وأنا أتصفح الاخبار على صفحة الاستقبال بـ«فيسبوك» شدني خبر يفيد بأن 70% من التونسيين لن يصوتوا في أي انتخابات قادمة مما يعني عزوفًا كليًّا عن العملية السياسية. أكان ذلك ردًّا طبيعيًّا على ترذيل الحياة السياسية طوال السنوات الأخيرة أم أن الأمر أعمق بكثير وأمر دبر بليل؟

المنطق واضح وبسيط: تستطيع الدولة الاستبدادية إخضاع خصومها عن طريق القوة، لكن مع فقدان الدولة لهذا السلاح يغدو لازمًا استخدام أدوات أخرى للحيلولة دون تدخل الجماهير الجاهلة فيما لا يعنيها، ألا وهو الشؤون العامة.

الفكرة أشمل من ذلك بكثير في الواقع، يتعين دفع العامة إلى السلبية في الحقل السياسي، ولكن كي يصبح الإذعان سمة موثوقة، ينبغي ترسيخه في حقل الاعتقادات. حسب العامة أن يكتفوا بالمراقبة دون مساهمة وأن يستهلكوا الأيديولوجيا جنبًا إلى جنب مع المنتجات. يقول إدواردو غاليانو: يتوجب على الأغلبية أن تستسلم لاستهلاك الخيال. تباع أوهام الثروة للفقير، وأوهام الحرية للمضطهد، وأوهام القوة للضعيف، وأحلام الانتصار للمهزوم. هنا تكمن النقطة الأساسية. يحتاج الناس إلى أسباب للتفريط في حقوقهم، والأسباب المطروحة مزيفة، لا تقنع إلا من له مصلحة أنانية من وراء الاقتناع. طرح هيوم مفارقته على المجتمعات الواقعة تحت الاستبداد وتلك الأكثر حرية على حد سواء. تحمل هذه الأخيرة أهمية أكبر بما لا يقاس. كلما أصبح المجتمع أكثر حرية وتنوعًا، تصبح مهمة إخضاعه أكثر تعقيدًا وبالتالي مشكلة تفكيك وكشف آليات التلقين أكثر صعوبة.

اشتهر جورج أورويل بكتابيه «مزرعة الحيوان» و«1984» اللذين يركزان على العدو الرسمي، أو اللذين قد يفسرا بهذه الطريقة على أقل تقدير. ما كانت أعماله لتشهد تقديرًا لو طرح السؤال الأكثر أهمية وإثارة المتعلق بالتحكم بالفكر في المجتمعات الحرة والديمقراطية نسبيًّا، بل كان سيواجه نبذًا مختلفًا متحفظًا أو طعنًا علنيًّا عوضًا عن الإشادة الواسعة.

في ديمقراطية رأسمالية الدولة كما هو الحال في تونس: الشعب هو الذي يحكم من حيث المبدأ، إلا أن السلطة الفعلية إلى حد كبير في أيد خاصة لها تأثير هائل في مجمل النظام الاجتماعي. لنطرح الفكرة الأساسية بفجاجة، سيعاني الجميع ما لم يرض الأثرياء والنافذون، لأنهم يتحكمون بمستويات المعيشة الأساسية، ويحددون ما الذي سيتم إنتاجه واستهلاكه، ويقرون الفتات الذي سيرشح إلى رعاياهم. لطالما أدركت النخب أنه حين يتعذر تأمين الطاعة عن طريق العصا، يتوجب تخريب الديمقراطية بوسائل أخرى.

كان من الضروري في أعقاب الثورة تلقين الناس درسًا، بالقوة، أو بالإقناع، ليفهموا أن المثل التي نودي بها أيام الاحتجاجات سنة 2011 لا ينبغي أخذها على محمل الجد. لن يمثل عامة الناس مواطنون ينتمون إليهم، ويعرفون آلامهم، بل رجال أعمال ومحامون وغيرهم ممن يحوزون سلطة خاصة أو يخدمونها. غالبًا ما يتكرر في الصراعات الثورية اصطدام الطامحين للسلطة مع بعضهم البعض غير أنهم يحافظون على وحدتهم في مواجهة النزاعات الديمقراطية الجذرية بين عامة الناس (تحالف النهضة والنداء سنة 2014). كذلك رصد أورويل عملية مشابهة في إسبانيا، حيث كانت صفوف الفاشيين والشيوعيين والديمقراطيين الليبراليين موحدة في مواجهة الثورة التحررية التي اجتاحت معظم أرجاء البلاد، ولم ينصرفوا إلى النزاع على الغنائم إلا عقب تأكدهم من قمع القوى الشعبية الجذرية تمامًا. لطالما تخوفت النخب من أن تؤسس التنظيمات الشعبية جادة وإصلاحًا اجتماعيًّا يؤديان إلى تهديد مصالح الامتيازات، ينبغي إذًا قمع أو سحق من يسعى إلى أن يعلي من شأن الحشود الوضيعة ويجمعهم في مواجهة نخبة الرجال. لم يكن مفاجئًا اغتيال شكري بلعيد، كما لم يكن مفاجئًا تجاهل ملف هذه الجريمة الوحشية والتعتيم على مرتكبيها. القاعدة هي: لن يفضي السماح للجماهير بدخول ساحة صنع القرار بمعنى حقيقي إلا إلى كارثة بالنسبة للنخب الحاكمة. وتجلت آليات السيطرة على الفكر إلى جانب التخريب وإرهاب الدولة للحد من انتشار سرطان الديمقراطية الشعبية. لا يزال الرعاع يقاتلون في سبيل حقوقهم على الرغم من كل الجهود المبذولة لاحتوائهم ولا تزال السلطة القائمة تخرب النقاشات المهمة وأي تهديد، حقيقيًّا كان أم ظنيًّا، لامتيازات النخبة المسيطرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد