صفقة القرن والفوضى الخلاقة

مائة عام بعد مرور «سايكس – بيكو» والعالم نحو تغير مستمر وحالة من الفوضى في البيئة السياسية، ليعيد للعالم حاله من عدم الاستقرار السياسي والبيئي والدولي في ظل عالم يغلب عليه طابع العولمة السياسية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

منذ عام 2017 ظهرت شخصية جديدة للولايات المتحدة بقيادة ترامب، حولت العالم إلى حالة من الغليان، سواء على الصعيد الداخلي أم الصعيد الخارجي، بدءًا بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، ثم طرح صفقة القرن، التي لا أرى فيها إلا «سايكس – بيكو» جديد لتقسيم العالم إلى دويلات صغيرة، وخصوصًا تصفية قضية فلسطين، وخلق حالة من عدم الاستقرار السياسي في العالم العربي، وهذا ما يعني حالة من التقارب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من أجل تمرير الصفقة والتي سميت بـ«خطة ترامب من أجل السلام»، والتي تهدف حسب الرؤى الأمريكية إلى حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني؛ إذ ضمنت هذه الصفقة ما يقارب 180 صفحة، وتم تسريب جزء منها لدى بعض الأطراف، وتم الحديث عنها في ورشه البحرين في مؤتمر بعنوان «مؤتمر البحرين للسلام الاقتصادي»، وافتتحها صهر ترامب ومستشار البيت الأبيض، جاريد كوشنر، والهدف منها حل الصراع مع الجانب الفلسطيني والإسرائيلي وإنعاش الاقتصاد الفلسطيني، وتم الإعلان عنها رسميًا في شهر يناير (كانون الثاني) 2020، وكان من مخرجات هذا الإعلان اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، والإفصاح عن خطة السلام التي شملت 80 صفحة حسب تصور ترامب، وإيقاف المنح الأجنبية وفرض الاعتماد على الذات لدى الجانب الفلسطيني، ونزع المقاومة الفلسطينية وغيرها.

لذلك أرى أن صفقة القرن والحديث عنها في الفترات الأخيرة هي بمثابة هدية من الإدارة الأمريكية لنتنياهو للفوز في الانتخابات وتطبيق سياسة الأمر الواقع وهي نقطة قوة تستخدمها إسرائيل في اتباع سياسة الأمر الواقع وتوسيع البناء الاستيطاني، في ظل دعم الإدارة الأمريكية، وصمت الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، عن الرؤى الإسرائيلية التوسعية في المنطقة في ظل الانتخابات الإسرائيلية الحالية.

تسعى إسرائيل إلى تصفية قضية فلسطين وتقزيمها، وقد استهدفت ركائز القضية الفلسطينية المتمثلة في القدس والأرض وحق العودة، فها هي الولايات المتحدة الأمريكية تسعى كل فترة وجيزة إلى رسم وصياغة مفهوم جديد، منذ الفوضى الخلاقة التي حدثت في الربيع العربي التي ركبت موجتها وغيرت مسارها بإشعال المنطقة العربية بحالة من الفوضى وعدم الاستقرار السياسي من أجل تحقيق مصالحها في المنطقة بينما تدعي الأمن والسلام، ولا يخفى عنّا تسترها بحجة الإرهاب لاحتلال العراق عام 2003 ونهب خيراته، وما خفي أعظم، وها هي اليوم تسوق لصفقة القرن لتغير خارطة العالم العربي وفرض «سايكس – بيكو» جديد.

تتجاوز الولايات المتحدة الأمريكية القوانين الدولية والخطوط الحمراء لتحقيق مصالح إسرائيل في المنطقة على حساب القضية الفلسطينية، فهي بتدخلها في شؤون الدول تتعدى مبدأ عدم التدخل في الشؤون الدولية لدول لترمي بالقوانين عرض الحائط، لتعيد العالم إلى الفوضى.

لذلك فهي تسعى في ظل نظام يتسم بالأحادية القطبية، إلى تغيير خارطة العالم سياسيًا وفكريًا وثقافيًا من خلال العولمة التي روجت لها، أو من خلال البنك الدولي والشركات متعددة الجنسيات، من أجل الهيمنة على العالم سياسيًا وعسكريًا وفكريًا واقتصاديًا، ومنع أي قوى أخرى من التقدم والمنافسة، في ظل نظام يتسم بالفوضى وسيادة شريعة الغاب.

لذلك وجب علينا نحن الفلسطينيين إعادة ترتيب البيت الداخلي، لتكون إستراتيجيتنا في مواجهة وتحدي صفقة القرن، وتعزيز مسار المقاومة بدءًا من المقاومة الشعبية السلمية وانتهاءً بالمقاومة العسكرية، وتوحيد الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد