مرت تونس منذ أيام بفترة عصيبة، تزامن خلالها حدوث ثلاث عمليات إرهابية راح ضحيتها شهيدين وعدد من الجرحى في صفوف الأمنيين والمدنيين مع تعرض رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي لوعكة صحية حادة وإشاعة خبر وفاته.

خيم هاجس الانقلابات التي حصلت في المنطقة على البلاد، وارتفع منسوب التخوف من تكررها في تونس لدى فئة  من التونسيين، وحتى الملاحظين الأجانب.

رافق هذه التخوفات ادعاءات أطلقها فاعلون سياسيون وإعلاميون تفيد بوجود  إعداد للانقلاب على رئيس البرلمان ورئيس الجمهورية لعل من أبرزها اتهام الإعلامي لطفي العماري لنائب رئيس البرلمان الأستاذ عبد الفتاح مورو بمحاولة الانقلاب على رئيس البرلمان واتهام النائب منذر بالحاج علي لرئيس حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي ورئيس الحكومة يوسف الشاهد  بمحاولة الاستيلاء على سلطات رئيس الجمهورية.

في المقابل وفي ظل الأزمة ظهرت تخوفات حقيقية من محاولات بعض الأطراف الخارجية والداخلية التي عرفت بمعاداتها تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس للانقلاب على المسار.

ليست المرة الأولى التي تعرف فيها تونس توجس من حصول انقلاب على مسار الانتقال الديمقراطي خاصة بعد الانقلاب الدموي الذي حصل في مصر، لكن مع كل مرة ترسخ لدى الجميع قناعة بأن حدوث انقلاب في تونس من المسائل المستبعدة والمرفوضة، ويعود ذلك لعدة أسباب.

أغلبية واعية ومسؤولة

 وهو ما أكده تفاعل غالبية الأطراف السياسية ومؤسسات الدولة والمؤسسات الإعلامية العمومية والخاصة مع الأزمة الأخيرة، حيث برز الخطاب الوسطي المسؤول كخطاب غالب في الساحة السياسية، وكان ذلك  في مواجهة بعض الأصوات الشاذة التي استغلت الظرفية التي مرت بها البلاد للتعبير مجددًا عن مواقفها العدائية والإقصائية.

وتعاملت أغلب الأطراف الفاعلة في البلاد بنضج وعقلانية، كما غلب الحس الوطني الذي يقدم المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية، وذابت الخلافات الشديدة التي حكمت البلاد بحكم اندراجها في سياق المسار الانتخابي في الفترة الأخيرة، من جهتها عملت المؤسسات الإعلامية الوطنية على التعامل مع الأحداث بمهنية بعيدًا عن ثقافة الاستعراض واللهث وراء السبق الصحافي دون التثبت من المصدر مثل ما حصل مع بعض القنوات الأجنبية، حيث أعلنت قناة العربية وفاة رئيس الجمهورية دون الاستناد إلى مصدر دقيق.

أمن جمهوري وجيش محايد

لقد كانت محطة الثورة حدثًا مهمًا لإبراز حيادية الجيش التونسي فقد كان خير حارس للثورة التونسية من عدد من الانحرافات دون أن يكون له أي تقاطع مع العملية السياسية، وتواصل تعامل الجيش الوطني مع مختلف الهزات التي عرفتها البلاد بنفس المنهج الحيادي.

يعود هذا التوجه الذي يميز العسكر التونسي إلى العقيدة الذي تأسس عليها والثقافة التي سادت داخله منذ أكثر من 50 سنة وتقوم هذه العقيدة على حماية الوطن دون التدخل في الحياة السياسية.

على عكس الجيش كان للأمن التونسي سوابق في التدخل في الشأن العام حيث كان أداة من أدوات بن علي في إنجاح انقلابه الطبي على الزعيم بورقيبة ثم صار عصاه الغليظة في فرض الاستبداد والتنكيل بالمعارضة.

يعمل الأمن التونسي منذ الثورة على إجراء إصلاحات هيكلية تمكنه من التحول إلى أمن جمهوري ونحسب أنه يتقدم بخطا حثيثة نحو النجاح في هذه المهمة.

أشار الصحافي الفرنسي نيكولا بو في مقال نشر منذ أكثر من سنة على وجود مخطط انقلاب أعده وزير الداخلية السابق لطفي ابراهم بدعم سعودي إماراتي، إلا أن ذلك لم يثبت لاحقًا وظل مجرد اتهام، وحتى إن تبادر إلى ذهن أحد المتآمرين التفكير في هذه المغامرة، فإن مقومات وشروط نجاحها مفقودة.

يبقى الجهد المبذول من قبل المؤسسة الأمنية لتطوير آليات عملها وتحقيق جمهوريتها يحتاج إلى دعم مادي ومعنوي لهذه المؤسسة من قبل الجميع.

منظمات وطنية قوية وداعمة المدنية الدولة

يعتبر قوة المجتمع المدني في تونس، خاصة ما تتميز به المنظمات الوطنية من مكانة في الحياة السياسية والمجتمعية، من المؤشرات الإيجابية في البلاد، حيث كان لها في مختلف المحطات السابقة دور إيجابي وحاسم، وهو ما بوأها للحصول على جائزة نوبل للسلام إثر الحوار الوطني الذي أشرفت على تنظيمه وتأطيره سنة 2014.

في الأزمة الأخيرة كان موقف المنظمات الوطنية واضحًا وحاسمًا في اتجاه دعم مدنية الدولة واستقرار مؤسساتها.

عبر الاتحاد العام التونسي للشغل باعتباره من أكثر الأطراف قوة في البلاد وأقدرهم قدرة على التعبئة منذ البداية على موقفه من الأزمة، فقد اعتبر الأمين العام للاتحاد نور الدين الطبوبي مروجي إشاعة وفاة رئيس الجمهورية عديمي أخلاق ولا يمثلون الشعب التونسي داعيًا الجميع إلى احترام الدستور وقوانين البلاد ومؤسساتها.

دعم أوروبي للتجربة التونسية

تحظى التجربة التونسية بدعم لا بأس به، خاصة من قبل دول الاتحاد الأوروبي، وإن لم يكن هذا الدعم واضحًا مع انطلاق الثورة، إلا أنه بات اليوم جليًا للعموم.

يعود دعم أوروبا للتجربة التونسية إلى موقعها الجيوسياسي وأهميته بالنسبة لأوروبا خاصة في ظل ما تعرفه المنطقة من توترات انعكست سلبًا على الأوروبيين.

يهم أوروبا أن تنجح تونس في تجربتها، وأن يتحقق الاستقرار فيها.

خرج سفير الاتحاد الأوروبي في تصريح منذ أيام، عن تحفظه الدبلوماسي وتطرق إلى بعض سلبيات التجربة في تونس وتطرق خاصة إلى مسألة ارتهان الاقتصاد التونسي إلى حكم بعض العائلات وربط  استشراء الفساد في البلاد بذلك الارتهان.

فهم هذا التصريح من قبل البعض على أنه تحضير لإيقاف الدعم الأوروبي للتجربة التونسية وإن وضعناه في سياق نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي الذي عرف صعودًا لليمين المتطرف المعادي للربيع العربي سنذهب حتمًا في هذا التأويل، ولكن الأرجح أن هذا التصريح جاء في إطار تبيان الصعوبات التي تمر بها التجربة التونسية ونلمس هذا خاصة في ثنائه على التوافق بين التيار العلماني مع من سماهم في تصريحه بالحزب الإسلامي الإصلاحي في إشارة إلى حركة النهضة.

يحتاج  الأوروبيون إلى نجاح التجربة التونسية، لأن في نجاحها مصلحة لأوروبا وفي الانعكاسات السلبية في حالة فشلها لا قدر الله مخاطر مباشرة عليها خاصة في ظل ما تعيشه أوروبا من جهود لمكافحة الإرهاب والحد من الهجرة غير النظامية.

تبقى هذه العناصر دعائم قوية لإنجاح تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس، ويبقى مواجهة المخاطر المحيطة بهذه التجربة، من واقع إقليمي متحرك، ومجموعات إرهابية متربصة، وأطراف معادية للديمقراطية تسعى في خراب الوضع في البلاد، مسؤولية مشتركة بين مختلف الأطراف الداخلية والخارجية المراهنة على نجاح تجربة تونس.

ويبقى موضوع الانقلابات في ظل ما تقدم بيانه من مقومات فشلها وصعوبة تحقيقها وفي ظل وجود شعب واع ذاق طعم الحرية والديمقراطية بعد أن اكتوى ولمدة عشرات السنين بنار الاستبداد من الفرضيات غير الممكنة واقعيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد