إن ما يقع في التعليم المغربي بصفة عامة من تخبطات وعشوائية في التنظيم وحدس من لا مبالاة بهذا العنصر المهم، وإن كان من الأولويات لكل دولة طامحة في التقدم والازدهار، كيف لا وهو من أقوى الأسلحة التي تتسلح بها الأمم لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية النهوض بقيم المواطنة ومواصلة الطريق نحو الغد الأفضل، لكن وللأسف ما يحدث أن في المغرب يعبر عن شيء واحد: أن التعليم وأطفالنا في خطر.

إن تقدم كل دولة يرجع إلى عدة أسباب، منها التعليم الصحيح والناجع، وهذا ما نراه ينعكس على واقع الدول الغربية التي وضعت أولوياتها والتزاماتها نحو التعليم وإن كان إلى حد تقديسه، يمكنك الآن مع تقدم وسائل التواصل أن تطلع على أرقام إحصاءات المنظمات الدولية ومؤشر التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة لتوقن أن ما نقوله ليس مجرد أحاديث فارغة. وإنما هي حقائق يقينية مدعومة بالأرقام.

عزيزي القارئ نحن الآن بصدد معالجة قضية مهمة، ألا وهي التعليم والتعلم. إن العلم شيء تتباهى به الأمم وحامل العلم كحامل شعلة التغيير، والمصلح له أعداء يحاولون منعه بكل قوة عن مواصلة تقدمه وقوله تعالى في هذا الصدد: وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون. هكذا نتأكد أن التغيير دائمًا محط الأنظار. عمومًا هذه كانت مجرد مقدمة لما سيأتي من تحليل وتقصي الأحداث عن هذا التحدي التنموي في المغرب.

إن السبب وراء كتابتي لهذا المقال هو نظرتي للتعليم، هذا القارب الصغير الذي تعصف به أمواج البحر العاتية، وتكاد تحطمه ثم تغرقه في غياهب الظلمات.

الأول سنتحدث نظام التعليم كنظام عمومي إجباري، وإن كانت هذه الأخيرة مجرد حبر على ورق؛ لأن معظم الأسر عاجزة عن إدخال أطفالها في مدارس، وأخرى أوقفتهم نظرًا لبعد المسافة بين المدرسة والبيت، والأزمة هي النقل المدرسي والصعوبات التي يوجهها التلاميذ في الوصول إلى المدارس، وخصوصًا في فصل الشتاء في المناطق الجبلية ومسالكها الوعرة؛ مما يهدد حياة الطفل. ومن أسباب الانقطاع المدرسي كذلك خلفيات بعض الأسر المحافظة (المتخلفة) التي تحرم تعلم الفتاة وتحدد المستوي التعليمي للولد، على أن الفتاة يجب أن تتعلم إشغال البيت لتجهز نفسها للزواج، أما الولد فيجب عليه التعلم فقط لمدة محدودة تعينها الاسرة، طبعًا الأب بسلطته المتجذرة في العادات والتقاليد، والجد باعتباره قائد العائلة أو القبيلة، هم الذين يحددون قيم الرجولة في الأشغال الشاقة، وهي الحرث، والحصاد، والبناء والعديد من الأشغال الجسدية التي تتطلب جهدًا كبيرًا لمزاولتها، فتخيل معي وضعية هدا الطفل الصغير العاجز في خضم هذه النشاطات المهلكة لقواه الجسدية، وعند التعب ومحاولة نيل قسط من الراحة يسمع الأصوات تخبره بأن يتابع، فهذا طريقه الوحيد لتحقيق مبدأ الرجولة. من حين طفل لآخر في مثل سنه يتمتع بحقوقه في التعليم والصحة والحياة الهادئة. أهاته قيم الرجولة عندنا؟ تقتلون الإبداع في أطفالكم باسم الرجولة تحرمهم من أبسط حقوقهم، ثم تنتظرون منهم أن يحملوا لواء التغير والتطور.

الآن بعيدًا عن فكرة التعليم دعونا ندخل إلى أوساط الأسر ونتغلغل فيها بصفتها المعلم الأول للطفل، للأسف بعض الأسر اليوم لا تؤدي أدوارها في توعية أبنائهم وتعليمهم ما هو الصحيح والغلط وتلقينهم أسس دينهم السمحة، لذلك نجد أن معظم الناس ذوو أفكار متطرفة، وقابلون لغسل أدمغتهم بسهولة، هم هؤلاء الذين عانوا من فراغ ديني وأخلاقي. أما ما يؤلمني عندما أرى أطفالًا يلهون ويلعبون وهم يرددون الألفاظ النابية ويحملون الأشياء الحادي، أو حتى بقايا سيجارة، وترى في وجوههم مجرمي المستقبل، وخراب هذه الأمة في المستقبل، وهم الصحف البيضاء والكائنات البريئة المستعدة للكتابة عليها بحبر العلم والتربية الحسنة ومبادئ الإبداع.

وناهيك عن أطفال إشارات المرور المتسولين الذين يرجونك لشراء منديل ورقي مقابل ثمن بخس طبعًا والأجانب يشهدون ذلك، أنا لا الوم الاطفال فهم الأبرياء، لعل الظروف القاسية هي ما جعلتهم هكذا، لكن الوم بشكل شديد الاسر في المقام الأول ثم الدولة التي لم تدمجهمم في مؤسستها وتؤمن لهم حياة الهنيئة والمسيرة الموفقة الخالية من العراقيل، وكذلك العائلات التي نسيت أدوارها في تحديد الخطوط العريضة لأبنائها في الاختيار الصحيح لخطوات حياتهم المستقبلية بحزم وثقة، ثم جدية لتقبل مصيرهم، والمضي قدمًا لتحقيق الأحلامهم.

إن مشكلة التعليم الآن ليست مجرد أزمة عابرة، وإنما قديمة، لكن كانت بوتيرة واحدة ضئيلة، ومع الوقت بدأت تكشر عن أنيابها وتعلن أحقية وجودها، وهذا ما يتجلى اليوم في التعليم المغربي الذي بدأ يعلن عن فشله الذريع في النهوض بالبلاد نحو الازدهار والتقدم، إنما يزداد في التخلف والرجعية في المناهج التعليمية وأسس التعليم ومبدأه.

ويتجلى ذلك في قانون الإطار الذي ينص على إدراج الدارجة في المناهج التعليمية فصلًا تلو الآخر مهزلة تعليمية تعصف باسم القضية لدي الأمم.. والذي يدعو إلى التذمر والغضب هو عندما تطلع على المناهج التعليمية لدى الدول تجدها في أبهى حلة وقابلة للتجديد، فنظام التعليمي لفنلندا مثلًا كدولة بارزة في هذا المجال، وهذا تؤكده الإحصاءات والأرقام العالمية التي تحطمها فنلندا التي توفر تعليم كامل خال من الرسوم الدراسية، ويتكون من برامج رعاية الأطفال الصغار أو الروضة، وكذلك توفير خدمة النقل المدرسي للمناطق الريفية. وكذلك العمل على استراتيجية مفادها تقريب المدارس من الأحياء السكنية للتلاميذ إذا كان ممكنًا.. والعديد من الميزات التي توفرها الدولة للتعليم الفنلندي في سبيل التقدم ومحو الجهل والأمية، راجعوا الإحصاءات وستفاجأون بالنتائج.

أظن أن الصورة قد وضحت ولو قليلًا عن أزمة التعليم في المغرب كواحدة من العديد من التحديات التي يواجهها المغرب في أحراز التقدم والازدهار والبعد عن الجهل والأمية والتخلف الفكري الاجتماعي لدى الموطنين، والوعي بأهمية التعلم وتطوير الذات وتغذية العقل والخروج عن النمطية في التفكير وإحراز التقدم، ولو حتى بوتيرة قليلة، وعي الناس بذاتهم وفهمها لأن معظم الشباب اليوم يعاني من قصور ذاتي وعدم فهم الأحداث والوقائع المحيط به. إن تقدم كل دولة وازدهارها يعود إلى مدى وعي مواطنيها عن طريق التعلم، وكذلك العناية بتعليم والشباب كوسيلة مثلى للتحول نحو الأفضل، وبناء مستقبل زاهر لجيلهم، ثم الجيل القادم، ثم الذي يليهم وهكذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الازمة التعليم في المغرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد