لا تَعْجَب كُلَّ العجَب أيُّها القارئ بِأنَّ هذه المَقالَة صُدِّرَت بآيَةٍ كَرِيمَةٍ مِن سورَةِ التحَريم، وهي خطابُ الله تعالى للكافرين يومَ القيامةَ بأنَّهُ لن تنفعَكم معذِرَتُكم اليوم بسبب أفعالكم في الدُنيا، وما آلَت إليه في أُخْرَاكُم.

وهذه شبيهةٌ بقولِه – تعالى – كما قال العُلَماء رحمهم الله عزَّ وجلَّ:

 فَيَوْمَئِذٍ لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ

 واحتشَد الأعداء، وانتفض الأقرباء، واجتمع الأصدقاء؛ لينالوا مِن أمة كرَّمها رب الأرض والسماء، خير أمة أُخرجت للناس، أمة الإسلام، اجتمعوا على الأمة، شعارُهم المعلَن صراحة: دمّروا الإسلام أبيدوا أهله!

وَلقد تكالبَ على أُمَّة الإسلام أعداؤُها؛ بدءًا من اليهود الصهاينة، والصفويين، والأمريكان، والغرب، والروس. حيث تُمارَس أعمال القتل لأبناء أُمَّتِنا الَّذينَ هُم رَمزُ حَضَارَتِنا، في فلسطين والعراق وسوريا ولبنان واليمن، وكثير مِن بقاع الأرض، متى وجد المسلمون تجد القتْل بكلِّ أسلحة القتْل والفتْك، رحى الحرب دارت على المسلمين حين تكالب الأعداء عليها، ووصلت أحوال الأمة إلى أسوأ حال؛ حيث القدس الشريف والأقصى المبارك يئنّان تحت وطأة اليهود الصهاينة الغاصبين!

وإنَّ معظم الدول العربية والإسلامية تتعرَّض لأبشع صور تغيير الهوية، بعد أن عانت فيها شعوب هذه الدول أعمال التعذيب والقتل والتهجير من الديار؛ لتعيش ألمَ الغربة في أوطانها، ناهيكم عن عمليات التهجير القسري كما يَجري للشعب السوري العزيز!

مجتمعات غيَّبت الحقيقة، وضيَّعت الحقَّ، ودفنَت العدل، فمكَّنت الأعداء منها، يَعتزون بالإثم كبرًا وأطرًا وأشرًا، ويتعصَّبون للظلم حميةً ونكاية وعنادًا، وإذا رُوجعوا صبُّوا جام غضبهم على المراجع، وإذا عُوتبوا لم يَقبلوا من أي معاتِب، وإذا قيل لهم: اتقوا الله، أخذتهم العزة بالإثم، وغمَرَهم النِّفاق وضرَبَهم الشِّقاق، فتربع الأعداء على جسدها كما يتربَّع الأكلة على قصعتها!

عَن ثوبَانَ مولى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه قالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ. فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ.

المسلمون قديمًا كانوا يتمسَّكون بالدِّين، ويعتزُّون بالحق، وهذه العزَّة جعلتِ القلَّة تنتصِر على الكثرة، والأميين يغلبون المتحضِّرين، ورعاة الغنم ينتصرون على طغاة البشر؛ بيقينهم في قلوبهم، ومصاحفهم في أيديهم، وسيوفهم على أكتافهم، ومساكنهم على ظهور خيولهم، يقولون لملوك الفرس وصناديد الروم: نحن قوم ابتعثنا الله لنُخرجَكم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، كل ذلك عندما توحَّدوا على الحق هزموا أعداءهم، ونصروا دينهم.

تأبى الرماح إذا اجتمعْنَ تكسُّرًا * * * وإذا افترقْنَ تكسَّرتْ آحادًا

نعم؛ هذه الانتكاسة التي نعيشها اليوم اجتماعيًّا واقتصاديًّا وأخلاقيًّا هي مِن انتِشار الظلم والفرح بالذنب، والعزَّة بالإثم، وهي حال كثيرين اليوم في الحكومات والفضائيات والمؤسسات، يَعتزون بالإثم، ويفتخرون بالكذب، ويتنادون بالظلم، ويَفرحون للإثم والذنب إلا من رحم ربي وعصم.

لكنَّ العبد إذا هانت عليه الدنيا ولم يبالِ بالموت؛ هان عليه جبابرة الأرض وملوك الناس وبأس الطغاة وقوى الأرض جميعًا، إنه لا يقف ليسأل ماذا سيأخذ وماذا سيدع؟ ماذا سيَقبِض وماذا سيدفَع؟ ماذا سيَخسر وماذا سيَكسب؟ إنه يعتزُّ بدينه، بإسلامه، بأخلاقه، بالحق الذي آمن به، أما الكافر المنافق فيَعتزُّ بالإثم، ويفرَح بظلم الناس وقهرهم وقمعهم، مثل قارون عليه لعنة الله:

 إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ

أما أهل الحقِّ فهم صابرون مُرابطون، وبالأمل والإيمان يتسلَّحون، أمامهم الأفق مُشرِق وضَّاء هناك في جنة الخلدِ، لذلك ينظر كل منهم إلى الذهب كما ينظر إلى الحجر، ويَنظر إلى السيف، كما يَنظر إلى العصا، أو هو أدنى، لا يعتزُّون بالفراعنة ولا بأمريكا ولا بغيرها، إنما يَعتزُّون فقط بربهم وبنبيهم، يفرحون بدينهم وبالمؤمنين.

 وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ

اللهمَّ انصر الإسلام وأهله واخذل الكفْرَ وحزبَه، اللهمَّ هيِّئ للأمة أمر رشْد يُعزُّ فيه أهل طاعتك ويذلُّ فيه أهل معصيتِك

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد