يميل بعض الكتّاب للحديث عن تجاربهم في محاولة إقناع بعض الملحدين بالإيمان بالله تعالى، وذكر ما دار بينهم من حوارات حتى هدوهم للإسلام، وسرد الكثير من الشكوك بأمور الغيب التي تجعلهم يتبنّون الإلحاد منهجًا وطريقًا يسيرون عليه في حياتهم الدنيوية، فيذكرون التساؤلات التي طرحوها عن بدء الخلق والغاية منه، أو عن أدلة وجود الله تعالى وعن بعض أسمائه وصفاته كيف تكون؟ أو عن الروح والكثير من الغيبيات.

ويحاول كتّاب آخرون بكل ما أوتوا من براهين وأساليب في الإقناع أن يقاربوا ويوفقوا بين الدين الإسلامي وباقي الأديان، سواء أكانت سماوية أو وثنية، وتلقى كتبهم رواجًا كبيرًا في أوساط المسلمين فنراها في أيدي العديد ممن لا يملكون أساسًا راسخًا في العقيدة الصحيحة، كما هو حال الكثيرين اليوم، فهم لم يتعلموا في المدارس العربية سوى بعض الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، وبعض أحكام فقه العبادات، ولم يدرسوا من العقيدة حتى ولو أبسط معانيها وهو التوحيد بأنواعه الثلاثة: توحيد الألوهية، والربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، فيتقاذف بعض القراء هذه الأسئلة والحوارات يمنة ويسرة كما تتقاذف الأمواج الهائجة القارب الصغير في بحر عميق لجي، وتزعزع عقيدتهم وثقتهم بخالقهم ودينهم ويبدؤون بمناقشة هذه الأسئلة والشبهات التي يطرحها الكاتب مع أنفسهم أو مع أصدقائهم المقربين. وقد يتسرب الشك لقلوبهم فيصدقون الشبهات المطروحة، ولا تقنعهم ردود الكاتب عليها، وخصوصًا عندما لا يتبع الكاتب المنهج القرآني السليم في حوار المشركين الذي يقوم على استخدام الحوار العلمي والعقلي البين كما في ورد في مناظرة إبراهيم – عليه السلام- مع قومه حول عبادة الكواكب؛ إذ بين لهم بالحجة الواضحة والبرهان العقلي أن هذه الكواكب إنما هي مخلوقات تغيب وتظهر، ولا تصلح للعبادة من دون الله.

ثم إن الشكوك قد تتسع عند عدد من هؤلاء القراء وتؤدي بهم إلى تساؤلات جديدة مختلفة لم يتطرأ لها الكاتب وقد لا يجدون من يجيبهم الجواب الشافي الذي يزيل شكهم، ويشفي صدورهم، فيصل بهم الأمر إلى درجة الوسواس القهري المتعب للنفس، والمرهق للعقل، والذي يحتاج لمجاهدة بالغة للتخلص منه.

وقد يهوي قراء آخرون في متاهات المقاربة والتعايش بين الأديان، فيصدقون الادعاء القائل بأن بوذا مؤسس الديانة البوذية كان نبيًا يوحى إليه بسبب أفكاره النيرة كما يقولون، والأخلاق الفاضلة التي كان يدعو لها، أو يقبلون بالتشابه المزعوم بين موسى عليه السلام وسرجون الأكادي، أو بين نوح عليه السلام وديوكاليون الإغريقي، وذلك بسبب تشابه أحداث قصصهم وحياتهم.

وإن تعرضت المجموعة الأولى من القراء للوسوسة في العقيدة فإن عقيدة المجموعة الثانية تصبح فاسدة لقبولهم باحتمال نبوة مشاهير وأبطال الديانات الوثنية، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا:

ما الذي يجنيه هؤلاء من كتاباتهم؟ وما الذي يحققونه من فوائد للقراء؟

إن كان الهدف تقوية الإيمان بالله تعالى وزيادة اليقين، فالنتيجة عكسية مع بعض القراء، ولا يرضاها كاتب مخلص لله في عمله. وإن كانت الغاية تحدي الملحدين ومناظرتهم، فما أكثر المراكز والهيئات الدولية التي ترعى مثل هذه المناظرات، والتي تؤتي ثمارًا طيبة بهداية الكثيرين للتوحيد.

وإن كان القصد إرضاء المنادين بالتعايش بين الأديان بمفهومه الدارج اليوم، والذي يعني تمييع العقائد وتقديم التنازلات في مفاهيمها الأساسية من أجل تحقيق السلام بين الشعوب، فإن السير في هذا السبيل لن ينتج سوى الفساد في عقيدة المسلمين، ولن يحقق السلام العالمي المزعوم؛ لأن أصحاب الديانات يسعون بكل السبل لنشر دياناتهم، ولن يتورعوا عن خوض المعارك في سبيل ذلك.

وأما إن كان ما يهم هؤلاء الكتاب هو تحقيق المكاسب المادية (والتي هي حق لكل مؤلف بلا ريب) فليكن النشر والتوزيع فيما يخص كتب الحوار مع الملحدين قائمًا بالتعاون مع الجمعيات والمنظمات التي تهتم بتبليغ الدعوة الإسلامية لجميع دول العالم، مثل رابطة العالم الإسلامي، أو بعض المواقع التي تطبع الكتب بجميع لغات العالم تقريبًا، فهذه المنظمات والمواقع تقوم بدراسة هذه الكتب وتقييمها وتقديمها بالشكل الأمثل الذي ينفع الإسلام والمسلمين، ويعود بالخير على الكاتب، أما أن تعرض هذه الكتب في المكتبات العامة في أوساط المسلمين وتشتريها العامة فهذا سيضر القارئ والكاتب معًا، فالقارئ لن ينتفع به؛ بل ربما لحقه الضرر كما أسلفت، وأما الكاتب فسيطلع على كتبه عاجلًا أم آجلًا بعض ذوي العلم والخبرة في هذا المجال فينشرون ما فيه من أخطاء وملابسات في وسائل التواصل الاجتماعي، وقد يصل الأمر إلى وزارة الإعلام فتمنع بيع الكتاب في جميع المكتبات، وهذا سيؤدي للخسارة المادية والمعنوية للكاتب. ولذلك فمن الحكمة للكاتب أن ينشر مؤلفه في المكان المناسب لموضوعه.

وأما الكتب التي تدعو للتعايش بين الأديان بمفهومه الخاطئ شرعًا فلا بد من أن تخضع للرقابة من الهيئات الشرعية المختصة لحذف ما فيها من أخطاء، من أجل حماية القراء من التلوث الفكري المنتشر، ومن المفيد هنا للقارئ أن يستشير أهل الاختصاص قبل اختيار الكتاب.

وإني لأرجو من كل قارئ غيور على دينه أن ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي تحذيرات من أي مفهوم خاطئ يقرؤه بعد استشارة أهل العلم والاختصاص.

وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه من العلم النافع، والعمل الصالح. اللهم آمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد