رجاءً لا تطلقوا عليها ثورة؛ لأنها ليست كذلك. ربما تكون من نوع خاص، غير تلك التي يفعلها الشعوب، أو ما نقرؤه بكتب التاريخ، ثورة صنعها الشباب واختطفها السياسيون، ضحينا من أجلها حتى وُجدت على أرضنا، ومن ثمّ باتت تلفظنا من دائرة معارفها، حتى اعتبرتُها لعنة – لكنها من نوع خاص – وبنكهة ثورية.

سأخبرك لما لا أدعو ذلك اليوم بثورة؟ أخبر كل من شارك في هذا اليوم لما هي ليست ثورة – حتى الآن -؟! كل من شارك في هاشتاج #أنا_شاركت_في_ثورة_يناير أنه إلى الآن قد شارك في تلك النقمة فليس عليه التفاخر بعد، قد شارك في الطريق الشائك، قد شارك في دخولنا النفق المظلم الطويل، إنّ ما أقوله ليس يأسًا، فاليأس خيانة وما سأسرده ليس خيالًا بل واقع ملموس فلا تتسرع بالحُكم الآن، وانتظر نهاية الأسطـُر واحكم بنفسك، بعقلك وثوريتك.

فقد ذهب إلى الميدان من ذهب ورحل عنه من رحل، وهاجمه من هاجم وقاوم فيه من قاوَم، وقُتل فيه من قتل وجُرح فيه من جرح، وشاء الله أن أكون شاهدًا على بعض الأحداث أنا وأصدقائي ممن شاركوا وحضروا كملايين الشباب من معارك ومواقف وخطابات وهتافات، تبشير بالنصر القريب، فرح بالأعداد المتزايدة والبيئة المترابطة بين الأديان وشتّى الطبقات، وحلقات الفن والشعر والرسم وحالات الزواج والمواقف الكوميدية من شباب رافع شعار – ارحل عاوز أروّح لعروستي – ارحل عاوز أحلق شعري – ارحل عندي امتحانات – ارحل مراتي بتولد… إضافة لجميع الأحداث وانضمام شتى الأطياف لداخل  الميدان.

ناهيك الوضع خارج الميدان كميدان كبير لوجهات النظر، وحلقات للمناقشة والتوقعات والأمل واليأس.  فالأصدقاء والجيران والأقارب والزملاء والكبير والصغير والجدٌّ والحفيد متحدثون عن الوضع والسياسة وكأنهم سياسيون أو محللون أو حتى صحفيون ومراسلون.

وفي يوم التنحي فرح الجميع، وانتفضت الناس بالميادين، وامتلأت الشوارع بالمحتفلين والسماء بشتى أنواع الألعاب النارية، وحلق الشاب شعره وذهب العريس لعروسه والطالب لمذاكرته والطبيب لعيادته والمهندس لمشروعه والعامل لعمله والفلاح لحقله، والكل ذهب لينمّي بلده.

بعدها بدأنا الأحلام وبلغت ذُروتها والآمال تجاوزت سرعتها وبدا المستقبل زاهرًا مشرقًا، والحاضر فرحًا والماضي درسًا مؤلمًا كما أنه لن يتكرر، حلمنا ببلدنا ووطننا بمصرنا ومصيرنا، وسعينا لنبني أمجادنا، ويخبرنا أبي بأن وطننا هو مستقرّنا والغربة ليست ديارنا وبلادنا ستؤوينا رغمًا عنا، حلمنا بالصناعة والزراعة بالازدهار والتقدم، بمحاكاة تركيا وماليزيا بل بمنافستهم، والسيارات والطرق والمرتبات والوظائف واستصلاح الأراضي والصحاري والكرامة والأمن، حلمنا بالعدل والمساواة والأخوة والإخاء… أو ببساطة حلمنا بـ”عيش – حرية – عدالة اجتماعية”. حلمنا بتحقيق مطالب الثورة، التي إلى الآن مجرد أحلام لم تتحقق.

وتوالت الأحداث الفارقة وكثرت المسيرات وتعالت الأصوات من جميع الأطراف التي من الممكن أن الثورة قامت عليهم من بداية: فترة انتقالية – خارطة الطريق- حازم صلاح- أحداث محمـد محمود – استفتاء مارس – مجلس الوزراء – أحداث الشورى – دستور الثورة – محمد مرسي – أزمة بنزين – أزمات – وعد المائة يوم… – انقلاب عسكري – … إلى مجلس الشعب المنعقد الآن، وأضف مكان النقاط كل الأحداث الفارقة التي حددت مصير الشعب.

أهذا ما طالبت به الثورة؟
إن مفهوم الثورة لديّ – أنا الشاب في بداية عقدي الثالث – الحياة بكرامة وحكم ديمقراطي يضمن لنا الحقوق والحريات وعدالة اجتماعية غير عنصرية. إن هذا هو كل ما أعرفه عن كلمة “ثورة” فأنا لست سياسيا أو باحثًا في الثورات. لكن هذا إلى الآن لم يتحقق أو يحدث. إذًا فماذا حدث؟

ما حدث تماما هي لعنة وليست ثورة، لعنة ليس لأنها لعنة فراعنة بل لعنة كافرة متدنية لم تهبط علينا من السماء، بل صعدت إلينا من باطن الأرض بلا رحمة أو شفقة أو عرفان جميل حتى، التهمت كل من كان سببا في إشعالها، فنحن الذين انتابنا الرصاص والخرطوش ما زال بارزًا على أجسادنا، والغاز المسيل إلى اليوم بصدورنا، والعاهات المستديمة كنّا نحسبها ذكراها وتذكارها والقتلى شهداءها والتضحية المؤقتة ضريبة الأمل، لكن أصبحت التضحية ضريبة الحياة وندفع إلى الآن ثمنها.

لأنها جعلتنا نترقب وصول الأمن لبيوتنا كل عام من ذِكراها، لعنة فرضت علينا حكم العسكر، جعلت الشعب كالعبيد والحاكم كالإله، فيفكر الشباب في الهجرة، والآباء في الخوف على حياة أبنائهم، والطلاب كيف يدرسون بالخارج، جعلت من المتظاهرين إرهابًا، والمطاردة لهم أسلوب حياةِ وعيش، لعنة جعلت الحكم بالسجن أخف علينا وأهون من الحبس الاحتياط غير المُقيد بمدة، جعلت من يرفع أربع أصابع يُزج به في السجن إلى أن يشاء الله، جعلتنا نخاف في أوطاننا ونأمن خارجها، جعلت بيوتنا مصيدة، وحسابتنا على مواقع التواصل دليلًا على المعارضة، جعلت الشرطة تنصب كمائنها لتتفقد هواتفنا، جعلت جنازات الشباب بدلا من عرسهم واعتقالهم بدلًا من توظيفهم، وفصلهم من الجامعات بدلا من تفوقهم وتكريمهم، لعنة جعلت الأطباء بالسجون والجهلاء يحكمون، توسعت في بناء الزنازين، وجعلت مُغنِّي “أهاجر وأسيبك لمين..” أول المهاجرين.

باختصار

اعتقلت ما يزيد عن أربعين ألفًا، وقتلت الآلاف وجرحت وعذبت الملايين، واغتصبت الفتيات وهجّرت واعتقلت وتطارد الشباب، وأذلت شعبًا بأكمله، جعلت مصر هواؤها غاز مسيل للدموع وماء نيلها فوسفات مشبّع بفتات الصخور وتربتها خصبة بالدماء.

-ألا تستحق أن تكون لعنة؟!

ربما تكون ثورة لكنها تحققت بالسلب، ثورة عكسية مع ما طالبنا، مضادة لما أردنا، فقد أردنا “عيشًا” فأعطتنا “القتل”، أردنا “حرية” فأخذتنا إلى المعتقلات، طالبنا بـ”عدالة اجتماعية” فردت علينا بالطبقية والديكتاتورية والذل والمهانة.

يبدو أنّ مجموع ما أردنا قد تحقق لكن بوضع إشارة سالبة قبل الناتج النهائي، فهل الخطوات صحيحة والخطأ فقط في الناتج؟ أم أننا أدرنا آلة الزمن للخلف ووصلنا لزمن أصبحت الشرطة فيه عاهرة والجيش زانيها والقضاء يباركهم والإعلام يُحلِّلَهم.

أصبحنا بلا وطن، فوطننا مغتصب ومستقبلنا مجهول، فعاقلنا أحمق ونائبنا مُزوّر وعالمنا جاهل ووزير تعليمنا أُمي وحامينا قاتل ومحدثنا أبله وحاكمنا ***.

فراضٍ أنا بحكمك أيا كان سيدي. أتستحق أن نقول عليها ثورة؟

وإن كانت تستحق، فما هو مفهوم الثورة لدى حضراتكم؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد