ما يحدث في مصر الآن لا يمكن أن يكون طبيعيًّا بأي حال من الأحوال، حرائق وحوادث، انهيار كباري وسقوط منازل وانسداد أهم طريق مائي يكلف ذاك البلد يوميًّا عشرات الملايين. يُسنده البعض لحوادث عرضية تحدث في أي مكان، لكن البعض الآخر يسنده للعنة الفراعنة. كما للفريق الأول الحق فيما قال، فلا بد للفريق الثاني أن يملك الحق نفسه والمساحة من إبداء الرأي.

هذا المقال ليس لمناقشة فرضية الفريق الأول، لأنها لا تحتاج لإيضاح إن كانت مجرد حوادث عرضية. إنما هو لمناقشة رأي الطرف الثاني، وقولهم بأن ما يحدث الآن يتزامن مع نقل جثامين ومومياوات ملوك وأميرات مصر القديمة إلى المتحف الكبير بالجيزة، الأمر لافت للنظر لأن فرضية أن لعنة الفراعنة موجودة قائمة بذاتها، ليست لأنها مرتبطة بأحداث وقعت فيما سبق لصائدي الكنائز أو نابشي القبور، وليس لأنها ترتبط بأفعال وقعت في متاحف غربية تضم الكثير من جثامين الملوك المصريين. وإنما لأنها تستند إلى مبدأ ديني مهم وهو «إزعاج الموتى».

فإن كنت تعتقد أن الصلة بين ساكني هذا العالم وأهل القبور بالموت فأنت مخطئ.

إن القبور ما هي إلا بيوت من غابت أرواحهم عن أجسادهم أمامنا فقط. لكنهم وكما قال النبي، عليه الصلاة والسلام، يتزاورون، وإن كانوا أحياءً في قبورهم فكل من يقترب منهم يعكر صوف راحتهم، وإن كنت لا تصدق ذلك فأني لك أن تؤمن بنعيم القبر وعذابه! وأن النبي صل الله عليه وسلم قد أخبر بذلك في الحديث الثابت عن النبي، صلى الله عليه وسلم، والذي أخرجه البخاري و مسلم في الصحيحين، قال:«مر النبي، صلى الله عليه وسلم، على قبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول».

كما أن للأمر بعدًا آخر بعد إيمانك بنعيم القبر وعذابه، هؤلاء الملوك والملكات والأمراء والأميرات قد كانت بينهم حياة كاملة وعائلات شتى ومواقف متعددة، قتل بعضهم البعض وكره أحدهم الآخر وتصارعوا على كل زائل مما نفعل نحن الآن، ثم اختاروا أن يدفنوا في أماكن مختلفة حسب أهوائهم قبل الموت، فقيل إنهم كانوا يبنون قبورهم في عمر الشباب وهذا ما نعلمه الآن وما نحن عليه بدورنا، ثم الآن تأتي طائفة أو هيئة أو أيًّا يكن من كيان فيجمعهم كلهم بأجسادهم ومقتنياتهم في مكان واحد من زجاج، ليضعهم أمام أعين الناس من أجل الكسب المادي، أقلقته من نومه وغيرت موضعه ووضعت النساء عرايا مع الرجال في مكان واحد، ونقلته من مكانه الذي أحبه وبناه بنفسه وربما قتل نفسه وحاشيته من أجل أن يدفن فيه وينتقل بهم ومعهم للحياة الآخرة التي كانوا يؤمنون بها، كل هذا رغم كل التحذيرات التي كتبت على قبورهم. فتحديت كل ذلك وتجرأت على وحدتهم.

وربما يثبت ذلك أيضًا استخدام الأطفال في التنقيب عن الآثار، وهم المعروفون باسم الأطفال الزهوريين.
وإن كانت القبور مفتوحة ولا شيء يحميها، فلم يستخدم هؤلاء الأطفال؟؟ يجري الأمر بكل عناية في أماكن محدودة وكيفية معلومة في ليالي اصطفاف الأجرام السماوية في تمام توافق الاصطفاف، يرونهم جنسًا نادرًا في بني البشر، بنسبة واحد من كل مليون، السلالة الزهورية.

الإيمان بالآخرة هنا يدعونا للوقوف أمام عظمة الفعل نفسه، فبمجرد أن تحضر أجسادًا من مكان قد آووا أو أُووا إليه لينتقلوا للحياة الأخرى ليرتاحوا، قد تدخلت أنت في إعادتهم بالإكراه من الحياة التي قد دخلوها بقدر الله، والتي قد اختاروها وحضروا لها مسبقًا إلى حياة قد عاشوها بالفعل ومتاع قد تركوه. فكان الأولى أن نعتبر لا أن نتاجر بوجودهم وزوالهم.

وعلى كل إنسان أن يقيس هذا الأمر على نفسه ليشعر بما يمكن أن يكون حال تلك المومياوات الآن.
أيرضى أحدهم أن يموت مقتولًا كان أو منتحرًا، ثم بعد أعوام يخرج ليصبح مجرد عرض في إحدى الصالات، في البرد والحر، بين العيون لا سبيل له في تغيير موقفه!

في نهاية الأمر دعك من كل ذلك واسأل نفسك سؤالًا واحدًا: أتظن أن من استطاعوا بناء صروح وأهرامات تعيش أكثر من 5400 عام وما نزال نراها حتى الآن بعلمهم وقدرتهم مع ما بها من دقة وعظمة، أن يعجزوا عن حماية قبورهم وأجسادهم بعد الموت؟ إلم يكن من أبنائهم فمن أعدائهم على الأقل.
ربما سنفهم أكثر إن كنا حقًّا نعلم الهيروغليفية، بدلًا من أن يترجم لنا من الغربيين. وربما كان عدم علمنا بالهيروغليفية نعيم كبير قد أراحنا من رعب لا طاقة لنا به.

فلا تتعدى على الموت ولا تستهل حرمته، فهو أمر ليس بهين ولا تحمد عاقبته. ولا ضار ولا نافع إلا الله، الخير منه والعطايا منه وهو ملك كل ملك، وعبيده ملوك وإلم يكونوا كذلك.

 دُمتم في أمان الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد