اقترب رمضان، باب الراحة الذي لا بد منه، بعد 11 شهرًا قضاها المرء في جهاد العيش، مقيد النفس، ومتأسد الشهوة ومعظم الهوى، لينبت جذور الخير في قلوب عامة المسلمين، ويسقي البر الظمآن، ويرجع الروح إلى منبعها الأول الطيب النقي البريء الأقدس، لنبرأ فيه من الذنوب التي وضعتها الحياة على كاهلنا، ونطهر من رجس الشيطان، ونتزود من الحق والخير والجمال والنعم وأنفس الشيم، مما يهبنا بعض الدرع لنحتمي به من فتنة الدنيا ومحنة الناس، إن رمضان شهر للروح بالتأمل، وتوفيق وثيق بين القلب والدين، وشعور بمحبة الناس أجمعين، وتأليف القلوب المتنافرة، وتليين ما صلب من الرحمة، وعبادة القلب بالشعور، ونفحة من السماء بهلالها الذي يشبه ابتسامة الأحبة، ونجومها التي تستشعرها معرض جواهر تتزين منه الحور العين لعتقاء هذا الشهر الفضيل، وتعم الملائكية بين البشر فتكاد تشم أنفاسها بيننا، شهر تفيض أيامه بالسرور وتشرق لياليه بالنور، يغمرنا فيه فيض من الشعور الدينى اللطيف، يجعلنا بين يقظة القلب ونشوة الإخاء ونقاء التسامح وترقرق الترحيب وعذوبة البسمات ورقة الرحمات، ترى الأقوام مجتمعة يتأملون في عظمة الله، يتأملون بكثرة، ويستمعون بكثرة، البشاشة على الوجوه وزاد الحب ينسى المرء زاده من طعامه وشرابه، حتى ليتمنى أن يطول بقاؤه صائمًا.

 

النساء يوزعن الود على المنازل ويتبادلن الحلوى مع الجيران، وكأن هلال الشهر يجبر القلوب على الارتسام بهيئته، والأطفال بفوانيسهم في الميادين والطرقات كأنهم موضع اللبنة بهذا الشهر، تتقرب الألسنة مع القلوب إلى الله بالذكر والصدقات وقراءة القرآن، والمساجد الخالية تمتلئ، وتستبشر بالوجوه الخيرة، وكأنها اغتسلت من رياح الشهر، والمآذن المتألقة بالمصابيح، والاجتماعات المتأنقة بالتسابيح، تسير على نور الله وكلمته في الأرض.. وما أروع المدن في صمتها عند الإفطار! وجلبتها عند السحور! وضجتها لحظة انطلاق المدفع! في هذه ابشهر ترتبط أعضاء الأسرة أعظم الارتباط وتتواصل وتتعاطف وتتشاطر الهموم والأفراح، وبين أفراد الأمة يعم التزاور والتالف والود.  

 

رمضان يعيد الينا صورة العزة، تشعر وكأن عهد الاسلام المنتصر مصبوغ بهذا الشهر، الذي لو استمر به المسلمون على ما هم عليه، لتغير الكثير والكثير.

 

ولكن إذا كان في أمتنا من يستقبل رمضان بلسان طويل ووجه حانق وتعبير جاف، فهما الشيطان المغوى الذي يقيد من صيام النهار وقيام الليل، والمسلم المزيف من لأصحاب المقاهي والمطاعم التي تعمها الكساد ورمضان هو المسؤول، وأصحاب الحانات كذلك، فالسكير لا يشرب في رمضان، والمقامر لا يلعب، وهناك الذي لا يجد في رمضان متنفسًا لشهواته، ومبرأً لنزواته، وقيدًا لغرائزه، فهو يرميه بكثرة الصعوبات والمشقات وشل الحركة وتدهور الصحة، كأنه ليس من أمتنا، فيتخذ لنفسه رمضان آخر فيبيح لنفسه النظرة والكلمة القبيحة والأكلة الدسمة والكأس المثلجة والسيجارة السميكة، ولا يكلفه شيئًا إلا أن يجامل الغير رياءً، بجعل عشائه بعد طلقة المدفع، فهذا ما يتحمله بدنه، وإذا كان هناك من قارئ أو ذاكر أو ساق على الإفطار بين البيوت، فإن في بيت هذا وأمثاله أصواتًا من الغناء وألوانًا من الحرام وأهازيج الرقص، ويصبح همه في حياته أن يعيش ويلعب، وكأننا خلقنا لنعيش صعاليك، أو لننجب ونتكاثر وتكون تلك وظيفتنا الرسمية فقط كالبهائم، ولا تميزنا خصيصة من الفردانية والإنسانية، ولا شعيرة من عقيدة، ولا منبرًا من الدعوة إلى الله.

 

في بيوت القرى خاصة، تدر ثديان الخير لبنها، وتغدق سحب النعم، وتنتشر أملاك الوصال، هنالك يتملك البيوت شعور تقي هادئ خاشع، فلا تكاد تطرق طبلة أذنك لغوًا من حديث، ولا عنفًا في جدل أو خصومه، وإذا أخطأ أحد رافعًا صوته مغلظًا ألفاظه، ما يلبث حتى يقبل الرأس ويستغفر ويندم ويقول: أسنغفر الله.. اللهم إني صائم. إن رمضان يرجع النفس نقية كقطرة ماء الكوثر، وطاهرة كفطرة الطفل، فلا تسمع عن قتل أو سرقة أو زنا أو شهادة زور أو خصام، ولا نقترب من منكر، وأنعم بالجلال وسمو السماء فيزداد الجمال، حين ترى فاسد الأمس عابد اليوم، ومن بيته إلى المسجد نظيف الثوب، نقي القلب، بسام الثغر، متلألأ الوجه، مستنير العبادة، رقراق المحبة، مستفيض الذكر، مستطير الفرح، متصلًا بالله فوق سبع سماوات.

     

إن رمضان بيننا كأنه رجل له حياة وعمر وشخصية ومنظر، نذكره قبل قدومه بشهرين ونعد له عدته ومتاعه، ونهيئ أنفسنا وأسبابنا، فمرحبًا بأفضل ضيف وأرحب مسكن، وأهلًا وسهلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رمضان
عرض التعليقات
تحميل المزيد