غديري رئيسا ؟

لست ألوم بعض العلمانيين عندما يرتجفون من العسكري؛ ذلك لأنهم لا يتخيلون حياتهم بلا عسكر، ويظنون أن الجيش وَحده هو الضامن لهم والحامي لمصالحهم، وهو المسيطر بالقوة على الخصم الأكبر (نحن الإسلاميين)، وهذه الطبائع في صفوف هؤلاء تكاد تكون طبيعية؛ لأنهم اعتادوا رؤية (الرنجارس) على كرسي السلطان منذ أكثر من نصف قرن، والاعتياد على الشيء لفترات طويلة يدخله في باب العادات والمسلمات إن لم يزحه شيء أقوى وأكبر وأهم وأنفع، لكن حتى مع وجود هذا الشيء (الثاني) يظل الشيء (الأول) مهيمنًا ومسيطرًا بعض الوقت، حتى يتم اختبار جدية الشيء الثاني ومدى قوته وأفضليته.

لعنة الله على حكم العسكر، هذا لا يعني أننا نعيب مؤسستنا الجزائرية الكبرى، وهذا لا يعني أيضًا أننا نريد تقسيم الجيش أو نريد تقليص دوره في الداخل والخارج، ولكن مع الأسف محال أن يصنع العسكري الديمقراطية! إن طبيعة تكوينه ونمط حياته ومحيطه (الثكنة العسكرية) تجعله جاف الشعور، غليظ الطبع وحاد الموقف لا يخضع للإرادة الشعبية.

وإذا استعرضنا تاريخ العسكر في الحكم، نجد أن الرئيس معمر القذافي كان عسكريًا، ولما تولى السلطة قاد ليبيا بالجنون، والسفه والسوط والسيف، والقتل والسجون والمعتقلات وأضاع ثروات البلاد والعباد في مغامراته المجنونة، ودفع مليارات الدولارات لطباعة (الكتاب الأخضر) الذي أوهم شعبه بأنه من تأليفه وهو لا يستحق ثمن الحبر الذي كتب به.

أما القائد صدام حسين، عسكري ورئيس قوي يضرب به المثل في الجلد والعزم والحزم، حتى يقال إنه كان يخرج الرصاص من جسده دون مخدر، فلما تولى الحكم في العراق قصف شعبه الكردي بالغازات الحربية المحرمة في الحروب وأباد الشيعة وأدخل العراق في صدامات، سواء بحربه مع إيران أو احتلاله للكويت التي طالما وقفت إلى جواره.

ماو تسي تونج كان عسكريًا، فقد أقام دولة قوية في الصين، ولكنه أقامها بالحديد والنار والقهر والتصفية الجسدية، وألغى هويات وأديان الآخرين.

أدولف هتلر كان عسكريًا، مجنون بنى ألمانيا النازية بالدماء والأروح البشرية، احتل العالم وأرعبه وأرهبه، وقتل ما قتل، وعذب ما عذب، وترك بصمة مخيفة لا زالت تصدم لأجيال الأوروبية إلى الآن.

أما الرئيس هواري بومدين والزعيم جمال عبدالناصر، رغم حسناتهم العظيمة وعفة يدههم وعدالتهم الإجتماعية ومواقفهم الرجولية الدبلوماسية، إلا أنهما خنقوا الحرية في التعبير وقيدوا الرأي والديمقراطية والتعددية الحزبية.

خالد نزار عسكري، قتل زوجته وخدم العدو الأجنبي وخان وطنه وأباد شعبه وانقلب على القانون والديمقراطية والشرعية هو ومجموعة (les décideurs) والتاريخ معروف والحقائق واضحة.

بن بلة عسكري، الشاذلي بن جديد عسكري، محمد بوضياف عسكري، علي كافي عسكري، اليمين زروال عسكري، بوتفليقة نصبه العسكر.. وكلهم جميعهم فشلوا في إدارة الدولة!

والأمثلة لا تعد ولا تحصى.

ورغم كل هذا نجد بعض المثقفين والمفكرين والسياسيين والمواطنين عامة في الجزائر، يقفون وراء العسكري، يتلاعبون بمستقبل بلادهم وأجيال وطنهم  ويزيفون أقدارهم بإرادتهم وغفلتهم وبكل سذاجتهم، وبكل غباء يدعمون العسكري ويبررون دخوله عالم السياسة، هؤلاء أدمنوا الخضوع والاستبداد والاستعباد، عوض أن يعلموا الشعب الحرية والاستقامة، وبدلًا عن أن يسلموه السلطة، يريدون منه أن ينحني للذي من المفروض أن يخضع لحكم الشعب، وبعد كل هذه التجارب التي مر بها الجزائريون خاصة، والأمة عامة، لا يزال البعض يقفون جنبًا إلى جنب مع العسكري وهو في ميدان غير ميدانه.. عجب!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد