تعتبر مدينة لندن من أغلى الأسواق العقارية في العالم، السبب في ذلك هو خليط من عدة أشياء:

فمسألة أن لندن مدينة فريدة هى مسألة صحيحة لا جدال فيها، وأنها مكان أفضل لأن توجد به الشقق السكنية، أو حتى المباني الإدارية على نحو يفوق أماكن أخرى، وترجع أسعار الإيجارات المرتفعةإلى ذلك السبب بقدر ما، ولكن السبب الجوهرى في أن العقارات في لندن باهظة الثمن هو «الحزام الأخضر».

فلندن يطوقها الحزام الأخضر الأصلي الذي أنشىء في الثلاثينيات من القرن العشرين، والذي بسببه منعت أي توسعات في مدينة لندن، ويتم الاحلال والتجديد في الرقعة المسكونة؛ فالسبب في غلاء تأجير أو شراء الممتلكات العقارية في لندن لا يرجع إلى أنها أفضل بكثير من البدائل الأخرى، وإنما يرجع إلى أن تلك البدائل أصبحت ممنوعة بأمر القانون.

هذا بالطبع ليس قدحًا في فكرة الحزام الأخضر، فله فوائد جمة، وأهمها الحفاظ على البيئة، ولكن عندما نقوم بتقييم مزايا ومساوئ إصدار تشريع مثل تشريع الحزام الأخضر، فمن المهم أن ندرك أن تأثيراته أكثر من مجرد الحفاظ على البيئة؛ فربما يلقي الإنسان نظرة عجلى على السيئة فيحسبها حسنة،أو العكس.

كم هى مختلطة أمور الحياة ومتشابهة، فكرة الحزام الأخضر وهى فكرة بيئية في الأساس، كان السبب وراءها هو الحفاظ على البيئة، وإحياء الجمال، ولكن لانهيار الحدود بين العلوم، وتجاوز التخصصات، ونظرا لكوننا نعيش في منتصف ليل الإنسانية، نقل الناس فكرة الحزام الأخضر كل إلى تخصصه؛ فالإنسان كائن نفعي بطبعه، فهو يبحث عن مصلحته أينما حل وارتحل،وأن عدو المرء اللدود هو من يعمل عمله، وبما أن الإنسان بطبعه حيوان مسوغ فهو يغلف ذلك بمبررات بليدة أشهرها:

حماية المنتج الوطنى، وأكبر متضرر من هذا الاحتكار هو المواطن لا ريب في ذلك، وهذا الكلام ماهو إلا مسلك إلى مغزاه، فهى خدعة تشبه وضع إناء مملوء بالحصى على النار.

فأول من استفاد من فكرة الحزام الأخضر، بل وأكبر المستفدين على الإطلاق هم ملاك الأرض التي حماها الحزام الأخضر من التنافس مع الأراضي الأخرى، التي أخرجت من المنافسة بقوة القانون، ففكرة الحزام الأخضر هي فكرة احتكارية إذا نظرنا إليها بنظرة أوسع من نظرة الحفاظ على البيئة، وإحياء الجمال.

فقد تلقف أصحاب رؤوس الأموال الجشعون، سيئوا الملكة،الذين يمتلكون قدرا كبيرا من ليونة الضمير، فكرة الحزام الأخضر، وبدأوا في تطبيقها كل في مجاله، واستطاعوا عن طريق الطرق المشبوهة إنشاء أحزمة خضراء حول مجالاتهم، واستطاعوا تحقيق أرباح كبيرة، وكان هامشها مرتفعًا جدًا،بحيث أصبحت دخلا ريعيا، وهذه الأرباح لم تأت من التوظيف الأمثل لمختلف عوامل الإنتاج، وإنما لسبب خارجي لا علاقة بكفاءة الإنتاج؛ وقد تعاون في ذلك السياسي، ورجل الاقتصاد، والبيروقراطى، فالمصلحة التي تجمع بين أصحابها، كالنسب الذي يجمع على التحاب، والحلف الذي يجمع على التناصر، مستعينين في ذلك باحتياطات تسبق الثعالب بسنين ضوئية.

من المقطوع به أن تسبب ذلك في مشاكل كبيرة وسلبيات لا تخطئها عين:
فقد سيطر هؤلاء الجشعون على الأسواق واحتكروا السلع،واطمأنوا من عدم المنافسة فتراخوا وأخرجوا لنا منتجًا رديئًا.

الأمر لم يقف بنا عند هذا الحد، وقف أين إذن ؟ تعالى لنرى.
ملائكة الرحمة «الأطباء»، تقاتل نقابة الأطباء بكل ما أوتيت من قوة لتحجيم السوق، فهى لاتقبل إلا عددا قليلا جدا من خريجى الثانوية العامة والأزهرية، حتى يظل السوق متعطش للأطباء، وتظل القاعدة الإقتصادية الشهيرة » القوة في الندرة «فعالة وتؤتى أكلها، فهى ترفض الترخيص لكليات الطب إلا بشروط غاية في الصعوبة، ناهيك عن الحرب التي تدخلها النقابة مع ممارسي مهنة العلاج الطبيعي من خريج كليات العلاج الطبيعي.

قس على ذلك جميع المهن والتخصصات،فالأمثلة كثيرة، فما عليك إلا أن تكر السبحة وتستغني عن العد، فهى مسألة كبيرة طويلة الذيل،تجعلنا لا نعجب من وصف «جورج برنارد شو»، للمهن بأنها «كلها مؤامرات ضد عامة الناس»، حتى أن مهنة الشحاذة لم تنجو هى الأخرى من سعى أهلها بتطويقها بحزام أخضر! في رواية «البنسات الثلاثة «لبرتولد بريخت، يفقد بطل الرواية «فيوكومبى» رجله أثناء الحرب، فيترك العسكرية، ويمتهن الشحاذة،وأثناء وقوفه في الشارع يزاول مهنته الجديدة،وكان غرا بيّن الغرارة لم يخض التجربة من قبل، فينهال عليه الشحاذون القدماء بالضرب والصفع لأنه تجرأ ودخل مهنتهم، ثم يفهم بعد عناء أن الأمر ليس بهذه السهولة، وأن العين لا تقاوم المخرز، ولا ينجو من التضييق عليه والتحرش به إلا بعد دخوله في حماية أحد أباطرة هذه المهنة، فيضمن له ممارستها دون أدنى خوف، مقابل نسبة يدفعها له من إراد الشحاذة الذي يتحصل عليه مقابل الحماية؛ فعالم المال يستوجب الركوع، ومن لا يركع لا يحصد إلا الصفعات، ومن يخالف هذه النصيحة فليضرب في التيه، وهذا ما تعلمه فيوكومبي في النهاية.

رجال الدين ورجال السياسة، أملنا وسبب تعاستنا في آن، يعلق الناس وخاصة في المجتمعات الشرقية آمال كبيرة على الدين، وعلى رجاله، ًفالدين هنا يشغل حيزا كبيرًا جدًا من حياة الناس، وكما عبر المصلح الإسلامى وعالم الاجتماع الإيرانى الكبير على شريعتى: ً«الدين ظاهرة مدهشة تلعب في حياة الناس أدوارًا متناقضة.يمكن له أن يدمر أو يبث الحيوية،يستجلب النوم أو يدعو إلى الصحو، يستعبد أو يحرر، يعلم الخنوع أو يعلم الثورة».

لأجل هذا سعت الدولة لإنشاء حزام أخضر حول الدين،وتحولت الدعوة إلى الله التي تعتبر سبيل كل المسلمين(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) يوسف 108، (بلغواعنى ولوآية ) أخرجه البخاري، إلى مهنة مثل أي مهنة.

سعى الدولة لتأميم الدين هذا أمر مفهوم مغزاه، فكل ملك أو رئيس يسعى سعيا حثيثًا لكي يضمن ولاء رجال الدين، فإن ضمن ذلك استقرله ملكه، لا ينتطح فيه عنزان؛ ولكن موضع العجب والاستنكار هو حرص رجال الدين أنفسهم على هذا الحاجز «الحزام الأخضر»، فهم كثيرا ما يثلبون وينتقصون الدعاة إلى الله، حتى وإن كانوا أكثر منهم علما، وأنفذ منهم بصيرة، بدعوى أنهم ليسوا متخرجين من مؤسستهم، أو أنهم من خارج مذهبهم، أو منهجهم، أو لم يقرؤوا على مشايخهم.

وبسبب هذا الفهم الكنسى للإسلام، تحول الدين إلى لاهوت وهؤلاء هم كهنوته،فلا يخفى على أحد ما أصاب رجال الدين من الولع الشديد،والحرص الحثيث، على سرور السؤدد، وعزالرياسة، وثمرة السيادة، وغبطتهم العظيمة لإنفاذ أوامرهم ونواهيهم، بالإضافة ما يشعر به الناس من شقوق كلامهم المدهون بزيت التكبروالاستعلاء.

وما فعلته الدولة في أمر الدين فعلته في أمر السياسة، فأممت الحياة السياسية، ولم تسمح بظهور إلا من وافق هواها، وأعانها في ذلك انتهازية رجال السياسية وحبهم للرياسة والصدارة، فتكلسوا في أماكنهم،محاربين للتغير،واقفين بالمرصاد لتطلعات وأحلام الشباب، وصدق علي بن أبى طالب ـ رضي الله عنه ـ«أكثر مصارع العقول تحت بريق المطامع».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد