في التاسع من أبريل (نيسان) 2003، أعلن العراق رسميًا تحت سلطة الاحتلال الأمريكي، دخلت الدبابات الأمريكية عاصمة هارون الرشيد بعد أن واصل الغزو الأمريكي البريطاني احتلال المناطق العراقية في الجنوب والشمال والشرق والغرب وباحتلال العاصمة بغداد تعلن واشنطن ومن حالفها احتلالها كل الأراضي العراقية، وتعلن معه واقعًا جديدًا للعراق، حيث قدمت المعارضين السابقين لنظام الرئيس الراحل فيما بعد صدام حسين كواجهة وقادة للعملية السياسية الجديدة.

في هذا اليوم أيضًا عرفت ساحة الفردوس بالعاصمة العراقية بغداد حدثًا اختزل المشهد فيما بعد، حدثٌ أبهج جورج بوش أولًا والعملاء ثانيًا، والحلفاء ثالثًا، وأبكاني وأبكى من تذكر تلك الحادثة من العُرب إلى يوم الدين.

نصب تمثال للرئيس العراقي صدام حسين بقلب ساحة الفردوس ببغداد بمناسبة ذكرى ميلاد القائد العراقي الخامسة والستين، بطول بلغ حوالي 12 مترًا، رمزية ساحة الفردوس التي تقع بجانب فندقي الشيراطون وفندق فلسطين، والنصب المخلد للزعيم صدام حسين جعلها تأخذ حيّزا هامًا من يوم السقوط، يوم التاسع من أبريل (نيسان) عام 2003.

ما إن ولجت الدبابات الأمريكية العاصمة العراقية بغداد، حتى ولجت مئات الأقدام من العراقيين الغاضبين من نظام صدام حسين والمهللين للغزو الأمريكي ساحة الفردوس، والهدف كان تمثال صدام حسين، الذي كان في ذلك الوقت يطوف بجمع غفير من العراقيين أطراف العاصمة بغداد، وليس بعيدًا عن نصب تمثاله، ولا بأبعد من مدار طواف الدبابات الأمريكية.

وصلت الجموع العراقية إلى تمثال صدام، منهم من يحمل فأسًا، ومنهم من يحمل مطرقة كبيرة، ومنهم من حمل حجرًا، ومنهم من هتف بأعلى صوته، وذلك أضعف الإيمان سبّا وشتمًا للرئيس الراحل، والهدف واحد هو إزالة تمثال صدام حسين، تناقل عشرات العراقيين لحظتها الفأس من يدٍ ليدٍ لقطع التمثال من أساسه، في وقت لو تناقل هؤلاء الفأس في مواجهة الاحتلال، لحرروه، وبنوه ولحوّلوا العراق إلى جنة من جنّان الخلد، رأى العراقيون أنهم في محاولاتهم لقطع التمثال من الأساس عملية صعبة وشاقة، فاستعانوا بحبلٍ طويلٍ لفه على رأس تمثال صدام، يشبه الحبل الذي لفّ على الرأس الحقيقي لصدام حسين يوم غرّر به لغزو الكويت، حاول مناهضو صدام حسين مع الحبل الذي لفوه على رأس التمثال ففشلوا في إسقاطه، كانت في تلك الأوقات القوات الأمريكية بدباباتها ومدرعتها تطوف حول المكان كطواف حجاج لله الحرام على الكعبة، مبتهجين و فرحين وشارين الله على هذا اليوم، كان جورج بوش الابن من ورائهم مبتهجًا للصور التي تناقلتها الوكالات العالمية، والتي كان عنوانها للحظة: العراقيون يبتهجون بإسقاط تمثال صدام حسين.

مرّت الساعات على محاولة العراقيين إسقاط التمثال، وزاد ملل الجنود الأمريكيين من الانتظار، وأدرك العملاء العراقيون أنهم لن يستطيعوا فعل شيء دون المساعدة الأمريكيةـ، حتى ولو كان هذا الشيء هو إسقاط تمثال بسيط، أجاب الأمريكيون دون تردد، واقتحمت الدبابة الأمريكية ساحة الفردوس نحو التمثال، فشلت هي الأخرى في إسقاطه، فاستعانت برافعة عراقية، كانت تحوم في الأجواء، صعد الجنود الأمريكيون إلى رأس التمثال وغطوه بالعلم الأمريكي، في مشهد لخّص سنينا طويلة بعد هذا اليوم، مشهد الجندي والعلم الأمريكي يغطي وجه التمثال استغرق مدة دقيقة ونصف قبل أن يبرق اتصال عاجلٌ من واشنطن إلى بغداد، مفاده أنزلوا العلم، فمن خارج الساحة ليس كمن يصفق ويهلّل في وسطها.

تمكنت الرافعة من إسقاط تمثال صدام حسين، وتمكنت أمريكيا من إسقاط نظامه فيما بعد، لكنّ المقاومة العراقية ومن ورائها النخوة العربية الشعبية لم تسقط، أقامت الدول العربية صديقة حليفة، أم عدوة متآمرة على نظام صدام حسين بيوت عزاء استمرت إلى اليوم، فما بعد سقوط تمثال صدام حسين سقطت تماثيل كنّا نودّ إسقاطها بأيدينا لا برافعات، ولا بدبابات الآخرين، صنم المقاومة ومحاوره يقصف الأطفال بالكيماوي، ويقتل شعبه أشدّ القتل في سوريا، صنم عمالة ينقلب على الشرعية ويعلن يهوديته أكثر من اليهود أنفسهم في مصر، وصنم بلغ من الكبر عتيّا وأذاق شعبه عذبًا زمهريرًا في الجزائر وتونس والإمارت، والأصنام البقية من الخليج إلى المحيط تذلّ فينا دون إرهاص، فيا إبراهيم ناولني فأسك فالأصنام التي عندنا أولى بالتحطيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد