وقعت الجريمة في وضح النهار، هكذا قيل وشاع الأمر بين الناس، وقد أمسكوا القاتل، وبعد أن حبسوه في مستقر أمين استدعوا الشرطة، التي أسرعت من فورها للإمساك بصيد ثمين طالما أقضّ مضجعها كثيرًا.

وضعوا في يديه أصفادًا حديدية، الجمع كان غفيرًا، لدرجة أن رجال الشرطة كانوا يمرون بينهم ويحكمون قبضتهم على المجرم بصعوبة.

وقد التقت أعين جمهور الحضور  بعيني المتهم لحظات قليلة، عرفهم جميعًا، فهم إمّا قريب أو زميل دراسة أو رفيق عمر أو ساكن بالجوار، وهؤلاء بدورهم عرفوه وأسمعوه ما شاء من قبيح اللفظ ولا ندري سببًا حقيقيًا لسخطهم؟! وغضبهم هل كان للجريمة التي نُسبت إليه أم حزنًا على الضحية؟! أم تشفيًّا في المتهم؟!

على كل فقد ذهب المتهم مع رجال الشرطة، مطأطئ الرأس، واجمًا شاردًا عمّا حوله، لا ندري إن كان ندمًا على فعلته أم دهشة مما يحدث له!

ولم تستغرق المحاكمة وقتًا طويلًا، إذ كانت التهمة ثابتة بحقه، الجريمة شنعاء، والحضور جميعهم شهود إثبات، لم يكن من بينهم شاهد نفي واحد للتهمة. سريعًا حُوكم، ثم نُفّذ القصاص بحقه.

جرت مياه كثيرة في النهر، فقد مرت عشرات السنين، الكل يتوارث الحدث ويذكر الحادثة ويؤّمن عليها ويؤمن بوقوع الذنب في كنف المتهم، يلعنون المجرم آناء الليل وأطراف النهار ولا تُذكر الجريمة إلاّ وكان الترحّم والشفقة على الضحية.

حتى يوم مشهود؛ إذ أتى وافد من بعيد، لم يره القوم من قبل، جاء من أقصى الأرض، لم يحضر الواقعة ولم يرَ الجريمة ولم يشهد حوادثها، لكن تميّز بحكمة بالغة، وأمانة فُطر عليها، وصدق في القول. صدمهم بقوله إن المجرم الحقيقي كان شخصًا آخر، وأن من سيق للمحاكمة واقتُص منه شخص بريء ولم يكن هو الفاعل! هكذا قال.

وأكدّ أنه يعلم الرواية الصحيحة، نقلًا عن مصدر ثقة لا يتطرق إليه الشك، وحديثه هو اليقين بعينه.

ثم قال: إن أقاربه وأصدقاءه في بلدته البعيدة يؤمنون بوجهة نظره هذه. وإنما جاء إليهم اليوم ليقنعهم بها وليرفع عن كاهل المجرم المزعوم ما لحقه من أدران الجريمة زورًا!

أُسقط في أيديهم، ناقشوه كثيرًا، وجادلوه بلين كثيرًا وبغضب وثورة حانقة أحيانًا، إلاّ أنه وبدماثة خلق وأدب جمّ أصر على رأيه، وقال لهم ما جئتكم إلاّ لأبيّن وجه الحقيقة الغائبة منذ سنوات بعيدة، وقد تقبّل بعضهم كلامه على مضض، وآخرون أساؤوا إليه وشككّوا فيما قال.

وقد هُرع إليه بعض حكمائهم وكبارهم، وقالوا له:

لك أن تصدق أنت ومن معك ما تقول وأن تؤمن به إيمانًا مطلقًا، لكن يا هذا إن أنكرنا ما رأيناه بأعيننا منذ سنوات بعيدة، وإن صدّقنا زعمك أن المجرم لم يكن هو من عرفناه وعاش بيننا وأمسكنا به وقت الجريمة واقفًا شاخصًا على رأس الضحية المسكين، ثم حُوكم في النهاية وطُبّقت عليه العدالة واقتُصّ منه، فالآن كيف نصدّقك أنت؟ ثم كيف نؤمن لما تقول، فأنت لم تكن شاهدًا على ما حدث ولم ترَ ما رأينا؟

ثم تأتينا بعد عشرات السنين لتدحض كل ما حدث وتنكر جريمة رأيناها رأي العين وشهدنا وقائعها؟ وكيف تجهض فكرًا وثقافة عشنا عليها وتربى أبناؤنا في ظلها؟ هل لك أن تضع نفسك مكاننا جميعًا، ماذا تقول لو حدث العكس؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد