تبعد الأندلس وأوروبا عموما عن نيوزيلندا آلاف الكيلومترات جغرافيا، لكن ذاك المثقف بالحقد كان له رأي آخر، إذ لم يمنعه هذا التباعد الجغرافي من استدعاء تاريخ أوروبا كلها إلى نيوزيلندا وجعلها في خلفية مجزرته المروعة بحق المصلين الآمنين في مساجدهم، ليثأر لهزائم القارة العجوز أو يسير على خطى قادتها المنتصرين في بعض المعارك التاريخية.

لا يكفي هذا المشهد رغم فظاعته ليبعث الحياة في الحروب الصليبية من جديد، كما أن استدعاء حصار فيينا لا يكفي لإعادة حصار البشرية بحروب عبثية جديدة، وارتداء لباس الحرب التاريخي للجيوش الأوروبية لن يجعل العالم يرتدي ثوب الحرب الدينية من جديد، وإن الافتخار بقادة الصرب الذين قتلوا المسلمين في البوسنة لن يكون الرد عليه إلا بتأييد الحكم عليهم بأنهم مجرمو حرب ومرتكبو جرائم الإبادة.

إن الحروب الصليبية مرحلة تاريخية مضت وانقضت لن تعود، ولا ينبغي لها أن تعود، إذ إن سياق تلك الحروب التاريخية، والتي سميت بالصليبية نسبة لارتداء الجنود لباسًا عليه رسم الصليب، ذاك السياق التاريخي لم يعد موجودًا الآن.

لن ندخل بأهداف الحملات تلك، هل كانت اقتصادية أم سياسية أو حتى دينية، لأننا لسنا بصدد دراسة تلك الحروب وخلفياتها ونتائجها في هذا المقال، بل نحن بصدد معالجة ذاك المصطلح الذي ما إن يطلق حتى تجد الناس قد رضخت واستسلمت له وكأنها أصبحت منومة مغناطيسيًا، لتفقد السيطرة والقدرة على التفكير ولتنقاد بغرائزيتها بعيدًا عن عقلها وإدراكها للواقع الحالي.

إن الحروب الصليبية قد أعلنتها الكنيسة الكاثوليكية عندما كانت تُحْكِمُ سيطرتها على جميع نواحي الحياة في المجتمع، وذلك بتحالفها مع الأباطرة في ذاك الوقت وتلك الحقبة من تاريخ أوروبا، فهي حرب أعلنتها وقادتها الكنيسة بوصفها الديني، وبوصفها المتحكم بكل شؤون الناس آنذاك.

أما اليوم فالكنيسة لم يعد لها إلا السلطة الروحية لمن ارتضى ذلك من أبنائها، بعدما تم فصل السلطة الزمنية عنها، والتي تعني فصل الكنيسة والدين عمومًا عن الحياة بكل تفاصيلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لذا فإن الزواج في أوروبا يكون مدنيًا وفق لقوانين الدولة، ويستطيع من شاء أن يتزوج كنسيًا ساعة يشاء إن أراد ذلك.

ومن هذا المنطلق فالحديث عن حرب صليبية جديدة على الإسلام والمسلمين ليس صحيحًا وليس واقعيًا، إذ لم تعلن الكنيسة ذلك، ولم تدعُ إليه، بل على العكس استنكرت بعض التصريحات التي حاولت إلصاق الصليب بتلك الحروب، وهذا أمر يجب أن يتنبه له المسلمون جيدًا، لأنه قد يكون ملهاة جديدة لهم عن التحدي الأساسي الذي يواجههم والذي يجب أن يعملوا عليه، وهو الاهتمام بقضايا المجتمع المختلفة، والعمل على استنهاض الهمم لإصلاح الواقع السياسي والاقتصادي والإداري في مجتمعاتهم، بعيدًا عن تلك الشعارات الكبرى والفارغة من المضمون السياسي أو الاقتصادي وحتى الفكري العقدي.

إن ما نراه من بعض الحالات التي تحاول أن تبعث الروح بتلك الحروب التي ماتت واندثرت لا تعدو كونها ردة فعل معينة على واقع معين، كهجرة المسلمين بأعداد كبيرة إلى تلك الدول، مع معرفة تاريخية بتلك المرحلة القاتمة من تاريخ البشرية، حتى اليمين المتطرف الذي يقود حملة العداء الكبير للمسلمين في أوروبا والعالم ليس نابعًا من الصراع الديني العقدي بين هؤلاء والمسلمين، بمعنى أن الصراع ليس بين عقيدة صلب المسيح وعقيدة لا إله إلا الله، بل بين مجموعتين بشريتين مختلفتين في التوجهات الفكرية المتعلقة بالنواحي الحياتية من سياسة واقتصاد، وكذلك بين الخوف على النمط الذي يحياه الغربيون في مجتمعاتهم والذي لا يمت بصلة إلى الدين المسيحي.

كما أن بعض السياسيين الذين صرحوا بأن حروبهم هي حروب صليبية لا تخرج عن كونها حروب بين نمطي عيش وليس بين ديانتين، فبوش مثلا لم يكن يقاتل في أفغانستان والعراق دفاعًا عن الصليب أو عن المفاهيم المسيحية، أو يريد نشر المسيحية في العراق وأفغانستان، بل كان يريد نشر أفكار أمريكا ونمط عيشها السائد في هاتين البلدين، أو يزيل ما يهدد هذا النمط، أو هذا على الأقل الجزء الظاهر المصرح عنه في حملته على هذين البلدين، التي بطبيعة الحال لا تخفي حب السيطرة على المواقع والموارد.

فنحن عندما نقوم بتصنيف أطراف صراع ما، غالبا ما يغيب عن ذهن المتلقي الواقع الحقيقي لهذا التصنيف، ويأخذ اللفظ بما يحتوي من معنى لغوي أو اصطلاحي فقط، دون أن يدرك طبيعة التصنيفات والتسميات والغاية منها والتي تتمثل بالتعريف عن هؤلاء، فمثلا الحرب اللبنانية الأهلية والتي جرت معظم أحداثها بين مسلمين ومسيحيين لم تكن حربًا دينية، أي أن الطرفين لم يكونا في صراع على العقائد الدينية أو على نمط عيش نابع من طبيعية الديانتين، بل كان بين مجموعتين بشريتين تتقاتلان على قضايا سياسية بحتة، وما التسمية سوى مجال للتعريف عن الأطراف، مثلما يسمي أحدنا ابنه مسلمًا وينشأ هذا الابن لا دخل له بالإسلام.

آن لنا أن ندفن أحزان تلك المرحلة دون أن نمس الحقوق الوجودية والسياسية لأنها لا تسقط بالتقادم، وآن أن ننزع من أدمغتنا تلك الأفكار التي لا تتحرك إلا للدم المتدفق، وأن نعالج تلك النفوس التي لا تثور للفقر المدقع الذي نعيشه، ولا لمستوى التعليم المتدني، ولا للحقوق السياسية الضائعة بين السجون والمعتقلات، ولا لاقتصاد البلدان الضائع بين الرشاوى والصفقات، ولكنها تثور فورًا لمجرد ذكر الصليب أو رؤية الدماء أو محاولة بعث المعارك التاريخية.

وما جرى في نيوزيلندا يؤكد ذلك ولا ينفيه، يؤكد همجية تلك الأفكار، ويؤكد أن المجتمعات تلك لا تتبنى تلك النظرة القبيحة في العمل على استرجاع الحقوق التي تراها ضائعة منك، وتعاسة العيش في غياهب التاريخ، والغرق في ظلام عصور الظلام تلك، آن لنا أن نخرج للحياة للعيش بوصفنا الإنساني، وليترك الخيار للناس أن تختار عقائدها وأفكارها كما تشاء.

لن يستطيع أحد أن يعيد تلك الحروب إلى الحياة ولو بصعقات دموية، لأن جسد تلك الحروب تحول إلى طابع آخر لا يمت إلى تلك الفترة بأي صلة، وعلى المسلمين كذلك أن يعلموا أن صراعهم مع أمريكا وأوروبا لا دخل للدين المسيحي به، وأن من مصلحتهم عدم العودة لتلك المرحلة من تاريخ كتبت أحداثه بالدماء والأشلاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد