لا أظن أن أحدًا من المسلمين يماري في حرمة الغيبة، فكونها من الكبائر من المعلوم من الدين بالضرورة

«ولا يغتب بعضكم بعضًا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه!» الحجرات، 12

وهي كما عرّفها رسول الله صلى الله عليه وسلم «ذكرك أخاك بما يكره»، قالوا فإن كان فيه ما نقول، قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهتّه، أي تقوّلت عليه بهتانًا وكذبًا.

والمغتاب شخص رديء النفس سيئ الطبع ضعيف الشخصية، فهو لا يرجو صلاح الآخر بإسداد النصح له، وليس عنده قدرة على المواجهة، فيعمد إلى النيل من الآخرين والإساءة لهم والحط من قدرهم ليساووه -فيما يتصور- في وضاعته بدل أن يحاول الارتفاع إلى مستواهم. وقد نشأ نوع جديد من الغيبة والخوض في الأعراض هو أشد دناءة من الغيبة المباشرة، ألا وهو «علامة الاستفهام»

فما هي علامة الاستفهام؟ وما علاقتها بهذا الأمر؟

في أوساط الحركة الإسلامية وجماعاتها المختلفة نشأ هذا النوع من الغيبة المقنّعة والمركّبة، وهي نوع من الاغتيال المعنوي للأشخاص ذوي المكانة في قلوب الآخرين، أو من أصحاب الرأي وإعمال العقل وإسداد النصح.

وفي الغالب تصدر من «بعض» القيادات ويتلقفها من لا يدقق فيما يسمع أو من لا يُقدّر ما ينقل أو من يُسلِم وجهه للقيادة وهو محسن الظن بها مستبعدًا انحرافها عن الحدود الدنيا لأخلاق الإسلام.

فصاحب الدين المغشوش هذا إذ يريد أن ينال من شخص مشهود له بحسن الخلق ورجاحة العقل وغزارة الفكر فلا يستطيع أن يقدح في شخصه بشيء معين حتى لا يطالبه المستمع بالدليل أو يواجهه من أسيئ إليه إذا وصله ما قال، فيعمد إلى سهمه المسموم فيطلقه إذ يقول:

«فلان حوله علامات استفهام» وفقط ويترك لكل مستمع أو منقول إليه العنان يفسر علامة الاستفهام كيف يشاء وحسب خياله السقيم أو السليم وتظل علامات الاستفهام تلاحق الشخص أينما حلّ ويتأوّل كل أحدٍ كلامه أو فعله أو إشارته وفق ما استقر في خياله حتى إذا ما جاءت اللحظة وحانت الفرصة تم إزاحته بسهولة بعد اغتياله معنويًا من ذلك الخسيس الذي أطلق السهم الأول.

والبعض أحيانًا يتساءل متعجبًا أيصدر هذا ممن ينتسب إلى جماعة إسلامية كبيرة تمتد في الآفاق؟! فأحيله إلى السيرة ليقرأ عن نماذج كثيرة تجاوزت ذلك إلى النفاق الخالص فكل مجتمع له آفاته وأمراضه ولا يحط ذلك من قدره إذ نتكلم عن تجمعات بشرية وليست مجمعات ملائكية، وتسليط الضوء على هؤلاء لاتقاء شرهم وأخذ الحذر منهم، وعمدتنا في ذلك هي قيم الإسلام وأخلاقه، وإنما يعرف الرجال بالحق ولا يُعرف الحق بالرجال.

وسبب كتابتي الآن رغم تواتر هذه الأمور من زمن حتى باتت كالمعلوم من الجماعة بالضرورة، أنه منذ أيام نقل شخص محترم مقالة لكاتب ومؤرخ محترم أحسبه من الصالحين المدققين الباحثين عن الحق يعقد مقارنة بين انقلاب مصر وانقلاب تركيا وكيفية تعاطي القيادات في كليهما مع الأمور وكأن القارئ تحسس بطحًا على رأس قيادته فلم يزد إلا أن كتب إن فلانًا هذا المؤرخ كاتب المقال (حوله علامات استفهام)، ونسج علي منواله آخرون فكتبت معلقًا متى نكفّ عن مثل هذا الافتئات الرخيص والخلق الخسيس، أي علامات استفهام والرجل يدفع ثمن انحيازه لمن ينتقدهم وإنما نقده رغبة في الاستفادة من الدروس وتصويب الأمور، ولماذا كنتم تبدون إعجابكم بكلامه دائمًا حتى هذا المقال فوجدتم علامات الاستفهام حاضرةً بعد غياب؟

ثم قلت إنني لا آمن علي نفسي منك إذن بعد دفاعي عن رجل لا يعرف عن هذا الحوار شيئًا أن تزعم أن حولي أيضًا علامات استفهام، ومن حماقته أنه لم ينتظر لحظة بل كتب علي التو ولِمَ لا؟ بعد أن كان يقرض في شعرًا منذ لحظات.

قلت في نفسي إن هذا الغِرَّ قد رضع علامات الاستفهام الملعونة وشبَّ عليها فعليه من الله ما يستحق هو ومن رباه على ذلك، فهؤلاء لا يمثلون خطرًا على جماعتنا بل على كل الجماعات والمجتمعات.

وأذكر أن قياديًّا من أصحاب «العقل والرأي» زار دولة خليجية وجلس يحدث إخوانه حديثًا ما أروعه ويرد على أسئلتهم بالعقل والمنطق ولا يجد حرجًا في أن يقول لقد أخطأنا في هذا وفي ذاك، وبعد أن انصرف وسط حفاوة الجميع به إذا بعالم كبير أو هكذا يُفترض يقول «لا تأخذوا كل ما قاله فلان مسلَّمًا به»، فسأله أحد الجالسين لماذا يا أستاذ؟ فقال ببساطة:

«حوله علامات استفهام» وثارت ثائرة أحد الحضور وقال له هذه غيبة من النوع الفاحش وهي اغتيال معنوي لرجل من أعظم من رأينا من الرجال».

وقريبًا كتب أحد مفكرينا المحترمين مقالًا أو طرحًا أو مبادرة انتقد فيها مكتب لندن وبعض القيادات مطالبًا الجماعة بالمراجعات وتصويب المسارات متخوفًا على الجماعة أن تدركها سنة الاستبدال ليس بسبب ما يأتيها من خارجها ولكن بسبب بعض العلل والعناد والاصرار على الاخطاء، وطبعًا لا يخفى على أحد حفاوة الجميع قيادة وأفرادًا على مدار عقود بالكاتب لما يقدمه حتى إذا كتب هذا المقال فإذا بكل (علامات الاستفهام) خرجت فجأة من جراب هذا الحاوي، وإذا بالذين رضعوا لبان غياب العقل وموت الضمير يقولون كأنها بدهية معلومُُ (أي منذ زمن) بأن فلان حوله علامات استفهام؟!»

وبالطبع هذه أمثلة فقط لنماذج أكثر من الحصر، وإذا كانت علامات الاستفهام هذه تُطلق على من أفنوا حياتهم في الجماعة فلك أن تتخيل كم تطلق على كل منتقد –مهما كان إخلاصه- من خارجها، يطلقها من أشرب فى قلبه هذا المرض، ولا يرقب فى مؤمن سبقًا ولا فضلا ولا جهادًا ولا ثباتًا.

ولا يخفى على عاقل كم من الأفذاذ المؤيدين والوطنيين المخلصين نخسر بسبب هذه الحماقة، وفي الوقت ذاته أؤكد على أمرين:

الأمر الأول أن هذا لا يعني السطحية والبلاهة في قراءة الأحداث والأشخاص ولكن بمعايير أخلاقية وضوابط مرعية وأدلة شرعية ومواجهة بعد استقصاء وليس إطلاقًا لسهام طائشة وسموم مرسلة.

الأمر الثاني هو أنه ينبغي على المرء أن لا يضع نفسه مواضع تعطي الفرصة لأمثال هؤلاء المرضى والحمقى في تناول عرضه أو إطلاق سهم «علامةالاستفهام الملعونة» عليه.

وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلّمنا إذ يقول لصاحبيه على رسلكما «هذه صفية زوجي» فقالوا يا رسول الله أفيك نشكّ؟ قال إن الشيطان يجري من آدم مجرى الدم من العروق، ولكن الجدير بالاهتمام أنه صلى الله عليه وسلم أدركهما فعالج ما قد يثور في نفسيهما، أما مُطلقوا «علامات الاستفهام الملعونة» حول شخص لا يراهم فيبين لهم، ولا توجد شبهة أصلًا لأنها لو وُجدت فإن دناءة نفس من يطلق علامة الاستفهام لا تمنعه أن ينسج من مجرد الشبهة حكايات كأنها اليقين.

ويكأن هؤلاء لا يعلمون أن قابيل ابن آدم عليه كفل من دم كل قتيل، ويتحمل وزر كل قاتل إلي يوم القيامة، والذي يقوم بالاغتيال المعنوي للآخرين عليه وزره ووزر كل من ينقل عنه ووزر كل من ينقل عمن ينقل عنه لا ينقص من أوزارهم شيئًا، (ألا ساء مايزرون).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد