في الثمانينيات خطب إمام الجامع خطبة الجمعة في أحد جوامع حلب، وكانت المناسبة حركة التصحيحية، فخطب في المصلين وعدد إنجازات حافظ الأسد في سوريا، وقال من ضمن منجزاته بناء الكعبة!

لذا فإن الفساد يولد الاستبداد، فالمستبد يضغط على العقل ويشوهه ويجرد الإنسان من إنسانيته، ويتلاعب بحقوق الإنسان ويضطهده ويقمع الرأي الآخر، ويتلاعب بالدين ويطبقه حسب مصالحه السلطوية ويفسده ويشارك الله من خلال أنه الحاكم وهو الإله الأوحد والقائد الأبدي الذي لا يقهر، ويحارب العلم ويهجر العقول المتنورة ويزرع ثقافة الاستبداد في المناهج الدراسية وخاصة في المراحل الأولى للتلاعب بعقول الأطفال والمراهقين ويفسد العلم والعلوم.

 
وقد كان ابن خلدون يركز على أن الاستبداد والظلم والفساد والقمع يحول الناس إلى شخصيات ضعيفة فيها كذب ومكر وتملق، وعندئذ فلا خير فيهم، فلا هم يستطيعون المطالبة بشيء قوي، ولا الموافقة إذا طالبهم أحد. وبهذا يتحول الشعب إلى غالبية منافقة، ويتحول رجال الفكر والعلم والدين إلى التعلق بالرسوم والأشكال، وتصبح مهمة أصحاب العلم تبريرًا للمستبد وتصديقه وترويجًا لبضاعته الفاسدة.

الطفولة.. وثقافة الاستبداد

استلهم حافظ الأسد نماذج التعليم القمعية، من هتلر ألمانيا، وموسوليني إيطاليا وستالين روسيا، وعندما نقرأ تاريخ هذه الأنظمة القمعية الاستبدادية في شؤون التعليم والعلم والثقافة نستقرئ معها حال العلم والتعليم في المؤسسات والمنظمات المختلفة في ظل دولة المخابرات للنظام، بدءًا من منظمة طلائع البعث ومرورا بالاتحاد الوطني للشبيبة واتحاد المعلمين وانتهاء بالمدارس والجامعات وإعداد شباب وشابات سوريا العقائدية.

ولم تقتصر الأجواء العسكرية على المدارس في سوريا مقارنة ما كانت عليه في عهد موسوليني وإنما زادت عليها، من خلال تنظيمات شبه عسكرية للأطفال والشباب مشابهة لما أنشأه (هتلر) في ألمانيا منظمة (أبناء أنثى الذئب) للأطفال بين 4 إلى 8 سنوات، ومنظمة (باليلا) للأطفال بين 8 إلى 14 سنة، ومنظمة (أفانجوارديستا) للأطفال بين 14 إلى 18 سنة كانت تردد شعارات من قبل الأطفال في التنظيمات شبه العسكرية: (أنا أؤمن بروما، الخالدة أم بلادي، أؤمن بعبقرية موسوليني، وببعث الإمبراطورية من موتها)، وفي حزب البعث في سوريا كانت أكثر الشعارات التي رددها طلائع البعث (إلى الأبد.. إلى الأبد يا حافظ الأسد)!

وجعل من الحياة التعليمية الفتية مجرد قطيع اجتماعي وكانت (رغبة الأسد) في توسيع قاعدته الشعبية الفاسدة إلى أبعد حد ممكن واستخدم مؤسسات المرادفة للحزب في المدارس والجامعات لاستخدام الحزب عربة رئيسية لبسط نفوذه، وهو الذي تخلص من رفاق الأمس في الحزب عندما استولى على الحكم بقوة السلاح والنار، وكان يتم تعليم التلميذ على قائده الخالد وابنه الأقل خلودا وعلى منجزاتهم التاريخية، من خلال الحديث عن أهم المناسبات الوطنية في سوريا الحديثة حسب مفهومهم، وهي مناسبات في مجملها مرتبطة بشكل أو آخر بالقائد وبالحزب والمنجزات كالحديث عن ثورة (آذار) وحرب تشرين وحركة التصحيحية وإرفاق كل ذلك بصور الأسد وابنه.

ثقافة الحقد والكراهية لخدمة الاستبداد

الجميع يعلم أن الدور الأكبر في ترسيخ وتكريس ثقافة الاستبداد والتخلف والتصفيق الأعمى هو النظام، صحيح أن ممارسات النظام لخلق ثقافة الاستبداد لا ينتج بين عشية وضحاها، ولكن مع مرور الزمن تنمو هذه الثقافة داخل نفسية المواطن، فالنظام الشمولي الاستبدادي توجه الناس له. وهذا ما نلاحظه حاليا في كل منطقة من سوريا غالبية الناس تصفق للأقوى حتى لو مختلف معه فكريا.

فثقافة الاستبداد التي عمل عليها النظام الأسدي هي من زرع الكراهية والحقد في نفوس السوريين، وتحولت إلى أخطبوط مدمر لقيم المحبة والوئام الاجتماعي الذي كان موجودا في السابق بين أبناء الوطن الواحد، وأن هذه الثقافة عملت على تنمية روح الكراهية والحقد والجهل والتخلف والضعف وروجت لثقافة السلبية، والخنوع لدى المواطن، وعملوا على تعطيل التفكير في المقاومة السلمية للفساد والاستبداد، وتراكمت الاحتقانات حتى انفجر بركان الكراهية والغضب في مظاهر منفلتة حتى يدخل المجتمع في دوامة دوائر الصراع المغلقة بين ثقافة الاستبداد وثقافة الكراهية، وعمل الاستبداد الأسدي على تغذية نزعات الكراهية عبر استخدام سياسة (فرق تسد) بين جميع مكونات المجتمع السوري، لذا فإن ثقافة الاستبداد هي أصل الداء ومصدر البلاء وسبب كثير من الإصابات الفادحة، والأخطاء القاتلة، والشرور الواقعة، والآفات الماحقة.

وكان حافظ الأسد ماهرا في زرع هذه الثقافات لأنه علم أنه لا يمكن إنشاء النظام الاستبدادي والشمولي دون وجود حاضنة شعبية لثقافة الاستبداد؛ فحارب القوميات والدين والمذاهب وخلق الكره والحقد لأنه يعلم أن لا بد أن تسود في المجتمع هذه الثقافة الفاسدة أو لدى نسبة لا بأس بها، فوجود ثقافة التعصب الديني والقومي والمذهبي وعدم قبول الآخر والاعتراف بحقوق الجميع في الاختلاف بالرأي والتفكير لا يمكن للمستبد أن يسيطر على المجتمع إلا من خلال هذه الثغرات.

وفي بعض الأحيان يظهر معارضون لنظام المستبد ليس من أجل الحريات والحقوق العامة للمواطنين التي ينبغي أن يتمتع بها الجميع، وإنما من أجل حرية توجههم السياسي والفكري تحديدا، فهم ليسوا ضد الاستبداد في حد ذاته وجميع مظاهره، وإنما ضد استبداد محدد، فيكون في ذلك الوقت الصراع والنزاع فينتج بين مستبد ومستبد مضاد، وليس نزاعا بين الحرية والعدالة والكرامة وحقوق الإنسان من جهة والاستبداد والشمولية من جهة أخرى.

لذا نجد حاليا من أبناء شعبنا من يتغنى ليلا ونهارا؛ بالديمقراطية والحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والاقتصادية، فيما يمارسون أبشع وأفظع أنواع الاستبداد الحزبي والفئوي والطائفي والقومي والميليشياتي، حيث يحاولون تسخير كل مقدرات البلد مثل ما عمل عليه النظام الأسدي لأجل بضعة أو آلاف من أفراد هذا الحزب أو ذاك، فأي استبداد أعظم أبشع وأقبح من هذا!

فإن ثقافة الاستبداد متأصلة في النظام الأسدي القمعي وعلى أساسها فقد الحياء، فأصبح كل شيء لديه مباحًا من القتل والتشريد والتهجير والاعتقال والاختطاف، ما دام يمكن أن يحقق بقاءه في السلطة حتى لا يخسر مملكته ومزرعته.

وبالتوزاي مع ثقافة مقاومة القمع والظلم والاستبداد لا بد أن مجتمعنا يحتاج إلى ثقافة المحبة والتسامح والسلم الأهلي لنتجاوز ما أنتجته ثقافة الاستبداد من الكراهية والعنف والاحتقان والتعصب الديني والقومي.

العلم والمثقفين في خدمة الاستبداد

وكما قالوا في القدم، لو أن العلم والقانون يكونان بخير فإن البلاد ستكون بخير، لذلك فإن النظام الأسدي دمر العلم والقانون وأفسد كل شيء جميل في سوريا، وظهرت على السطح وبشكل جلي (مثقفو النظام) أو (فقهاء السلطة)، فهؤلاء وظفوا أنفسهم في خدمة الطغاة والظلم والاستبداد بغض النظر عن لونه وجنسه وعرقه ودينه فقط لمصالحهم المادية، وهؤلاء يجدون دائما مصالحهم مع الأقوى يكرسون أنفسهم لخدمته والتفاني في الدفاع عنه وعملوا مثل العبيد والبغبغاء في الترويج لهذا النظام. ولتحقيق انتصار الظالم، والغريب في الأمر أن إضفاء مفهوم الثقافة على هؤلاء يتنافى مع مفهوم الثقافة بدلالتها الإنسانية والأخلاقية، لأن مفهوم الثقافة الحقيقية هو لخدمة الإنسانية، ولذا يمكن وصف هذه الفئة بأنهم أعداء للثقافة الإنسانية، وهم في كل الأحوال قتلة مأجورون سفاكو الدماء وسفاحون ديماغوجيون مزيفون ومنافقون، معادون للثقافة التي تتمثل في الخير والحق والعدالة والتسامح الإنساني، وأفضل مصطلح يمكن أن نطلقه على هؤلاء صعاليك الفكر والعلم ومرتزقة السلطان أو الأمير.

وفي ضوء الثورة السورية، تشتت وتفتت الساحة الفكرية في سوريا، وظهرت صراعات أيديولوجية بين المثقفين، فظهرت على المسرح ثلاثة تيارات أيديولوجية من المثقفين كرسوا أنفسهم للدفاع عن ثلاث وضعيات أيديولوجية متباينة؛ فريق من المثقفين دافع وما زال يدافع عن الحرية والكرامة ويحارب بفكره وقلمه الظلم والحقد والكراهية، يقف إلى جانب المظلومين من أي جهة كانت، وفريق دافع وما يزال يدافع عن الاستبداد والشمولية والطغاة والظالمين وهم أبواق كل ظالم وأمراء الحروب يقفون مع القوي دائما، وفريق آخر ركب أمواج الثقافة الطائفية والمذهبية فكرس نفسه وثقافته في مجال تأجيج مشاعر البدائية الطائفية والعرقية الضيقة، ومن بقي من المثقفين لاذ بالصمت المبين ويقفون على الرف، ربما لحين تتكشف الأحداث والوقائع.

 

التطرف الديني والقومي.. وثقافة الاستبداد

التطرف الديني الذي يسعى لاستغلال الدين أبشع الاستغلال لتحقيق أهدافه وغاياته وغايات من يخطط لذلك من الأجهزة الاستخباراتية الإقليمية والعالمية وخاصة النظام الملالي الإيراني، فيسعى من خلال هذا التطرف لضرب أكثر من هدف بحجر واحد، لكن الهدف الأساسي والأكبر هو التأثير السلبي على السلام والاستقرار والأمن في المنطقة والعالم، لأن التطرف الديني الذي يتبنى خطابا دمويا وأحادي الجانب يعتمد على الاستخدام المفرط للقسوة والعنف من أجل فرض رأيه ومنطقه، ولا يمكن مطلقا من فرض خطاب كهذا همجي ووحشي معادٍ للإنسانية والحضارة الاجتماعية والاقتصادية في أجواء حرة وديمقراطية، ولهذا فإن إشاعة الفوضى والفلتان الأمني من أفضل الأجواء وأكثرها مناسبة لهذا التطرف.

لا يمكن، وأبدا عزل وفصل الجرائم الإرهابية الممنهجة والمدروسة التي تجري في سوريا عن ظاهرة التطرف الديني والقومي والطائفي التي تقف بالأساس خلفها ثقافة الاستبداد والذبح وإنكار الآخر والإقصاء وقمع الحريات والتنكيل والاستهانة بإنسانية الإنسان.

وبرزت بعد الثورة السلمية التي حولها النظام القمعي إلى المسلحة طغاة وضحايا جدد، فظهرت على طرفي، معادلة الاستبداد والطغيان في سوريا رموز من أمراء الحروب وقادة تشكيلات الميليشياوية وأجهزة أمنية بلباس الإسلام السياسي ويمارسون جميع أنواع القتل والتنكيل الوحشية لفرض سيطرتهم على الأرض بقوة النار والدم، هذا فيما يتعلق بالطرف الإجرامي من المعادلة، وفيما يتعلق بطرف الضحايا من المعادلة فإن الإنسان السوري الذي يرفض التنازل عن قيمه وكرامته ومبادئه.

ويبدو أن سياسة الإفناء السياسي التي اعتمدها النظام الاستبدادي وسد الآفاق أمام أي بديل ديمقراطي لم تجد أمامها إلا بديلا متطرفا يرتكب الجرائم نفسها بحق الشعب وإنما بأساليب محتلفة. وكما قال عبد الرحمن الكواكبي: في تشخيصه لعلل الأمة العربية والإسلامية أن (أصل الداء هو الاستبداد السياسي)، وأن كافة صنوف الظلم والشقاء ما هي إلا فروع وتشعبات لاستبداد الحكام. وربما أخذت (داعش) كما عمل حافظ الأسد من تراث النازية عددا من الممارسات.

لكن الخطر الكامن في حصر توصيفها بأنها النازية الجديدة تحديدا يكمن في أنه يشكل تغطيه على ممارسات النظام الاستبدادي، الأمر الذي يصب في مصلحة هذا النظام ويخلصه من الوصمة النازية ويشكل تغطيه مباشرة لجميع جرائم هذا النظام المجرم. لأن أمراء داعش يمارسون جميع أنواع الاستبداد ولا يحق لرعايا دولتهم المزعومة حق الاختيار، ولا يحق حتى اختيار خليفتهم (معرضين بذلك حتى عن سيرة الخلفاء الراشدين الذين صعدوا للحكم بتوافق مجتمعي)، ولا اختيار نظامهم، إنها ترى أنها هي ذاتها ملزمة بالشريعة التي هي أمر رباني، لا مجال للبشر في اختياره أو رفضه، ولكن (شريعتهم، ضيقة يزعمون أنها فعل السلف الصالح، بينما في الحقيقة اجتهاد بشر اختار من فعل السلف والأحاديث ما يوافق فهمه، فشكل به تيارا يضرب عرض الحائط بالشريعة الإسلامية الثرية بتنوعها ومذاهبها التي تشكلت عبر القرون باجتهاد أئمة وفقهاء وعلماء الدين.

إن الإرهاب مرض لكل الأديان، ولا تكفي محاربته بالصواريخ والطائرات والتحالفات الإقليمية والدولية والأمن والقضاء – وهذا كله ضروري – لكن الأهم القضاء على جذوره العميقة والتي تكمن في الفساد والاستبداد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. وإن التأويل السيء للإسلام ظهر هذه الجماعات المتطرفة وكما قالوا: (من يزرع الاستبداد يحصد التطرف والإرهاب)، والإسلام بريء ويكفر بالاستبداد والإرهاب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد