«كل حزب بما لديهم فرحون» الآية 32 سورة الروم.
تعد ثقافة التكفير أو التخوين في المشهد السياسي العربي بمختلف أنظمته وتلاوينه الدستورية، جزءًا أصيلًا في منظوماتها التاريخية، وهي من أبرز ما يميزها في محيطها الإقليمي والدولي الحالي، خاصة بعد اندلاع شرارت الثورات العربية التي عرت عن الواقع الأليم للعديد من الأنظمة العربية التي كنا نعتقد أنها حامية لبيضة الإسلام والعروبة (المزيفة)، وسقطت أقنعة عديدة داخل مختلف المنظومات النخبوية والفكرية والدينية التي كانت بالأمس القريب تتاجر بمفاهيم الحرية والعدل والعدالة الاجتماعية، فانقلبت على أعقابها بفعل رز البترو دولار من الأنظمة الخليجية الشمولية التي كانت رأس حربة للثورات المضادة خاصة الإمارات والسعودية.

وتعتبر ثقافة التكفير أو التخوين السياسي هو الطاغي والمهيمن على الممارسة السياسية في المشهد السياسي العربي المنكوس، ويمكن أن نجد امتداداته التاريخية الذي ما زلنا ندفع ثمنه إلى الآن انطلاقًا من بداية إرهاصات الفتنة الكبرى بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث استعمل مصطلح التكفير السياسي بين معسكر علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ومعسكر معاوية بن أبي سفيان رضي الله ولعل تيار معاوية كان هو الأكثر استعمالًا لمفهوم التخوين وتحوير المفهوم وتحميله أكثر مما يطاق وتطعيمه بتفسيرات قرآنية ونبوية خارجة عن سياق الخلاف الجوهري الذي كان أساسه سياسيًّا قبل أن يتحول إلى مفهوم عقائدي وانقسم المسلمون بفعل هذا الخلاف إلى فرق وملل ونحل.

وربما حنكة معاوية بن أبي سفيان السياسية واستفادته من حالة الاستقطاب السياسي الحاد الذي طبع ذلك الزمن، وجعل قميص عثمان بن عفان رضي الله عنه، مظلومية من أجل مآرب وأطماع سياسية وتحويلها إلى شماعة لتغيير أساسيات الحكم الشوري الذي كان متبعًا منذ عهد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ولعل هذا الأمر هو الذي جعل معاوية إلى تركيز جهوده نحو الإمارة والزعامة السياسية في الاعتماد على العصبية القبلية والعائلية، التي مكنته في نهاية المطاف إلى التحكم بتلابيب مصير أمة بكاملها رغم تنازل الحسن بن علي رضي الله عنه عن الحكم طواعية حقنا لدماء المسلمين، بما يصطلح عليه بعام الجماعة أو الصلح، رغم أن الكثير من الصحابة وافقوا على تولية معاوية الحكم إلا أنه كانت هناك شكوك تحوم حول نية معاوية تسليم الحكم وعدم توريثه -وبالفعل هذا ما حصل وسار على نهجه الخلفاء والحكام الذين آتوا من بعده مستخدمين نفس الأسلوب للوصول إلى الحكم.

وبالرغم من بعض النقاط المضيئة التي ظهرت في خضم هذه الردة السياسية، كظهور الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز الذي أراد أن يرجع الأمور إلى نصابها الطبيعي، نحو تقرير المصير السياسي وتركيزه بيد الشعب أو الأمة، مستلهمًا ذلك من روح النصوص القرآنية والنبوية الشريفة، التي أكدت في عدة مواضع على مبدأ حرية الإرادة والاختيار وهو مفهوم واسع ومتجلي في جميع المجالات الحياتية سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وحقوقيًا، وهو جوهر روح الإسلام، والعديد من الآيات أعطت إشارات واضحة على حرية الفرد أو الأمة في تقرير مصيرها بعيدًا عن كهنوت رجال الدين إلا أن عمر بن عبد العزيز لم يكتب له إكمال مشروعه الإصلاحي الذي انتهى باغتياله على يد جماعة التكفير السياسي، ولا بد من الإشارة إلى أن الإسلام لم ينص صراحة على شكل محدد للحكم، فقد تركه مفتوحًا لأن منظومة الحكم بمختلف أنظمتها الدستورية هي خاضعة للتغيير والتبديل، فهو نتاج مجهود واجتهادات بشرية تراكمت بفعل العديد من التجارب الدستورية للوصول إلى صيغة توافقية بين الحاكم والشعب من خلال العقد الاجتماعي، وهذا ما أشار إليه بعض الفقهاء والعلماء وبعض الفلاسفة المسلمون، الذين فهموا روح نصوص القرآن وجوهرها وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم، كالعز بن عبد السلام والطاهر بن عاشور وابن رشد… الذي كان هذا الأخير البذرة الأساسية للنهضة الأوروبية التي طورت من أنظمتها الدستورية وأضحت مثالًا يحتذى به في الفصل بين السلط والتداول السلمي والديمقراطي الذي قفز أوروبا نحو التقدم والعلم والعدل، لأن العدل هو جوهر الحكم وبدون العدل يختل ميزان المجتمع، وبالتالي الدخول في دوامة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والثقافي والعلمي.

فالتعصب السياسي وسياسة التخوين إفراز لعقلية مريضة ما زلنا ندفع ثمنها إلى اليوم لأنها هي مدخل الطغاة والمستبدين وهي سبب تدمير الأوطان والعقول انطلاقًا من قوله تعالى على لسان فرعون «مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ». صدق الله العظيم

قال حجة الاسلام العالم الرباني الفيلسوف الإمام أبي حامد الغزالي في كتابه المميز إحياء علوم الدين.

التعصب سبب يُرسخ العقائد في النفوس وهو من آفات علماء السوء، فإنهم يبالغون في التعصب للحق وينظرون إلى المخالفين بعين الازدراء والاستحقار فتنبعث منهم الدعوى بالمكافأة والمقابلة والمعاملة وتتوافر بواعثهم على طلب نصرة الباطل ويقوي غرضهم في التمسك بما نسبوا إليه ولو جاءوا من جانب اللطف والرحمة والنصح في الخلوة لا في معرض التعصب والتحقير لا نجحوا فيه، ولكن لما كان الجاه لا يقوم إلا بالاستتباع ولا يستميل الأتباع مثل التعصب واللعن والشتم للخصوم اتخذوا التعصب عادتهم وآلتهم وسموه ذبًا عن الدين ونضالًا عن المسلمين وفيه على التحقيق هلاك الخلق ورسوخ البدعة في النفوس.

ونافل القول فإن الإطار التنظيري ﻷساليب وأشكال الحكم بعد تولي معاوية جاء من خلال تفصيلات ومبررات ومسوغات فقهية ضيقة، كانت على مقاس الحاكم من أجل الاستيلاء على السلطة والاستمرار في الحكم دون مشاركة جماهيرية، وكأن الشعب يخضع لقوانين وأحكام العته والسفه، الذي يسقط عنك الأهلية، وكم من سفيه ومعتوه في الحكم لا يدري سفهه وعتهه خاصة عندنا يكون وصيًا مستقبليًا على أقدس مقدسات المسلمين، وتنتهك حرمته وقدسيته من خلال إحياء الحفلات الموسيقية والفنية في قلب مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتجرأ أحد على هذا الفعل منذ أكثر من 1400 سنة، واختم بقول الإمام محمد الغزالي: الويل لأمة يقودها التافهون ويخزى فيها القادرون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد