لا نحسب بدايةً أن حادث كنيسة حلوان الإرهابي المؤدي إلى رحيل أرواح بريئة الجمعة الماضية، لا نحسب أنه مفصليًّا في مثل هذه الأحداث المريرة التي تشهدها مصر، فلا هو يمثل نهايتها، ولا هو الأول من نوعه، بخاصة في سياقه بعد الانقلاب العسكري في مصر، ومهما عبرنا عن رفضنا لمثله فإن الأمر لن يخلو من تكرار، حفظ الله بلادنا وأهلنا الشرفاء المخلصين من كل مكروه وسوء.

 

والحادث يشير بقدر كبير إلى هوان أرواح المصريين جميعًا على قائد الانقلاب ونظامه المجرم، فبعد أن كان مثل هذا الحادث الغادر المجرم يدفعه لأن ينزل بنفسه لتخدير البسطاء من المنكوبين، والدعاء على نفسه بـ«تصدقوا بالله، يا ريتني كنت أنا»، وردود البسطاء المغلوبين على أمرهم التي تتمنى ألا يحدث له مكروه، وبعد أن كان يهرول إلى البابا «تواضروس» مدعيًا أن بريئًا فعلها، وقد حفظ «السيسي» اسمه بصعوبة ليردده كالصبي الخائب الكاذب أمام المُمتحن، صار الأمر يمر مرور الكرام، يدينه قائد الانقلاب في تدوينة «من بعيد لبعيد»، كما يقول المثل العامي.

 

وللحقيقة فإن الحادث سبقته بساعات أحداث مختلفة بضحايا أقل من الأبرياء، حتى أن الجاني الذي أخذ يتمشى ويصرخ خارج الكنيسة وكأنه يذبح دجاجًا، حاشا لله، لا بشرًا، والجاني فعلها قبل الحادث مع أفراد كمين في محافظة بني سويف، ثم انتقل بسلام وأمان من بني سويف على بعد قرابة 125 كيلومترًا ليقتل المزيد من البشر ويعلو صراخه ووعيده في الشارع؛ وتفر هاربة من أمامه مدرعة، ويقبض عليه مواطن، ويكرم وزير الداخلية قيادات تأمين الكنيسة، ولا ندري هل لو قامت بدورها الحقيقي كما يجب أو يفترض، هل كان وزير الداخلية الانقلابي سيجلسها مكانها على كرسي الوزارة أم سيطالب بتوليها رئاسة الوزراء؟!

 

ومن جانب آخر، كأن المشهد في الشارع المصري يسير بوتيرة متسارعة نحو نتيجة واحدة يخطط لها ويرتب بعناية من جانب الانقلاب ومساعديه ومعاونيه وأعوانه وأتباعه، ألا وهي ازدياد الدماء من جميع الأبرياء بفعل الانقلاب، وتأليب بعض المظلومين على بعضهم، فمشاهد التصفية الجسدية والموت التي كانت تسير بوتيرة متباطئة، وإن شملت عدد ضحايا أكبر صارت تسير الآن بوتيرة أسرع، وربما بضحايا أقل ولكن المجموع عقب حادث الكنيسة وبعده لا يبشر بخير على جميع المستويات.

 

ويبدو للعيان أن الانقلاب العسكري لم يرتو بعد من دماء المصريين بعد أكثر من أربع سنوات على بدايته، بل إن المُدهش أن الراصد لردود الأفعال حول الضحايا وأغلبهم من فاقدي الحياة كلها، الراصد لردود الأفعال على أرض الواقع حتى من جانب المعارضة المتشرذمة للسيسي؛ يجد أن المشهد الدموي صار معتادًا، والكلمات مكررة حتى من جانب بيان الإخوان في الجبهة التقليدية المندد بالحادث، وتغافل البيان ضحايا التصفيات الجسدية أو ربما كثر عددهم، فلم يعد يستطيع مجرد الاعتراض والتنديد السريع، دون تفكير في ترقية الفعل المعارض إلى مناهض وفارق كبير بين الأمرين، فالمعارض يلقي بكلمة ويبقى في وجه عدوه في مكانه والمناهض يلقي بحجر في وجهه.

 

أما السؤال الأكثر مرارة والذي يطرحه الواقع بقسوة على العقل مرة بعد مرة، فتتكرر الكلمات وإن اختلفت السياقات والعبارات:

وماذا بعد؟!

 

ولماذا يكتفي الإخوان تحديدًا وهم ذروة سنام معارضة السيسي وأكثر المصريين تضررًا من وجوده، لماذا لا يحركون ساكنًا بمعنى الكلمة في جبهتيهم؟ ولماذا يكتفون «بالتبشير» بالويل والثبور وعظائم الأمور، فيما قادة إحدى الجبهتين يخططون للحصول على الجنسية بخاصة في تركيا، وربما من المحتمل في مقبل الأيام أن يسعوا إلى حصول الذين يرونهم قادة من مناصريهم أو أشباههم في الدول الأخرى، إن لم يكن هذا حادث بالفعل بالنسبة لمن يتنقلون من تركيا إلى غيرها، بخاصة بعد رفع فترة مغادرة تركيا مؤخرًا.

 

إننا أمام حالة من الشلل والموات التام من جانب الجبهتين، والبعض يفهم هذه الكلمات بقدرة قادر على أنها اتهام، ولا يدري صاحب الكلمات أي فشل هذا الذي يجعل أناسًا مثلوا قيادات للجماعة ما تزال لا تستطيع قراءة الواقع ومُذكره بها ترفع في وجهه لافتة أنه يتهمها؟ فيما هو يذكرها بخطأ ما تفعل وتتمادى فيه، وإلا فبماذا يفيد الثوار في مصر حصول العشرات من أشباههم المطاردين على جنسية بلد أو حتى بلاد أخرى؟ وكيف يمكن لمناضلين من المصريين الحاصلين على جنسية دولة أخرى أن يواصلوا مسيرة النضال في مصر؟ مع احترامنا التام لتركيا وقيادتها، وإلا فإنه مما يؤثر عن «جون جرانج» أن الجنسية البريطانية عُرضت عليه، ورغم اعتراضنا على كثير من مواقف الراحل، إلا أنه رأى نفسه مناضلًا ثوريًّا فرفض الأمر باختصار.

 

وإن جاز للذين انتهت جوازاتهم ويعانون من أحكام قضائية قاسية وما شابه أن يطلبوا الجنسية، فماذا عن أولئك الذين ليسوا من ذلك في شيء ويطالبون بها أيضًا؟!

 

إن الأصل والصواب الثوري ليس الهروب من المشهد كله كما يفعل هؤلاء، أو الركون إلى المال والأهل والولد كما يفعل آخرون مكتفين بالمشاهدة، بل إن الأصل أن يجتمع الجميع على كلمة سواء. فإن لم يكن الإخوان بقادرين على مقاومة العسكر، فما من داعٍ للهروب، بإمكانهم التوقف عن الحصول على الجنسية وإصدار البيانات ليقيسوا خطوهم، ويعترفوا بالانسحاب من المشهد السياسي إلى حين وأمام العالم كله، ويتبنوا خطوات متصاعدة لإحراج الانقلاب وقائده بدلًا من اللف والدوران، وترك الأمور في مصر تتفاقم ثم ادعاء الثورية في الخارج، وكثيرون يراجعون ويبنون حياتهم وحساباتهم وراحة أيامهم المقبلة، تاركين المصريين في الداخل يتضورون؛ بل يموتون باسم «شماعة الإرهاب» التي يرفعها «السيسي» ضدهم، فيما قيادات الخارج تكتفي بطلب الاستقرار بمستوياته تاركين الجميع في الداخل والخارج، وما أكثر المظلومين في الجانبين، لمصيرهم!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد