مدخل

هذا المقال رسالة للمكبلين خلف جدار العجز، للحالمين فوق تلال الوهم، هناك من حرك العالم بفرشاته وألوانه، هناك من زرع الأمل بعبوات الموت، هناك من أبدع وطور من ذاته وسط مجتمع تتساقط فيه الحياة بين ركام الموت، فأين أنتم من كل هذا؟ وماهو عذركم؟

صبيحة العبد تزرع السلام بعبوات قنابل الغاز

في الوقت الذي تعلو فيه الأصوات، وتبح حناجر المحتجين في المؤتمرات العربية؛ مطالبين بالسلام العادل بين طرفي النزاع الفلسطيني والإسرائيلي، ظانين أنهم قد أدوا ما عليهم تجاه القضية الفلسطينية، وأن ثمة ثقلًا عظيمًا قد تنحى جانبًا تاركًا أجفانهم الخائنة بين يدي النوم ترتع، تخرج عجوز بقلب تكلله الزهور تجمع فوارغ القنابل؛ لتملأها بالتراب الفلسطيني، وتزرع بها زهورًا تفوح منها رائحة الشهداء، ولسان حالها يقول: السلام الذي نصعنه في قلوبنا بأكف من نور لا تخنقه رصاصات محتل غاصب.

في قرية بلعين غرب مدينة رام الله زرعت السيدة «صبحية العبد» – والدة الشهيدين ـ بإذن الله ـ جواهر، وباسم، أبورحمة – الورد في قنابل الغاز المسيلة للدموع؛ في إشارة إلى أن الحب قد ينبت من رحم الكراهية يومًا، وأن الحياة قد تخرج من شرنقة الموت، محولة أدوات القتل إلى أصص مفعمة بالحياة.

والجدير بالذكر أن الشهيد ـ بإذن الله ـ باسم أبو رحمة، 30 عاما، ابن بلعين، الذي خُلّدت قصته في شريط «خمس كاميرات مكسورة»، هو أحد الذين عطرت دماؤهم الباردة قرية بلعين، حيث روى بدمه الزكي أرض قرية الكفاح السلمي، وهو أحد الأوائل الذين سقطوا منذ بدأت القرية تشق طريقها دفاعًا عن أراضيها وأراضي القرى والبلدات الفلسطينية ضد جدار الفصل العنصري والضم والتهويد.

واستشهد أبو رحمة في نيسان (إبريل) 2009؛ نتيجة إصابته بقنبلة غاز ذات مدى مضاعف في صدره خلال مظاهرة ضد جدار الفصل في قريته بلعين، وقد أثبتت ثلاثة أفلام فيديو جرى تصويرها في المظاهرة أن باسم أبو رحمة كان في الجانب الشرقي من الجدار، لم يتصرف بطريقة عنيفة، ولم يشكل خطرًا على الجنود بأي شكل.

وأظهرت الشرائط أيضًا، أنه في أثناء المظاهرة أطلق جنود آخرون قنابل الغاز مباشرة صوب المتظاهرين، وذلك بما يخالف تمامًا أوامر إطلاق النار. وقد فُتح التحقيق لدى الشرطة العسكريّة المحقّقة في يوليو (تموز) 2010، وبالرغم من توافر الأدلة على قتل جنود الاحتلال للشهيد باسم؛ إلا أن الكيان الصهيوني طبق سياسة الإفلات من العقاب لحماية جنوده، وأعلن إغلاق الملف تحت مزاعم «قلة الأدلّة»، بعد أكثر من أربع سنوات.

السيدة صبيحة قامت بزرع الورود الملونة التي شغفت ولدها حبًا بعبوات قنابل الغاز المسيل للدموع، ووضعتها في ذات المكان الذي فقدته فيه تخليدًا لذكراه، وبحسب ما نسب إلى «محمد الخطيب»، مدير مشروع الحديقة، في تصريح لوكالة الأنباء الصينية «شينخوا»، فإن زراعة قنابل الغاز بالزهور الملونة، هو جزء من فعاليات لتعزيز الصمود الفلسطيني بالضفة الغربية، وذلك بدعم من مؤسسة «تعاون» لحل الصراعات، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي «يو.إن.دي.بي».

«بانكسي» عندما يثور الفن علي المغتصب المحتل

أن ترسم ما يمثل أوجاعك ويعبر عنها فهو عادي، أما غير العادي فأن تمثل وتعبر عن أوجاع أمة، وأن تتحول اللوحة معك إلى ساحة حرب، والفرشاة إلى سلاح يوجع العدو، واللوحة هنا ليست من قماش أو ورق: اللوحة جدار عازل غاشم، والفنان هنا هو مجهول يعبر عن قضية إنسانية يؤمن بها، لم تغره معها حلاوة الظهور، وبنان الشهرة، يحرص على عدم الكشف عن هويته؛ فما يريده في الحقيقة لأن يكون بطل المشهد الوحيد هو العمل الفني، وما يحمله من قضايا، كما أن الرسم على الجدران يراه كل من الغني والفقير، من بين أحضان الوطن والشريد، أما المتخمين بالغنى، فصالات العرض بالمعارض مكانهم الذي ينبذ سواهم، وفي حفل ضم نجوم الفن والسياسة والمجتمع احتفلت مجلة «تايم» الأمريكية بنشر قائمتها السنوية لأكثر 100 شخصية مؤثرة، التي صدرت في عدد خاص، كان اسمه ضمن تلك القائمة المتخمة بأسماء لا تخطئها عين، وتخفق لها القلوب كـ«باراك أوباما»، «كريستين ليجاردِ»، والشيخ «خليفة بن زايد آل نهيان»، و«بيل كلينتون»، وفي قائمة الفنانين تصدرت المغنية المثيرة للجدل «ليدي جاجا» القائمة، وظهرت فيها أسماء الممثلة «ديمي مور» وزوجها «آشتون كوتشر»، والممثلة الهندية «إيشواريا راي» و«أوبرا وينفري»، ولكن اسم بانكسي كان له لمعة ممزوجة بهيبة جعلت الكثير شغوفًا بمعرفة أصول هذا الرجل!

في الواقع، محاولة معرفة من هو بانكسي، تبدو أكثر صعوبة من توقع المكان الذي سيكون محط عمله في المرة القادمة، والذي يهمنا هو كيف تحول الفن من هواية يرفه بها الفنان عن نفسه إلى وسيلة إعلامية يناضل بها، فأضحى بها كالمناضل في ساحة الحرب، وقد انتقل بفنه من أربعة جدران صماء إلى فضاء واسع لا تحده حدود، ولا تخرسه أكف.

في عام 2005 خرج علينا الفنان بانكسي برسم معبر لطفلة تحلق عاليًا بأكثر من بالون هيليوم؛ في محاولة منها لاختراق لجدار الفصل العنصري المعروف «الجدار العازل»، محاولة اختراقها كانت سلمية جدًا، بلا أي سلاح، فقط هي بالونات تحلق بها، بانكسي جسد أحلامنا وأحلام الفلسطنين في اختراق هذا الجدار برسم بسيط التفاصيل، جميل المعنى، وكأنه يقول للعرب أجمعين: سأفعل ما عجزتم عنه بريشتي المتواضعة.

ولا تزال محاولات اختراق الجدار الفاصل مستمرة، فهنا نرى الفنان قد رسم جسرًا إلى أعلى يعبره الفلسطنيون إلى أرضهم المغتصبة خلف الجدار، وبالأسفل قد رسم قطع «الدمينو» تسقطها نملة ضعيفة على عجزها، وقلة حيلتها في إشارة إلى الشعب الفلسطيني، إنك وإن كنت ضعيفًا أعزلًا، إلا أنك قادر ـ مادمت متمسكاً بالله ـ أن تزيح الجبال الرواسي.

وفي أخرى يرسم سلمًا إلى أعلى، وأخرى يرسم مقصًا مستعدًا لقص تلك المساحة من الجدار على قوتها.

وفي تحد واضح لهذا الجدار الفاصل قام بانكسي بتحويل هذا الجدار إلى لوحات فنية مبهجة تذهب هيبة الجدار، وتسقط الخوف من قلوب الفلسطنين، وتزرع الأمل في نفوسهم، فخلف الجدار طبيعة خلابة، وخلف اليأس أمل، حفلة فنية جديدة يرقص بها الأمل على شوك زرعه الاحتلال بيد من قسوة.

في مايو (أيار) من العام 2008، وفي شارع من شوارع بيت لحم الفلسطينية، بالضفة الغربية، في الأراضي المحتلة، أحد الجدران الإسمنتية للمدينة تحديدًا، حيث رسم جداري ضخم، يصور فتاة فلسطينية صغيرة، ترتدي ثوبًا ورديًا، وجندي احتلال إسرائيلي، يقف مباعدًا بين ساقيه، ومستندًا بيديه على الجدار، بينما تقوم الفتاة بتفتيشه. رسم شديد الوضوح، يمثل سخرية من المعتدي، في قلب مكان ممارسته لاعتدائه، نام سكان بيت لحم بدونه، واستيقظوا على وجوده كشيء لم يتوقعوه، مر من هنا رجل غامض، ترك بصمته ورحل.

وكان على رأس ما قام به هو زيارته إلى غزة عقب الحرب الأخيرة عام 2014، حيث أصر على الوصول إلى هناك عبر الأنفاق، ورسم أعماله المبهجة على جدران وأبواب البيوت المهدمة، فرسم أرجوحة وأطفال بها يعانقون نسمات الهواء الحرة، وأخرى لقطة جميلة تلهو بكرة من معدن – من ركام حقيقي لأحد البيوت – لعدم وجود شيء آخر تلعب به في هذه المدينة، وأخبر بانكسي صاحب البيت المهدم – الذي أحاط الرسم بالأخشاب حفاظًا عليه- أن القطة ترمز للحق في الحياة.

ولم يفوت بانكسي مناصرة القضية السورية بفرشاته؛ فقد رسم فنان «الغرافيتي» العالمي «بانكسي» لوحة جدارية أخيرً ظهر فيها «ستيف جوبز» على جدار مخيم للاجئين السوريين في منطقة كاليه الفرنسية، في واحد من أجمل أعمال الرسام البريطاني التي طالما أثارت جدلًا، يسخر فيها من الدعوات في الولايات المتحدة وأوروبا إلى عدم استقبال السوريين الفارين من جحيم الحرب في بلادهم. وأبرز الرسام، الذي لا يُعرف اسمه الحقيقي، في جداريته واقع أن والد مؤسس شركة «آبل» العالمية ستيف جوبز كان لاجئًا سوريًا، وان استقباله في الولايات المتحدة كان السبب في قيام أكثر الشركات نجاحًا في عصرنا الحاضر؛ إذ تبلغ قيمة الضرائب التي تسددها إلى الخزانة الأمريكية سبعة بلايين دولار في السنة. وتأتي الجدارية في وقت باتت قضية استقبال اللاجئين السوريين في دول الاتحاد الأوروبي وأمريكا الشمالية قضية سياسية من الطراز الأول، تشغل الرأي العام والأحزاب السياسية والمنظمات الإنسانية، وتحوّلت أحيانًا إلى ذريعة لإطلاق تعابير عنصرية ومناهضة للمسلمين.
وقد تبنّى أحد الأثرياء في تركيا توصيله للعالم من خلال معارض في مدن مختلفة؛ أملًا في تغيير النظرة إلى المهاجرين.

وأيضاً فقد استخدم بانكسي بطلة رواية «البؤساء» الطفلة كوزيت لرسم جدارية أمام السفارة الفرنسية في لندن، ليُدين تعامل القوات الفرنسية في التعامل مع اللاجئين. بانكسي لم يكتف برسم كوزيت حزينة، وإنما قام أيضًا برسمها وهي تذرف الدموع؛ بعد تعرضها لغاز مسيلٍ للدموع، وقام برسم كود تفاعلي أسفل صورتها، عند فحصه بالموبايل، يظهر فيديو لاشتباكات حصلت في إحدى مخيمات كاليه للجوء، والتي استخدمت فيها القوات الفرنسية الغاز المسيل للدموع. وقد تعرضت الحكومة الفرنسية للعديد من الانتقادات بشأن معاملتها السيئة للاجئين السوريين، الأمر الذي اضطر عدة جمعيات خيرية منها أطباء حول العالم لرفع قضية على مدينة ليل التي تتبع لها منطقة كاليه؛ حيث تتواجد مخميات اللاجئين، فبحسب هؤلاء، فإن مدينة ليل لا تزود اللاجئين لا بالرعاية الصحية اللازمة، ولا بالمرافق الصحية الأساسية.

ومن أقول بانسكي

«إن غسلنا أيدينا من الصراع بين الأقوى والأضعف، فإننا نقف إلى جانب الأقوى؛ لذا لن نكون محايدين» (بانسكي).

«البعض يحاول أن يجعل من العالم مكانًا أفضل، أما أنا فأحاول جعله مكانًا أجمل، فإن لم يعجبك رسمي، فيمكنك مسحه». (بانسكي).

مشروع «أيسر» يعيد الأمل في قلوب الفلسطنين

استطاع المهندسان «أيمن عاشور»، و«أحمد الجدبة» صناعة حجر بناء للسقف من البلاستيك. وبهذا يكونا قد نجحا في التطبيق العملي لمشروع تخرجهما من الجامعة الإسلامية، وليرسما الإبداع بتأسيس مشروعهما الريادي «أيسر»، وفي لقاء مع المركز الفلسطيني للإعلام بين المهندس عاشور أن منبع فكرتهما جاء من خلال حجم النفايات البلاستيكية التي لا يستخدمها قطاع غزة، حيث تصل النفايات البلاستيكية في قطاع غزة، إلى حوالي 16 طنًا يوميًا.

وتابع عاشور، إلى أنه وجد وزميله في مشروع التخرج، أحمد الجدبة، إمكانية إنتاج هذا الحجر البلاستيكي من النفايات الملوثة للبيئة، وبمواصفات عالية، وقدرة كبيرة على التحمل، وتكلفة مالية أقل من الحجر الإسمنتي. كما يوضح عاشور أن أهم ما يميز الحجر «أيسر»، خفة وزنه مقارنة مع الجحر الإسمنتي بنسبة 90%، حيث يبلغ وزن الحجر 1.5 كيلوجرام، مقارنة مع 17 إلى 20 كيلوجرامًا لحجر الريبس الإسمنتي. وأن ما يعود على البناء؛ نتيجة خفة الوزن هو تقليل التكاليف إلى حوالي 15% من إجمالي تكاليف البناء، موضحًا أن حجر «أيسر» سيكون بديلًا ناجحًا لحجر الريبس العادي.

ويبين صاحب المشروع أنه كلما كان السقف ثقيلًا، كلما كان الضغط والحمل على القواعد والأعمدة كبيرًا، بينما مع وجود حجر الريبس البلاستيكي «أيسر» سيخفف من الضغط الناتج عن وزن الحجارة على مقطع العمود وأعمدة البناء؛ مما سيعود بالفائدة على صاحب البناء في تقليل التكلفة الإجمالية لمواد البناء.

وتستخدم حجارة الريبس في عملية بناء الأسقف من خلال وضع أربعة أحجار ونصف في المتر المربع الواحد، ويكون هدفها سد المساحات الفارغة في الأسقف، بين الصناديق الحديدية الإسمنت المسلح «الباطون».

وقد قابلت المخترعان العديد من الصعوبات من أبرزها التكلفة العالية لصناعة القوالب الحديدية للحجر البلاستيكي، والتي وصل تكلفة إنتاج أول قالب حديدي إلى 3 آلاف دولار أمريكي.

واستغرق المهندسان في صناعة القالب الحديدي سبعة أشهر، بسبب صعوبة توفر المواد الخام الخاصة به، وانقطاع التيار الكهربائي بشكل مستمر. ويوضح المهندسان إلى أن القدرة الإنتاجية للمشروع، ستصل إلى صناعة حجر ريبس بلاستيكي واحد في كل دقيقة. ويستعين القائمين على المشروع في استئجار ماكينات وآلات صناعة القوالب، لإنتاج كميات أولية من حجر الريبس «أيسر»، حيث قاما بعملية فحص أولية للعينات، وكانت النتائج «أقوى مرة ونصف من الحجر العادي».

وقد احتضنت الجامعة الإسلامية هذا المشروع الذي يعد إشارة قوية أن الأصرار والعزيمة فوق بناق المحتل وحصاره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد