ترددت كثيرًا عندما تجرأت وكتبت عنوان هذا المقال، وقبل ترددي هذا كان عقلي يراودني مرارًا وتكرارًا عندما أنتهي من مناقشة أحد الأصدقاء في موضوع ما ذي صبغة سياسية، إلى أن جاء موقف لي مع صديق جعلني أصر على كتابته.

وقبل البدء في الكتابة، فكرت لبرهة ماذا عساي أن أكتب؟ فقد خطر ببالي أن أكتب في إطار ما دار بيني وبين صديقي هذا في المناقشة، والذي لفت انتباهي في الكيفية التي حاول بها صديقي إثبات وجهة نظره، والنهج المتبع لإثبات وجهة نظره! وقبل التطرق للمناقشة التي دارت بيني وبين صديقي سوف أوضح وجهة نظري في ثقافة الحوار والمناقشات التي تدور بين فئة الشباب، وبالأخص الطلاب منهم، وإلى أي اتجاه ذهبت الآن؟

في الحقيقة إذا ما سألنا أنفسنا سؤالًا غاية في البساطة، هل نحن أمام ثقافة حوار حقيقية في المجتمع المصري؟ إجابتي سوف تقودني إلى الثقافة أولًا ثم الحوار، وفي حقيقة الأمر لا وجود لهما في المجتمع المصري في هذه الأيام ، إلا ما رحم ربي! لأسباب كثيرة ومتشعبة، منها على سبيل المثال ضعف القيم وتراجعها في المجتمع المصري، وتراخي دور التنشئة لدى الأسرة المصرية التي تمثل البذرة الأولى في المجتمع، ناهيك عن النمط الحداثي الدخيل على ثقافتنا، ومع عدم مراعاة الخصوصية الثقافية ازداد الأمر فوضى أكثر من اللازم، وعلى أي حال، إذا ما تطرقنا للأسباب لا يكفي فيها مقال كامل!

لكن فوق كل ذلك لا تجد طالبًا أو شابًا يجادل صديقه بشيء من الموضوعية وعدم التشبث بالقول أو الرأي، ناهيك عن أن الأمر قد يذهب إلى أبعد من ذلك عندما يكون لديه معلومة أو أكثر في موضوع ما، تراه كأنما هو الوحيد في هذا الوسط الذي يحتكر الحقيقة، وحينما تأتي إليه لتتجادل معه، سرعان ما يتظاهر بامتلاكه المعلومة قبل الخوض في أي حديث معك. رغم أن هذا أمر طبيعي كون أنك تمتلك معلومة في عصر إغراق معلوماتي! ما أود قوله، إنك كشخص محب للنقاش أو الحوار البناء إذا ما وددت الخوض في حديث مع أي شخص، فلن تجد إلا قلة قليلة هي التي تؤمن بالحوار وبأهميته، وكيف يسهم في تكوين الشخصية، وهذا مع الالتزام بآدابه، غير ذلك، سوف ترى أن الأغلبية هي الشغوفة بإطلاق حوار خال مضمونه من أي قيم أو إضافة جدية للمتحاوريين، وهذا لا يفترض فيه الاحترام لأطرافه بالمرة. فنحن الآن في الحقيقة أمام أزمة حوار حقيقية، ربما تؤدي لكوارث غير محمودة عواقبها، إذا استمر الحال على هذه الشاكلة.

بغض النظر عما تطرقت إليه مسبقًا، الأهم في هذا الصدد، وما شغل بالي، والذي كتبت لأجله هذا المقال، هو حديثي مع أحد الأصدقاء والأسلوب الذي دارت به مناقشتنا.

فمضمون القضية كان سياسيًّا من الدرجة الأولى، ويرتبط بفكر وأيديولوجية وسلطة نظام سياسي، وعندما أعطى أطروحته وبدأت أعقب عليها بشكل نقدي، سرعان ما كان رده يحمل العديد من تلفيق التهم لوضعك في إطار تيار سياسي مكروه بالنسبة للسلطة الحاكمة؛ لتبرير وجهة نظره! من هنا لفت انتباهي الطريقة التي يتعامل بها داعمو أي سلطة ضد أي معارض، وكيف يتجلى ضعفهم الفكري والأيديولوجي عندما لا يستطيعون الرد على أي معارض محسوب على أي تيار، أو حتى لمجرد أنه يحمل مجموعة من الأفكار، فمن الواضح أن المنطلق البراجماتي الذي ينطلق منه معظم داعمي السلطة يجعلهم يدمجون بين السلبيات والإيجابيات في شكل إنجازات بشكل لا يعرف للموضوعية طريقًا! و كما هو واضح لمعظمنا حينما تتحدث السلطة عن يوتوبيا الإنجازات، وعندما ننزل إلى الواقع لا نرى إلا ما هو محبط! ويقلل من مصداقيتها.

المشكلة لم تصبح في كونك لديك أفكار تبلورت بناء على قناعات شخصية، وبعد جهد كبير لعملية إعمال للعقل والمنطق، بل أصبح الأمر أن أولئك داعمي السلطة يوهمون أنفسهم أنه بمجرد دعمهم للسلطة أنهم يدافعون عن فكر وأيديولوجية، رغم أن السلطة قد لا تحمل أي فكر أو أيديولوجية في الأساس! ثم تسأل نفسك سؤالًا آخر: لماذا إذن كل هذه الاستماتة لتبرير كل ما تفعله السلطة، بغض النظر عن الإيجابي منه والسلبي؟! فقد أرجعت هذا الأمر إلى الارتباط بمصالح شخصية ضيقة ترتبط بالفرد ذاته، يسعى لتحقيقها من وراء هذا الدعم. ومن هنا تساءلت نفسي أيضًا كيف تأتمن الناس هذا الشخص إذا ما تولى منصبًا ما يمثل فئة من الشعب؟! إلى من سيعطي ولاءه؟ هل سيحقق مصالح الناس أم سيحقق مصالحه الضيقة؟ كل هذه أسئلة يجب أن يسألها أي شخص نفسه عندما يرى مسئولًا متقاعسًا عن خدمة أفراد الشعب.

الخلاصة، نحن أمام وضع الاختلاف فيه لا يفسد للود قضية فحسب، بل يبيد ويمحي القضية من الأساس، هذا كله بعد تلفيق التهم بالباطل، وفي حقيقة الأمر إن تعثرنا في ثقافة الحوار حتى الآن دليل واضح أمام الجميع عن مدى تأخر الثقافة الديمقراطية لدينا، التي يقاتل فيها طرفا الحوار دون الوصول لمرحلة كتلك التي نشهدها في مجتمعات تحت النضج الديمقراطي! فالأزمة في المرحلة الراهنة، إذا جاز التعبير، هي أزمة حوار على كافة المستويات، على المستوى السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، ومتي نخرج من طوق هذه الأزمة نكون بصدد الطريق لتبني ثقافة ديمقراطية حقيقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات