الوطَن ليس أكثر مِن عادة. و البشرُ عبيد عاداتِهم. ولأنّهم عبيد عاداتهم تراهُم قسّمُوا الأرضَ إلى مناطِقَ صغيرةٍ يدعونهَا أوطانهُم. ميخائِيل نُعيمة

 

الوطن! زنزانة أخرى من الزنزانات التي لم نخترها. خدعة أخرى من أوغاد البشر. يقولون على قطعة من الأرض هي الوطن وأقول الوطن هو الكون أو العدم.

حتما من صغرك ستلقن على عظمة الوطن، وأنه لا مثيل له، وأن التضحية من أجله هي الغاية السامية، ستلقن هذا في المدرسة وفي دور العبادة وفي البيت، حتى تمضي مع الماضين بلا وعي مرددًا ترهات، خالية من أدنى أسس التفكير البسيط. ستلقن على خدمة الوطن والعمل على نهضته لكنك لا تراه ينهض! ستتعلم تاريخا زائفا، فقظ الذي يريدونك أن تراه، سيعلمونك التضحية فقط، دائما ما يعطونك نصف الحقيقة التي ترضيك دائما في بيئة أصبح التجدد والتغير فيها أمرا منعدما. لكن قل لي كيف ألومك وأنت لم تتعلم أن ترى الحقيقة قط؟ أنا وأنت وغيرنا ضحايا للنظم الاستعمارية التي تحبسنا تحت مظلة تسمى الوطن، سحقا للوطن. نحن من نصنع الوطن، وليس هو من يصنعنا.

لا شك أن هناك بعض الأوطان الحقة التي تنصف شعوبها ولا تحملهم دائما عبئها، ولا تعاملهم كأنهم عبئا عليها، كما تفعل أوطاننا. من الواضح أننا جميعا سئمنا من هذا الوضع، والطاقة التي بداخلنا أصبحت طاقة سلبية، ومن الواضح أيضا أن كل المقالات والأشعار التي كتبت قبلي عن حب الوطن والدفاع عنه كانت هراء وعبثا لا فائدة منه. لذا دعنا نرى ماذا قال هؤلاء من سنين ماضية عن الوطن.

 

«عام يذهب وآخر يأتي وكل شيء فيك يزداد سوءا يا وطني» محمد درويش

 

فما كان الوطن سوى السادة الجالسين فوق القانون وفوق المحاسبة.

أفراد يتحكّمون في شعوب، عصابات بأوسمة ونجوم كثيرة، لصوص محترمون يتناوبون على المناصب الحلوب، ولا يختلفون إلاّ على اقتسام الغنائم.

يضعون بينك وبينهم علم الوطن، مزايدين على المواطن وطنيّة، متنقّلين في السيّارات الرسميّة، متحدّثين باسمك في المحافل الدوليّة، موقّعين عنك الصفقات.

إنّهم صوتك وصورتك ويدك. وحدها جيبهم ليست جيبك!

تقول معزّيًا نفسك «إنّهم على ثرائهم فقراء كرامة» وتُباهي بشعار لن يطعمك. لكن يومًا بعد آخر، وأنت تذهب لتشتري بما في جيبك من «صكوك عزّة النفس» ما يسدّ رمقك، تكتشف أنّ عُملتك لا تنفع لتوفير حياة كريمة، وإنّ الكرامة بنك بدون سيولة. حينها تصبح أمنيتك أن تغدو لصًّا.. بعد أن جعل الوطن من اللصوص قُدوتك!

أحلام مستغانمي.

«يجب أن نسرع بتطهير البلاد من الفساد، حتى نعيد إلى حياتنا توازُنَها، وإلى الأنفس الثقة والأمل، ونُسقط حُجة من يدينون المجتمع لترديه وتسيُّبه واستهتاره، حتى يصير مجتمعًا صحيحًا، قويمًا، يستحق الدفاع والتضحية. ويجب أن نندفع في طريق الإصلاح، بكل عزم وحزم، فالوقت ينادينا بالعمل والجدية والبذل، وجميع ما يجري في العالم من حولنا يصرخ في وجوهنا أن أفيقوا وهُبُّوا، قبل أن يجرفكم الطوفان، وما الإرهاب إلا ثمرةٌ مُرَّةٌ للمعاناة والفساد وسوء الأحوال. ويجب أن نستكمل مسيرتنا الديمقراطية، وأن نحترم القانون وحقوق الإنسان، ونهيئ مناخًا صالحًا للحياة الصالحة، أقول ذلك، وأنا على علم بأن البلاد الديمقراطية لا تخلو من فسادٍ أو إرهاب أو تطرُّف، ولكن الأمل في تَخَطِّي العقبات مع الحرية والإيجابية الشعبية أكبر منه في وَهْدَة الشمولية والقهر والظلم. عندما نتوجه، بصدق، نحو تحقيق ذلك، نهيئ لمعركتنا مع الإرهاب قوة ومعنى وركيزة، ونُكرِّس لرجال الأمن قضية عادلة تستحق التضحية والبذل، فينطلقون في مهمتهم السامية أبطالًا لا موظفين مكلَّفين بالدفاع عن منحرفين من نوعٍ ما، ضد منحرفين من نوع آخر».

نجيب محفوظ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الوطن
عرض التعليقات
تحميل المزيد