إضاءات في مشكلة الثقافة

على غرار بعض كتب مالك بن نبي، فقد وضح الناشر قضية تكليفه بالنشر والطبع في وصية تركها في المحكمة الشرعية بطرابلس من لدن كاتبه مالك بن نبي، وهو الدكتور عمر المسقاوي. للكتاب مقدمتان، وخمس فصول، وخاتمة (دار الفكر الطبعة الرابعة – ترجمة عبد الصبور شاهين).

فيما يخص المقدمة الثانية وضح الكاتب أن الطبعة الأولى لم تكن تحتوي على فصل الأزمة الثقافية، وأن الطبعة الأولى صدرت قبل الطبعة الثانية بـ12 سنة. أما في الطبعة الأولى تحدث على أن الثقافة تضم نمط عيش بأكمله وليس مجرد أفكار فحسب، بل السلوك الاجتماعي (الفرد/ المجتمع)، إلا أنه يجب التوضيح أن الأفكار أو مشكلة الأفكار هي التي دفعته إلى هذه الدراسة، بغية منه على التنبيه عن مطبات الشر التي تعسر سير المجتمع وتجعله مستحيلًا، إن حركية الأفكار تشكل تنظيم المجتمع، وإذا ما تغير هذا النظام فجميع الخصائص الاجتماعية الأخرى تعدل وفقه.

وبالتالي فهذه الأفكار هي أدوات تطور المجتمع بعينه. كما أن تطور أنماط مختلفة في المجتمع ما هو إلا تطور فكري. إذا كان هذا التطور الذي قلنا الآن ينطبق على ما يسمى بالنهضة فمعنى هذا «أن المجتمع في هذه المرحلة يتمتع بنظام رائع من الأفكار، وأن هذا النظام يتيح لكل مشكلة من مشاكله حلًّا مناسبًا له».

أول إشكال افتتح به هذا الفصل ليوضح أن هذا المفهوم أو المصطلح لا يتردد بكثرة في القواميس العربية اللغوية، إلا أنه أعطى مثالًا بقاموس لسان العرب في المجلد العاشر، وأيضًا قول ابن دريد، وأيضًا ما جاء في الحديث النبوي «غُلاَمٌ شَابٌّ لَقِنٌ ثَقِفٌ»، والمعنى المراد واحد، هو الفطنة والذكاء.

من هنا يطرح إشكالًا فرضته طبيعة الدراسة، هو مصدر أو من أين جاءت كلمة الثقافة؟ هل هي دخيلة أم أصلية؟ فبالرجوع إلى علم الاجتماع في العصر الوسيط، أو بالأحرى ما قبل ذلك، في العصر الأموي والعباسي، نجد غيابًا تامًا لهذه الكلمة في اللغة الأدبية أو الإدارية الرسمية، إلا أن هذا الغياب لا يعني غياب أثرها؛ فقد شهدت الثقافة العربية في هذه المرحلة قمة ازدهارها. فالمشكلة هي عدم تحديد معاني الأشياء بصفة عامة، علمًا بأنها مندمجة في بنائنا العقلي أي «كيفية تكوين تعريف معين».

كان لفكرة الثقافة حضور تام في عدة مجتمعات وإمبراطوريات، إلا أنه لم يكن هناك تشخيص لها أو تعريف؛ ففكرة الثقافة حديثة جاءتنا من أوروبا، ولكن تجدر الإشارة إلى أن فعل ثقف هو فعل أصيل في العربية، وكذا نراه في بعض الآيات من القرآن الكريم مثل: «وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ». فمفهوم الثقافة من ثمار عصر النهضة عند انبثاق مجموعة من الأعمال
الأدبية في الفن والفكر في القرن السادس عشر ميلاديًّا.
لقد قلنا سابقًا إن كلمة ثقافة كان لها حضور في الثقافة الأوروبية، وتحديدًا المجتمع الفرنسي، واختيرت لها كلمة culture للدلالة عليها من الأصل
اللاتيني cultuvare. إن المتعرف إلى واقع الإنسان الأوروبي أو الفرنسي خاصة يلحظ أنه إنسان أرض؛ أي نشاطاته تقوم على الزراعة والحرث والبذر والحصاد، وعليه فإن لها دور في صياغة رموز حضارته، ومن هنا أطلق الإنسان الفرنسي على الثقافة فعل الزراعة مجازيًّا (culture) فهذه الاستعارة هنا خلقت مفهومًا جديدًا، وهو الثقافة.

1. الثقافة وعلم الاجتماع:

ساهم القرن التاسع عشر في تطور مجموعة من العلوم ونموها، مثل علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الأجناس، وأيضًا تطورت فكرة الثقافة وأصبحت مفهومًا أكثر تحديدًا لتدخل في نطاق الدراسة عند مختلف الباحثين؛ فأصبحت هذه الأخيرة مشكلة في علم الاجتماع للانتقال به من التحديد التاريخي الموروث من عصر النهضة (مجموعة ثمرات الفكر في ميادين الفن والفلسفة والعلم والقانون)، إلى مفهوم يضم مجالًا جغرافيًّا أوسع، ومعنى اجتماعيًّا أشمل.

بعد طرح سؤال ما هي الثقافة؟ جاءت وجهات نظر مختلفة لتحديد مفهومها، فاختلفت باختلاف الزاوية التي ينظر منها إلى الموضوع، فنرجع مجموع ما قيل إلى المدرستين: 

1. المدرسة الغربية: وقد ظلت وفية للتعريف السابق؛ أي إن الثقافة ثمرة الفكر وثمرة الإنسان.

– يذهب رالف لنتون إلى أن الثقافة «كل» تتداخل أجزاؤه فيما بينها، وله شكل بنائي يكونه في مستويين. ففي المستوى الأول يوجد مجال العموميات كالدين واللغة والتقاليد، التي تحدد نوع العقلية الاجتماعية في مجال خاص. والمستوى الثاني هو مستوى الأفكار الخاصة الناتجة عن التنظيم الاجتماعي ونظريات واختراعات مستحدثة.

أما وأجبرن فهو يفرق بين الثقافة المادية والثقافة المتكيفة، فالأولى تضم مجموع الأشياء وأدوات العمل والثمرات التي تخلقها، والمجال الثاني يضم الجانب الاجتماعي من التقاليد والعقائد والتعليم، أي كل ما ينعكس على سلوك الفرد. إلا أن مفهوم الثقافة حسبه يطبعه لتغيير هذا الأخير الذي يبدأ في الحال الأول، أي المجال المادي، ثم يمتد إلى المجال الاجتماعي.

2. المدرسة الماركسية: ترى أن الثقافة في جوهرها ثمرة المجتمع:

يحدد كونستا نتينوف الثقافة في حياة المجتمع العقلية، أي مجموع الأفكار الاجتماعية والنظريات والمذاهب الإنسانية والفلسفية. ولا يمكن إنكار طبعًا أن هذه الأفكار تنعكس على الحياة المجتمعية المادية. أما ماوتسي تونج فقد ذهب في كتابه «الديمقراطية الجديدة» إلى أن الثقافة هي انعكاس مجتمع معين من جميع جوانبه سواء فكرية أو مادية.

موازنة مالك بن نبي للآراء:

لخص مالك بن نبي التعاريف الأربعة السابقة في أنها تصورات إقليمية، بمعنى أنها أفكار صادرة من مكان واحد في وسط تاريخي واحد، أو بإمكاننا القول إنها تعبر عن إيديولوجيات مختلفة، سواء من الفكر الغربي أو الفكر الماركسي.

وتأخذ هذه التعاريف أيضًا منحى إيديولوجيًّا في علم الاجتماع، أي منحى نحو الفكر الماركسي الأمريكي الموجود في حيز اجتماعي معين. أما بالنسبة إلى طرح السؤال السابق «ما هي الثقافة؟» في العالم العربي، فهي تأخذ منحى مغايرًا، بحيث يتصل بواقع اجتماعي مغاير.

2. تعريف الثقافة في العالم العربي:

إن خلق تعريف لفكرة الثقافة في الوطن العربي لا يملك العناصر الضمنية التي تكمله كما هي موجودة في الفكر الماركسي أو المجتمع الأمريكي؛ لأن المشكلة هنا هي مشكلة خلق واقع اجتماعي يعي الثقافة أولًا، بعدها تتكون مشكلة الفهم والتفسير، وبهذا نلحظ أن هذا الواقع لا يملك العناصر الضمنية التي تكمله.

وعليه فإذا مضينا لمواجهة مشكلة الثقافة وجدنا أنفسنا نواجه ضمنًا مشكلة أسلوب الحياة ومشكلة السلوك؛ أي اللافاعلية، ولكي نعرف الثقافة يجب النظر من الجانبين النفسي والاجتماعي، لنربط الثقافة بكلا الجانبين، سواء النفسي أي الفردي، أو الاجتماعي أي المجتمع، بمعنى أنها تخدم القضيتين وتربط بينهما لا انفصال بينهما، وكذا اتصال بين جانب الفكرة وجانب الشيء. فالفكرة والشيء مترابطان ومتعاونان تعاون الذراع والعجلة.

للأفكار دور في تثقيف المجتمع، لكنها تمر عبر ظروف تاريخية واجتماعية، ولها شروط نفسية، فتبقى فاعلية الفكرة رهن تنوع الزمان والمكان. فالفكرة من حيث هي فكرة لا تمثل مصدرًا للثقافة؛ لأنها لا تحدد سلوكًا ونمطًا من أنماط الحياة، وبالتالي لفاعليتها ارتباط بمستوى حضاري في المجتمع، ففي حالة ارتفاع هذا المستوى تعرض له أفكار ليست من بين القوى الجوهرية لذلك تتقادم وتختفي.

وعندما يهبط هذا المستوى تكسب الأفكار وجودًا صناعيًّا وتفقد كل معنى اجتماعي. وبالتالي لا تفقد قدرتها على إبداع الأشياء فحسب، بل تفقد مقدرة الإنتاج كليًّا. وبهذا نؤكد أن للفكرة والشيء شروط تكسب قيمها في ظلها. ويخلقان الثقافة ومصدرها عند ازدياد الفاعلية أو ما أسماه الكاتب «اهتمام أسمى». وهنا يجدر لنا أن نقول إن قيمة الأفكار أو الأشياء تقوم على علاقتها بالفرد باختصار.

يحتاج الفرد لتكوين كيانه إلى عنصر مادي وعنصر نفسي، يبني كيانه المادي أو الجسدي من خلال الأكل والتنفس والدورة الدموية، أما لتنمية وبناء الكيان النفسي، فيحتاج إلى الثقافة بوصفها تواصلًا وتعبيرًا حسيًّا عن علاقته بالعالم؛ أي المجال الروحي، وبالتالي فإنه يموت موتًا ماديًّا إذا انقطعت صلته بالمجال الحيوي، وبالمقابل فإنه يموت موتًا ثقافيًّا إذا انقطعت صلته بالمجال الثقافي.

لقد قلنا إن للأفكار دورًا في تثقيف المجتمع سابقًا، فكيف يحدث هذا التثقيف؟ وما المشكلات التي يواجهها؟

إن المقاييس الذاتية التي تحدد سلوكنا كأفراد أو كسلوك اجتماعي في عمومه، والتي تكون في الواقع أسلوب الحياة، تحدد خاصية ثقافية، فهذه المقاييس إذن هي التي تحدد الأساس في ثقافة المجتمع، والتي تنقل للأفراد بطريقة غير شعورية عن طريق العادات والأعراف، الأمر الذي يلعب دورًا جوهريًّا في ظاهرة التثقيف.

مشكلة الثقافة هي مشكلة توجيه أفكار بالأساس، وتحديد وحدة أهداف، أما التوجيه فنقصد به تجنب الإسراف في الجهد وفي الوقت؛ أي إدارة العقول في أحسن الظروف الزمنية والإنتاجية، وبهذا يحدد هذا الجهاز المستقبل المنشود وتحركه دوافع دينية.

ولا يسعفنا المقام هنا للتوسيع في تحليل الكتاب تحليلًا معمقًا، وإنما اكتفينا بأهم الموضوعات التي تستحق النقاش والتحليل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد