قد يشعر العقل السطحي بالغرور، ولهذا فإن بعض السطحيين يقولون إن هذا دليل قوي وشديد، على قدرة العقل وشموله، ونبوغه، لكن الحقيقة الدقيقة هي أنها شهادة على عجزه ونقصه وقصوره.ولهذا فإنه قد سبق وتكلمنا في جزء كبير مِن هذا الموضوع، بالتفصيل الممل، وذلك في محورين أساسيين وهما الأول والثالث، أما المحور الثاني، والذي يواجه الإنسان السَّوِي، في أسس أمنه النفسي والروحي، ووجوده وتواجده، ويتمثل في فئة الفَارِّين طواعية مِن فصول الحياة، مع العلم أنهم لا يزالون على قيد الحياة.

نعم؛ الموقف بالنسبة لهم يختلف اختلافًا كبيرًا عن المتشائمين، لأن هذا النوع مِن البشر، تنكروا لحياتهم التي نعموا بها، مع سبق الإصرار والترصد، نتيجة للصدمات العفوية المتتالية، التي تولدت لديهم، عند إحساسهم بخيبة الأمل، ثم إيمانهم العميق، بإتساع الهوة بين المراحل والأحداث المتباينة، إذ لم يستطيعوا فهمها، وتقبلها وتجاوزها كذلك، ولهذا فإن أمرهم وللأمانة يقل خطرًا عن المتشائمين، فهو لا يعدو أن يكون مجرد فقدان ثقة في القدرة على النسيان والتجدد باستمرار، لا سيما إذا تمكنا من طرح ونقاش كل شيء، مع مراعات الحدود والأسس المكونات، حتى نستطيع البعد عن هاوية التخلف والهوان، والتموقع بجوار السعادة والنجاح، للنهوض بديار الحياة المتهاوية، المتداعية، المتهالكة، القابلة للسقوط في أي وقت وحين.

إذًا مسألة فقدان الثقة هذه يمكن معالجتها بتبصير هؤلاء الناس، الذين اهتزت أفكارهم، نتيجة ما أسلفنا ذكره، وكذلك استخفافهم بقدرة الإنسان العظيمة، على تجديد ذاته من تلقاء نفسه، وبناء الوجدان بناء متكامل، ولهذا فعلى المدرسة الجديدة، الاتزان والتريث عند تناول البنيان اللإنساني، وسلوك طرق العرض البَيِّن واللَّيِّن، إذ يجب أن تجد لنفسها خظًا واضحًا، تواجه به كل من سولت له نفسه النيل من الحق الأبدي للإنسان في العيش السعيد، حتى نستطيع أفرادًا عرض المشاكل الاجتماعية المستعصية، التي طَفَتْ على سطح حياتنا، نتيجة المتغيرات المتلاحقة، وبهذا سنتمكن من تقديم الذات البشرية والتعريف بها، دون عناءٍ كبير، ولو من خلال الأنظمة الفكرية السائدة، لأننا نتوفر على قاعدة فكرية صلبة وسلسة في نفس الوقت، قادرة على التأقلم مع جميع الظروف المناخية الداخلية المتحولة، والفاعلة في عقل الإنسان.

إن انتصار الإنسان على ذاته وعقله وعقيلته، يتحقق من خلال شجاعته، في تحديد مواقفه الصادقة، من قضايانا المعاصرة، مع الإلتزام الدائم بها، والتي فشل الإعلام في طرحها، والتوفيق بينها وبين ما هو مادي محض، وكذلك التخطيط والتَّرسيم الترسيخ لبنود القوانين الإنسانية العادلة، المؤطرة لتعاملات العباد الكوْنيَّة. نقول هذا لإيماننا الكبير بأن الإنسانية شعور متجدر في الإنسان السَوِي، لا ينتظر الإذن مِن أحد.

الآن؛ وإذا كان بعض المختصين قد عرضوا المشاكل، وحاولوا أن يجدوا لها حلولًا سعيدة، مبالغًا فيها، فإن النظرة كانت قاصرة، استحدثث من المشاكل الفرعية، أكثر مما عالجت. ولهذا فإذا استطعنا أن نُقَيِّم وجدانًا دائمًا بين السعادة الحقيقية والإنسان، وبين حياتنا السائدة، فإننا نكون قد حققنا للسعادة تواجدًا فعليًّا على أرض الواقع، وإذا تمكننا مِن التخلص من نظامنا الغدائي والاقتصادي الغريب، وغير المتوازن، وأن نقيم مكانه نظامًا معقولًا ومتوازنًا، وإذا نجحنا في تحديد مواقفنا بصراحة وشجاعة، من القضايا المصيرية، للبشرية جمعاء، بما في ذلك الإعلام ووسائله، وضرورة الترفيه وفلسفته وأبعاده، وإذا وصلنا إلى تصنيف الموانع التي تَحُدُّ بيننا وبين أنفسنا وأرواحنا، فإذا استطعنا تحديد هذا كله والتحكم في خيوطه، عندها يمكننا توثيق وترسيخ التواجد الفعلي لروح الإنسان. حتى يصبح في الإمكان إعادة الثقة في النفوس المُتَمردة عند شبابنا والأمل عند شيوخنا على حدٍّ سواء، والاستفادة من الإنسان وقدراته الفائقة في الإنتاج، في كل زمان ومكان.

إن أشد ما ينغص على حياة الفرد، ويجعله يصاب بالتأزم والإحباط، هو حينما يشعر أن هناك بُعدًا بَيْن ما هو كائن، وما يريد أن يكون، أو بين ما يريد، وبين ما يقدر عليه بالفعل. هذا البعد يولد لديه شعورًا كبيرًا بالنقص، مما يؤثر سلبًا في بناء ذاته، واستنزاف معنوياته، وتحطيم روحه، لذلك ستجده غالبًا ما يلجأ للأساليب الدفاعية العنيفة، حتى لا أقول الحيل الدفاعية الخبيثة غير المقبولة، كما تسميها للأسف الشديد بعض الكتب السطحية، لأن الحيلة عملية شعورية، لكن الآليات الدفاعية التي يقوم بها الفرد تحت الضغط النفسي الرهيب، غير ظاهرة للعيان، وغير ملموسة، ولا شعورية.

إن فكر الإنسان هو بمثابة دستور حقيقي غير مُعلن، لم يستطيع علماء النفس والاجتماع، حتى هذا اليوم، وضع أيديهم على كل أسراره وكنوزه، ولم تُقل بعد الكلمة الأخيرة في جميع مَرامِيه وأقواله وأخباره، ولم يتوقف عطاؤه، إلى أن تقوم الساعة، وإلاَّ ماذا سيقدم علماء القرن الثلاثين ومن يليهم لهذا العالم.

الواجب الآن إزاء هذه الكشوف العلمية الحاصلة في جميع المجالات، والتي تصطدم أو تتعارض مؤقتًا مع الرؤية المنطقية، للكثير من العقول والعقليات، التي يجب أن تتزود في المستقبل بالرؤية العلمية المتقدمة، وأن يُناظر العلم علمٌ مثله، وأن تَجُبَّ الحقيقة حقيقة مثلها، ولا ضيرَ ولا حرج في معاودة النظر في الكثير من النظريات، الأفكار والمُسلَّمات السابقة، على ضوء المجهر العلمي وفي حضور الفكر العصري.

بمعنى أنه إذ كانت هذه المعرفة حقيقية، فإنها ستبدو منسجمة ومتماسكة ومتماشية مع أصل التفكير الحالي، وغير معارضة له جملة وتفصيلًا. أما إذا اختلفت صراحة مع منشئها المنطقي والواقعي، فلا بد أن تكون غير صحيحة، أو تعاني من نقص شديد. وعَليه؛ وجب التنبيه والاعتراف بعِلَلِها وقصورها، وللمستقبل القريب، والبحوث العلمية القادمة، فرص ثمينة وعظيمة، في إبداء القول السديد، والرأي الصائب، والفصل في صحة كل هذه الأمور وسلامتها.

نقول هذا ونزيد عليه، وهو أنه لا يجب أخذ جميع أمور الحياة على محمل الجد، أو المبالغة الشديدة فيها، بل مِن السلامة البحث الدائم والمستمر عن الرقي والتوازن الدقيق، ولا يجب إعطاؤها الكثير والكثير من الأهمية، بل فقط يستلزم تقديم كل ما تستحق، دون حَيْفٍ ولا تَحَيُّز، لأننا فعلًا لم نعرف أي شخص خرج من هذه الدنيا الفانية، وهو على قيد الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد