يقول سعود القحطاني، المستشار السابق في الديوان الملكي السعودي وأحد المتهمين حاليًا في جريمة قتل جمال خاشقجي في التغريدة المتبثة على حسابه في تويتر ما يلي:

«يلومني البعض على ما يراه شدة العبارة. لكل مقام مقال. والحديث هذه الأيام يحتاج لهذه اللغة».

أجد نفسي، للأسف، متفقًا مع سعود القحطاني ومؤيدًا لكلامه. فربما هذه التغريدة هي أصدق ما كتبه سعود، رئيس ما يعرف إعلاميًا بالذباب الإلكتروني، طيلة مشواره في عالم التغريد. لكل مقام مقال؛ وعندما تغدر بمواطن أعزل في ما يفترض أنها قنصلية بلاده وتقطع جتثه بشكل وحشي، يجب عليك أن تتحمل شدة العبارة، طال عمرك، خاصة أن الحديث هذه الأيام، مع جريمة كهذه، يحتاج لهذه اللغة.

تغيرت الروايات السعودية الرسمية مرارًا حول حقيقة ما حدث للصحفي السعودي جمال خاشقجي والهدف واحد؛ غسل يد الأمير محمد بن سلمان من دم جمال خاشقجي وإنقاذه من أي مساءلة محتملة. سياسيًا، يمكن فهم الأمر لا تبريره. لكن أخلاقيًّا، يبقى الأمر مثيرًا للاشمئزاز والسخرية. قبل أي سرد كرونولوجي لآخر التطورات، لا بد من التوقف عند الدور التركي الذي أثر بشكل كبير جدًا في مسار القضية.

لا يختلف اثنان على أن العلاقات الثنائية بين الرياض وأنقرة تدهورت بشكل كبير في السنوات الأخيرة. وقد زاد هذا التدهور الملحوظ مع تطورات الثورة السورية والأزمة الخليجية ومحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا. كل ما سبق، يضعنا في سياق أن أي زلة صغيرة، فما بالك بتصفية بشعة لصحفي، سيتم استغلالها لأقصى حد ممكن ولأطول مدة زمنية ممكنة.

تمثل الدور التركي في ملف خاشقجي أساسًا في إطالة عمر القضية عبر التسريبات المتتالية التي كانت دائمًا ما تعتمد على الروايات السعودية، فكلما خرجت الرياض برواية حول ما حدث، تُظهر التسريبات التركية نقيضها تمامًا وتدحضها وتكشف زيفها وتناقضها. أيضًا، عملت هذه التسريبات على تدويل الملف وإعطائه بعدًا عالميًا، أولا بالتفاصيل الدقيقة والبشعة للجريمة، وثانيًا بربطها مباشرة بقمة الهرم السياسي السعودي المتمثل في الملك سلمان وولي عهده. تعاملت إدارة أردوغان بذكاء كبير مع ورقة الضغط التي كانت بحوزتهم ولم يستنزفوا كل المعلومات التي لديهم في ظرف زمني قصير مما جعل الرياض تتخبط في مواقف ارتجالية متناقضة.

راهن كثيرون مع بدأ القضية على صفقة محتملة بين الرياض وأنقرة تستفيد منها الأخيرة من تسوية مالية تجعلها تتكتم على ما بحوزتها من معلومات. لكن مع توالي الأيام والتسريبات، اتضح بجلاء أن الأتراك يفضلون إدانة السعودية أكثير بكثير مما يفضلون أي خيار آخر. ربما لم تحدث الصفقة لأن الرياض لم تقدم عرضًا، أو ربما لأن الأتراك رفضوا، أو لأي سبب آخر من الأسباب، لكن أليست هذه الصفقة دليلا واضحًا يدين الرياض بشكل رسمي؟ وهل يمكن إجراء أي صفقات من هذا النوع دون مباركة البيت الأبيض؟

في آخر التطورات، خرج شلعان الشلعان وكيل النيابة العامة السعودية في مؤتمر صحفي ليكشف عن نتائج التحقيقات السعودية، كان البيان مبهمًا وغامضًا من حيث المضمون إذ تم اتهام 5 أشخاص بالضلوع مباشرة في الأمر بالجريمة وتنفيذها وطالبت النيابة العامة بإعدامهم، وقالت النيابة العامة أن نائب رئيس الاستخبارات العامة السابق اللواء أحمد عسيري هو من أمر بإحضار خاشقجي بأي وسيلة وإن تطلب الأمر قتله، وبأن الكاميرات عطلت في مبنى القنصلية من طرف شخص واحد دون تسميته، في حين أن القتل تم بعد عراك وشجار قٌيد فيه خاشقجي وحٌقن بجرعة مخدرة زائدة أدت إلى وفاته، وبعد ذلك تمت تجزئة جتثه وتسليمها لمتعاون محلي.

هذا البيان الرسمي الذي هو أقرب إلى كونه اجتهادات صحفية منه إلى نتائج تحقيقات نيابة عامة، كان مبهمًا، غامضًا وأجوفًا إلى حد بعيد. فالقول بأن التحقيقات خلصت إلى أن الجثة تم تسليمها إلى متعاون محلي دون تسميته أو توفير أي ضمانات أن النيابة العامة السعودية جادة في الكشف عن هويته ومعه مكان الجثة، يزيد من علامات الاستفهام بدل الاجابة عنها. ما معنى متعاون محلي أولا؟ وما دوره في الجريمة؟ ومن سلمه الجثة ولماذا؟ وأين هو المتعاون المحلي الآن ومعه جثة جمال خاشقجي؟ لم القول بأن الجثة تمت تجزئتها بدل تقطيعها؟ ومن هو المتهم الذي عطل الكاميرات؟ وما الذي يفعله خبير تشريح في فريق نيته التفاوض؟ وما دور القنصل العتيبي في كل هذا؟

شخصيًا، أنا مقتنع تمام الاقتناع بأن الأمر بتصفية جمال خاشقجي هو أمر صدر من ولي العهد محمد بن سلمان، وبأن لا أحد في السعودية يملك القدرة والصلاحية على استصدار أوامر كهذه أولا، وحتى إن فعل، فلا بد من موافقة القيادة ومباركتها بقيادة الملك سلمان وولي العهد. ونظرًا لأن محمد بن سلمان هو الحاكم الفعلي للمملكة، فهو المتهم الأول بجريمة مقتل خاشقجي، أما اللواء عسيري والمستشار سعود القحطاني وماهر المطرب وغيرهم من المتهمين، هم فقط سكاكين حادة كان يمسك بقبضتها محمد بن سلمان والآن حان وقت تنظيفها والتخلص منها. وبهذا الصدد، من الوارد جدًا أن يتم إعدام أكباش الفداء المعنيين في أقرب الآجال، لا إحقاقًا للعدالة، بل إخفاء قسريًا ومنعًا من أن تحولهم لشهود قد يدينون ولي العهد إن توافرت لهم الظروف.

إذن، يمكن تلخيص مأساة جريمة قتل جمال خاشقجي في أنها بدأت برعونة وغباء، أولا في الأمر بقتل صحفي سلاحه الوحيد قلمه، وثانيًا في التنفيذ الغبي زمانًا ومكانًا وطريقة، وثالثًا في التستر على الجريمة بشكل ارتجالي سقطت معه المملكة من مرتبتها الاعتبارية وأصبحت أكثر من أي وقت مضى أقرب إلى كونها مافيا منها إلى دولة بلاد الحرمين.

في الختام، يمكن وصف هذه الجريمة النكراء بأغبى عملية تصفية جسدية في التاريخ، وما أعقبها من محاولات طمس معالم الجريمة بأغبى محاولات التستر في العالم، لكن هذا لا ينفي أن مسلسل الغباء واستحمار العقول مستمر من الجانب السعودي الرسمي عبر بيانات النيابة العامة،

و الآن، أنهي هذه الأسطر باقتباس آخر من أحد أبرز المتهمين في قضية خاشقجي المستشار السابق سعود القحطاني (وإن اختلف السياق لكن يبقى الثابت أن القرارات تملى ولا تتخذ ويستحيل أن يتخذ أي مسؤول سعودي قرارًا بهذا الحجم دون علم القيادة).

«وتعتقد أني أقدح من رأسي دون توجيه؟ أنا موظف ومنفذ أمين لأوامر سيدي الملك وسمو سيدي ولي العهد الأمين».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد