابقة ونفذها أصحابها والتي هي إبرة في محيط من الأفكار والابتكارات الموجودة في عقول وأذهان المئات والآلاف من أبناء المجتمعات العربية والإسلامية وتنتظر أن ينقشع عنها ظلام الإغفال والإهمال ليخرج منها شُعاع أمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

اعلان مسابقة شعاع
ويكيبيديا - موهبة
عرض التعليقات
تحميل المزيد