لعل المتتبع للشأن الحزبي يدرك أن غالبية الأحزاب المغربية (بدون تعميم)، أصبحت روائحها تزكم الأنوف بشكل لا يتصور، سواء فيما يتعلق بانتخاب كتاب الشبيبات الحزبية أو الأمناء العامين للأحزاب، أو المسؤولين عن التنظيمات الحزبية الموازية من منظمات وجمعيات.

فبعد معركة الصحون الطاحنة داخل حزب الاستقلال، ومعركة الكراسي في مؤتمر الحركة الشعبية، والتطاحن داخل قيادة حزب التقدم والاشتراكية بين نبيل بنعبد الله ومعارضيه من داخل التنظيم، جاء الدور على حزب الأصالة والمعاصرة، إذ انفجر المؤتمر الذي يعقد في الجديدة بين تيار «المستقبل» الذي يتزعمه وهبي ورئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر سمير كودار وتيار «الشرعية» الذي يتشكل من حكيم بنشماس الأمين الحالي ومؤيديه. فقبل انعقاد المؤتمر كانت كل المؤشرات تدل على أن الحزب سينفجر بسبب التراشقات بين منتسبي «البام» في مواقع التواصل الاجتماعي، وكيل الاتهامات اللاذعة حد التخوين والعمالة لجهات مجهولة، وتقويض دعائم الحزب.

خرج عبد اللطيف وهبي، المرشح لأمانة الحزب واليساري السابق، في تصريحات مثيرة وغير مسبوقة، أججت الوضع بسبب كلامه حول أن الحزب سيقطع مع خطيئة النشأة ومنطق التعليمات والتخلي عن الهدف من تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، أي محاربة الإسلاميين، كما صرح بذلك منذ سنوات الأمين العام السابق إلياس العمري، وهبي صديق بنكيران الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، لا يجد حرجًا في التنسيق مع إخوان بنكيران، وهو ما يتناقض مع أهداف تأسيس الحزب كما يشير كثير من منتسبي «البام».

قدرت مصاريف مؤتمر «الأصالة والمعاصرة» بأكثر من مليار سنتيم، نصفه من المال العام، وأنتج في النهاية حربًا طاحنة حول دعوات الحضور والإقامات في المنتجعات السياحية، مثل منتجع «الحوزية» بالجديدة، وإقصاء الخصوم والمخالفين للرؤى وأصحاب التصورات المغايرة. ومن الأكيد أن الخاسر الأكبر هو المواطن البسيط الذي تنفق أمواله في أمور لا تعود بالنفع عليه.

ما يقع لكثير من الاحزاب ينبئ بمخاطر كثيرة على المجتمع المغربي في قادم الأيام، خصوصًا أن الانتخابات القادمة لم يتبق لها الكثير، فالصراعات والتطاحنات حول المكاسب والمصالح والمواقع يسيء كثيرًا للعملية الديمقراطية بالبلاد، ويزيد من عزوف الناس عن الفعل السياسي، فكيف لحزب لم يستطع تنظيم شؤونه الداخلية، وحل النزاعات بين منخرطيه أن يسير الشأن العام ويترافع عن القضايا اليومية للمواطن المقهور؟

عدد الأحزاب في المغرب يفوق 30 حزبًا، الغالبية منها لا تظهر إلا في فترة الانتخابات مرة كل خمس سنوات، ثم تختفي بعد ذلك تاركة المواطن المسكين يواجه مشكلاته اليومية مع غلاء المعيشة اليومي، وتسلط الإدارات.

تلتهم الدعم العمومي من جيوب دافعي الضرائب التهامًا، ثم تخرج لنا كائنات سياسية مشوهة لا يهمها سوى براجماتيتها المقيتة، أو الاستفادة من الريع، مثل السفريات، والفنادق المصنفة، والبروتوكولات الفارغة.

ومن الأكيد أن الدولة هي المستفيد الأكبر من هذا التشرذم والاقتتال الحزبي، ومؤكد أنها تتحمل جزءًا من المسؤولية عبر تدجين الأحزاب وخلق أحزاب موالية، أحزاب الهواتف و«التليكموند»، أحزاب القبول لا أحزاب الرفض، أحزاب السلطة لا أحزاب الشعب. ولطالما لم تعِ الأحزاب اللحظة المفصلية التي يمر بها المغرب فالأكيد أننا نتجه للهاوية.

تحتاج البلاد لنخب حقيقية تمتلك الغيرة على مصلحة الوطن والمواطن، ويهمها الدفاع عن مصالح الكادحين أمام الشركات المتوحشة التي تنهش جيوبه اليومية في كل القطاعات. تحتاج البلاد لضمائر حية تراقب نفسها قبل أن يراقبها ويحاسبها المجتمع. تحتاج لسياسيين وطنيين من قامة اليوسفي وبوعبيد وبن سعيد أيت إيدر، لا إلى ذئاب بشرية تأتي على الأخضر واليابس حفاظًا على مصالحها الضيقة.

السياسة مليئة بالاشرار، السياسة شر لا بد منها سواء مارسناها أم لم نمارسها، لأننا نجد أنفسنا نتبنى مقولة نعوم تشومسكي: «لن نستطيع التخلص من الأوغاد عن طريق الانتخابات لأننا لم ننتخبهم أصلًا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد