في معظم دول العالم يجري التحويل بين العملات المحلية والأجنبية عن طريق مكاتب الصرّافة، أو في البنوك ووسطائها المعتمدين، لكن الأمر مختلف تمامًا في الجزائر؛ فخدمة تحويل العملة المحلية (الدينار) إلى عملات أجنبية (خاصة اليورو والدولار) أو العكس تجري معظمها في السوق السوداء للعملة، أو الأسواق الموازية غير النظامية.

منذ السبيعينات من القرن الماضي، درج الجزائريون على شراء مستلزماتهم من العملة الأجنبية (العملة الصعبة)، خاصة الفرنك الفرنسي آنذاك، من خارج أسوار مؤسّسات الصرف النظامية، إذ اعتمدوا على شرائها من السوق السوداء؛ بسبب القيود المفروضة على عمليات التحويل في البنوك، وكذا عدم تلبية الطلب المتزايد على مختلف العملات الأجنبية، وبالأخص الأوروبية منها.

وقد ازدهرت الأسواق الموازية أكثر فأكثر مع الألفية الجديدة، خاصة مع توحيد العملة الأوروبية (اليورو)، كما اتسّع نشاطها لتشمل مختلف العملات الأخرى كالدولار الأمريكي، الكندي، والأسترالي، وحتى عملات بعض الدول العربية.

لماذا السوق السوداء أو الموازية؟

أشهر الأسواق الموازية في الجزائر يوجد في ساحة بور سعيد في الجزائر العاصمة، والمعروف محليًّا «بسوق السّكوار»، حيث ينشط تجار العملة على الأرصفة، فتجدهم يحملون رزم آلاف اليوروهات والدولارات علنًا، كطريقة لعرض منتجاتهم من العملات، كما يلجأ بعض التجار إلى شِقق صغيرة، أو أكشاك متواضعة، تجري فيها عمليات البيع والشراء، وأكثر العُملات المطلوبة هي اليورو على وجه التحديد.

تهافت الجزائريين المُسافرين بغرض السياحة، العلاج أو التجارة على الأسواق الموازية في تحويل الدينار إلى عُملات صعبة، يعود بالدرجة الأولى إلى ضعف المِنحة السياحية التي تقدمها البنوك العامة بمعية البنك المركزي، والتي تقدّر بـ 15,000 دينار جزائري عن كل سنة، وهو ما يعادل مبلغًا يتراوح بين 105- 120 يورو (120-140 دولار أمريكي)، ويُحدّد نصف المبلغ عند الأطفال الأقل من 15 سنة، وهذا المبلغ يُعد زهيدًا مقارنة بما تمنحه الجارتان تونس والمغرب، بمبالغ تفوق 2000 و3500 يورو عن كل سفرية خارج البلد سنويًّا.

فالمواطن الجزائري المسافر إلى دولة أوروبية مثلًا، ليس باستطاعته إلا الحصول على هذا المبلغ الضئيل للعملة الصعبة من البنك لتغطيته تكاليف سفره، بغض النظر عن طبيعة هذا السفر وغرضه، والمُحيّر في الأمر أن هذه القيمة المحددة بـ15,000 دينار لم تتغيّر منذ سنة 1997، تاريخ إقرار التعليمة الصادرة عن البنك المركزي[1]، وبطبيعة الحال فإن مبلغ 120 يورو لا يكفي حتى لتكاليف الإيواء والنقل عن يوم واحد بدولة في أوروبية أو أمريكا؛ ولهذا يلجأ هؤلاء المسافرون لتحويل الدينار بالسوق الموازي، الذي يمنح زبائنه المبلغ الذي يطلبونه، ولو كان كبيرًا، رغم ما يتكبدّه هؤلاء من خسارة فادحة بما أن سعر الصرف المفروض مرتفع ارتفاعًا مبالغًا فيه بحوالي 50- 65% عن السعر النظامي الرسمي المتداول في البنك المركزي، فالأسعار في «سوق السّكوار» لا تخضع لقوانين الاقتصاد كما هو معروف، وبالتالي لا تعبّر عن قيمة الدينار الحقيقية.

ونأخذ سنة 2018 مثالًا على هذا التسيّب والتضارب في أسعار تحويل العملات، إذ كان المعدل السنوي للأسعار الخاضعة للبنك المركزي 142 دينارًا مقابل 1 يورو، في حين نجده في السوق الموازية في حدود 205 دينار لليورو الواحد، والارتفاع نفسه يحدث مع الدولار، إذ اعتمد البنك المركزي معدلًا يتراوح بين 113 إلى 115 دينارًا للدولار الواحد، في حين ارتفع إلى 170 دينارًا عند الصرافين الموازيين!

وما زاد الأمر سوءًا، هو تردّي الخدمات المصرفية، وعدم مواكبتها للتطورات الحاصلة في مختلف أقطار العالم؛ فالمواطن الجزائري ما زال مقيدًا عند محاولة سحب مبلغ من حسابه البنكي بالعملات الأجنبية، حتى ولو كانت إيداعاته بالعملة نفسها، كما أن البطاقات البنكية تستعمل للسحب فقط من أجهزة الصراف الآلي، وليس للدفع عبر موزعات الدفع الإلكتروني أو مواقع الإنترنت؛ ولهذا فالمواطن يجد نفسه غير قادر على سحب مبلغ من المال من حسابه لدى أحد فروع بنكه في البلد المضيف، وإن توفرت له الخدمة تكون غالبًا مقيدة في حدود مبلغ ضئيل.

نقمة عند البعض تقابلها نعمة عند البعض الآخر

المعضلة التي تواجه الجزائريين المسافرين من شحّ في العملة الصعبة لدى البنوك، والاضطرار لشراء العملات بالخسارة في السوق السوداء، تقابلها في الجانب الآخر مكاسب كبيرة للمهاجرين القادمين إلى أرض الوطن؛ فارتفاع سعر اليورو والدولار مقابل الدينار يضمن لهم مبلغ صرف مرتفعًا بالدينار، مقارنة مع أسعار البنوك، وهذا ما تعمل السلطات العليا على مكافحته؛ حتى يضمنوا للبنك المركزي مصدرًا معتبرًا من العملة الصعبة، يكتسبها من المهاجرين، وذلك بفرض غرامات وقيود على تحويلهم العملات الأجنبية خارج البنك.

فأغلبية المهاجرين المقيمين خارج البلد، خاصة في دول أوروبية، وبعض التجار الذين يزاولون أنشطتهم في الخارج، يحولون العملة الصعبة في السوق الموازي، مع أن تلك العمليات خارج نطاق البنوك تعد غير قانونية، وبالتالي فهي تنطوي على مخاطر قد تعرّض أصحابها لعقوبات صارمة، فمكاتب الجمارك بالمطارات، المداخل البرية، والموانئ، تفرض على القادمين التّصريح بممتلكاتهم من العملة الصعبة للمبالغ التي تزيد عن 1000 يورو، وعند المغادرة تفرض على المسافر إظهار إيصال يوضّح تصريف المبلغ من أحد البنوك الوسيطة، أو الوكالات المعتمدة، وفي حالة ثبوت مخالفة عدم التصريح بمبالغ تفوق 1000 يورو، وحُولت من خارج المؤسسات الرسمية، يتعرض المُخالفون لغرامة مالية تقدر بضعف المبلغ محل المخالفة، أو يحجز المبلغ، وفي بعض الأحيان قد تصل العقوبة إلى السجن من سنتين حتى سبع سنوات، في حالة تهريب مبالغ وأصول ضخمة من العملة الصعبة[2].

لماذا لا تتحرّك السلطات العليا لتقنين السيّاسات المصرفية الخاصة بسوق العملة؟

لا شك في أن السّلطات العليا ليست بعيدة عما يحدث، وليست في غفلة عن تأثير نشاط تداول العملات خارج إطار البنك المركزي، وبالتالي تأثير ذلك في ميزان المدفوعات، وفي الناتج المحلي الإجمالي للبلد، وحتى في المواطن البسيط.

تأخّر السّلطات في اتخاذ إجراءات لمحاربة السوق السوداء، وغضّ الطرف عن ممارسات بارونات العملات، جعل منها طرفًا متهمًا كشريك في العملية، أو على الأقل تورّط أطراف نافذة في الدولة، مستفيدة من بقاء الوضع الراهن.

معظم أموال العملة الصعبة المتداولة في السوق السوداء تدخل عن طريق التهريب، سواء من طرف مهرّبي العملة، أو بواسطة رجال أعمال ينشطون خارج القانون، حيث الملاذ للتهرّب الضريبي، لكن الجزء الأكبر يُجمع عن طريق تضخيم الفواتير في عمليات استيراد يشوبها الفساد، والتي كثيرًا ما ترتبط بإطارات سامية في الدولة، أو أشخاص لهم نفوذ وعلاقات قوية تسمح لهم بالسيطرة على سوق العملة، من خلال تزويد الأخيرة بالمنتج المالي، ثم التلاعب بأسعار الصرف في حرية، وأخيرًا رمي الكرة في مرمى لاعبين صغار، ومضاربين يبحثون عن لقمة العيش من بيع العملة وشرائها بفوائد صغيرة نسبيًّا، وخلال استضافته على القناة الإذاعية الثالثة العام الفارط (2018)، اعترف نائب بنك الجزائر شخصيًّا بعدم قدرة الحكومة على وضع حد للأسواق الموازية، في اعتراف خطير مر مرور الكرام.

فتح مكاتب الصّرافة لم يحل المشكلة!

مع مطلع أبريل (نيسان) من سنة 2016، وافق البنك المركزي الجزائري على منح تراخيص فتح مكاتب صرف العملات، في محاولة للسيطرة على سوق العملة الصعبة، ومحاربة الأسواق الموازية، لكن لوقت قصير اتّضح أن هذا الإجراء مجرّد ذر للرماد في العيون، وأثبت عدم جديّة الحكومة في التعامل مع الأمر، من خلال القيود التي فرضتها على الشركات المُستثمرة في المجال، إذ منحت المستثمرين نسبة 1% فائدة على هامش الربح الإجمالي، وهذه نسبة لا تشجّع إطلاقًا على الاستثمار، وكأنّ قرار فتح مكاتب الصرافة اتُّخذ بسبب الضغط الشعبي، وليس بغرض تنظيم سوق العملات، ورغم ذلك فقد مُنح الاعتماد لحوالي 88 مكتب صرافة، لم يصمد نشاطها كثيرًا، فبعد أقل من سنتين أُغلقت جميع المكاتب أبوابها، كما كان متوقعًا.

الوضع الحالي والتّطلعات

من الواضح أن الوضع الراهن للاقتصاد الجزائري ليس على ما يرام، بدءًا بتأثير انخفاض أسعار المحروقات، التي تعتمد عليها الصادرات بـ95%، والتي تعد المورد الأول للميزانية بـ97%، أضف إلى ذلك عجز ميزان المدفوعات (-5,410 مليار دولار مع نهاية الربع الأول من السنة الحالية[3])، وكذا انخفاض الناتج المحلي الإجمالي منذ سنة 2014 [4]، تاريخ تهاوي أسعار النفط، والحديث عن الناتج المحلي الإجمالي يقودنا للحديث عن العملة الصعبة وتأثيرها في الناتج المحلي الإجمالي، بما فيه التحويلات الخارجية للأفراد والمؤسسات، الذي بدوره يؤثر في قيمة العملة المحلية، ومن المعلوم أن قيمة العملة تتأثر بعدة عوامل، منها حالة ميزان المدفوعات، التضخم المرتبط بالأسعار، أسعار الفائدة، التعريفات الجمركية والضريبية على السلع المستوردة، العرض والطلب على العملة.. إلخ، وهذا مُتعارف عليه في الاقتصاد، إلا في الجزائر، فتُضرب بهذه العوامل عرض الحائط عند وصولها إلى سوق المستهلكين المحليين.

تشير التقديرات غير الرسمية إلى أن العملة الصعبة المتداولة في الأسواق الموازية تفوق 5 مليارات يورو سنويًّا، وهذا رقم معتبر ينشط خارج الإطار الرسمي للبنك المركزي، والذي يجعل هذه الأسواق تسيطر على سعر العملة المحلية، وبالتالي يعني مزيدًا من المعاناة لدى المواطنين الراغبين في تحويل أموالهم في حالات السفر، ولا شك أن القضاء على سوق العملة الموازي بوضع أسس حقيقية تقنن أسعار الصرف، وإقرار تدابير صارمة لردع ممّولي هاته الأسواق، يعدّ أهم التحديات التي ستواجهها الحكومة المقبلة، بعد الاحتجاجات التي أطاحت نظام بوتفليقة، شهر أبريل من السنة الحالية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد