«لقد مسنا الحلم مرة، ومنذ تلك المرة لم نعد كما كنا بالمرة»

تلك هي الحقيقة الوحيدة الأكيدة، بعدما شابت معظم رؤوسنا وتهالكت أجسادنا تحت تحمل الصبر، الثورة أحدثت تغيير بالفعل، وأكبر دليل «نحن».

هل عادت مصر لما قبل الثورة؟ هذا السؤال لا يعني أننا أصبحنا أفضل أو أسوأ، هو فقط يعني معناه الحرفي، والمقصود بمصر هو الدولة نظامًا وممتلكات وأموالًا وسياسات، والشعب وتكوينه وأفكاره وثقافته وديناميكيته.

ومن هنا أظن أن أي عاقل يتفكر قليلًا، في شكل الحياة ثقافيًا من النواحي العقائدية والسياسية والفكرية قبل الثورة، ثم يقارنها بما أمست عليه اليوم، سيجيب بلا شك، بأن مصر تغيرت بالفعل عما كانت عليه قبل الثورة، أما من منظور الدولة وسياستها… إلخ. فقد تغيرت هي الأخرى صحيح أن نظام مبارك كان عسكري الطابع في الأساس قبل أن تصبغه الصبغة البوليسية الطبقية بفضل جمال والعادلي وعصابته، إلا أن هذا النظام مختلف كثيرًا في السياسات وطريقة التفكير في الشأن الداخلي والخارجي.

هنا تحدثت فقط عن الاختلاف، ولم أقارن بشكل دقيق، أو أحدد أيهما أفضل أو أسوأ، رغم أنه يمكننا أن نتفق بسهولة على أن صندوق قمامة مغلق أفضل من حظيرة الخنازير المهملة، وأظن أنه لا داعي أن أوضح بشكل مباشر أي النظامين هو حظيرة الخنازير، عَلَني أبتعد أيام بعد عن القبو السفلي في الحظيرة، ثم إني هنا أريد أن أركز أكثر على نقطة «الاختلاف»، وليس على المقارنة.

أن نتفق أن تغيير ما قد حدث، بغض النظر عن تقييمنا لهذا التغيير الذي يحتاج لرصد عوامل مختلفة ونواحي متعددة من سيكولوجية الجماهير وأثر الثورة وهزيمتها المؤقتة على ثقافة وتفكير الأجيال المختلفة، ومن الناحية الاقتصادية والفشل الواضح للنظام الحديث في تحسين حياة أفراد الطبقة المتوسطة والفقيرة، في حين تمكن الطبقة العليا من استغلال سياساته في زيادة ثرائها؛ مما أظهر الطبقية بشكل اقترب من المرعب في الفترة الأخيرة، وبالطبع يجب النظر إلى مستوى التعليم وسياسات النظام الحالي في تعديلات مضطربة ومتكررة شوهت التعليم أكثر مما كان، مع كل هذا يجب أن نراعي أيضًا وضع الصحة وميزانيتها المتدهورة ومشاكل الأطباء والمرضى كليهما في قلب منظومة لا تراعي، إلا بيروقراطية فاسدة، والوضع الأمني الحرج، والسياسات الموالية بشكل فج للصهيونية، وغيرها من النواحي التي علينا مراعاتها إذا أردنا أن نقيم التغيير الذي وقع أثره على مصر من بعد ثورة يناير (كانون الثاني).

لكني الآن أريد أن أركز فقط على نقطة محددة، أتمنى أن نكون متفقين فيها كمقدمة لما هو آت، ألا وهي أن هناك تغييرًا قد وقع على مصر بعد ثورة يناير.

وعليه فإن هذا التغيير الواقع على الثقافة المصرية، والذي يظهر بشكل واضح على المصريين من عمر 15 إلى 25، هؤلاء من كانت أعمارهم وقت الثورة بين الطفولة والمراهقة، بالإضافة لمئات الآلاف ممن نجوا من تظاهرات دموية ورأوا الدم رؤيا حق، ممن عاشوا الحلم بتفاصيله، لحظات الانتصار واليأس، من هتفوا لرحيل مبارك وأطلقوا الزغاريد فرحًا برؤيته في قفص الاتهام، قبل أن يبكوا على براءته وافتراس ثورتهم وهم سذج يتخبطون في حوائط الألم.

الجيل الأصغر اللاحق لهم بقوته وعنفوانه والتغييرات الذهنية التي نشأ عليها، حينما بدأ نضجه في عز الثورة، وهي تصرخ وتحرق وتلعن وتسب شيوخًا، وعساكر، وقيادات، وبهوات، بعلو الصوت في شوارع المدينة، من نبتت ذقونهم، ونمت أثدائهن، وهم يشعرون بروح القوة والحرية التي خلقتها سنوات الثورة الأولى، قبل أن تنقلب ويتحكم مرة أخرى منها الاستبداد ويروون الخوف والهزيمة والدم، تلك التناقضات خلقت جيل مختلف عمن سبقهم، لكنه وحده بدون التجربة قد يبدو مهلهلًا وسفيهًا، وفوضويًا، بدلًا عن ثوري.

والجيل الأول الذي دهسته الثورة وآلامها ويتخبط من تبقى منهم بين محاكم وسجون وتهديدات وحياة مضطربة، ويتخلص من حبال الفكر القديم ويعيد تضفير حبال الفكر الجديد بالتجربة والخطأ، هذا الجيل فقد القوة والاندفاع بسبب مرارة التجربة، فبدا مهزومًا مكسورًا، رغم أنه عقليًا أصبح أوسع وأكثر قدرة على التنظيم والفعل من حاله في 2011.

لهذا فإن التحام الفئتين، وتقاربهم هو الذي يقربنا من تحويل التغيير الذي حدث بالفعل في سيكولوجية الشباب من عمر 15 وحتى 40 عامًا، يقربنا من تحويله إلى تغيير حقيقي في نظام الدولة رغمًا عن النظام، قد تكون الطرق الديكتاتورية التي يتبعها مع سياسات الإفقار لإرهاق الطبقة الوسطى، مع سياسات التجهيل المتعمدة لنشر الخوف بكل أسهل، ربما كل هذا يؤدي لتأخر التحول النهائي ووقوع التغيير المنشود في ثورة الحرية 25 يناير، لكنه لن يمنع وقوعه مهما حدث.

ببساطة لأن التغيير قد وقع بالفعل، إنما هي مسألة تفاعلات بين الأفكار وتضافر للجهود المختلفة من أبناء العقدين حتى يتحول وقتها خلية الأمل لخلايا نشطة تحتل كامل كيان مصر شعبًا ودولة، فالإيمان بحتمية الوصول للتغيير ليست من سبيل الدعاية اللاعقلانية لتهديد سي عمر باقتراب زوال عرشه، إنما هي محض واقعية مبنية على مقدمات مقروءة، لتغيير قد وقع بالفعل، والرهان على تكوين الشباب وتراكيب التجربتين الخاصة بالشباب من عمر 15 وحتى 40 عامًا، مع التغييرات الثقافية والفكرية التي تظهر في صورتها الأولية اليوم، ربما صورة مخيفة أو بذيئة، لكنها تعطي دلالة قوية أن هذا الجيل مختلف ثقافيًا وفكريًا وحطم أصنام بفعل الثورة لا مجال للعودة منها، تطول أو تقصر المدة وتختلف الطريقة، لكنها في النهاية لعنة الثورة يا «سي عمر» التي تهدم أنظمة وتفني أفكارًا وتخلق بلادًا جديدة في البلاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد