مع خروج الرئيس الأمريكي ترامب ورفيقه الصهيوني نتنياهو في حفل أقيم في البيت الأبيض للإعلان عن ما يسمى بصفقة القرن، والتي يفترض بها أن تنهي الصراع الفلسطيني الصهيوني، صاحبها ردود أفعال على المستويين الشعبي والرسمي العربي والإسلامي، والتي غلب على الرسمي فيها الاعتراف بالدور الأمريكي العظيم في تحقيق السلام والعدالة في الشرق الأوسط، بشكل فج يثير غثيان أي عربي يملك من الشرف والكرامة النزر القليل فقط، وما غلب على الشعبي منها بضع مظاهرات هنا وهناك وحملة شعواء لتغيير صور الملفات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي تثير في أي إنسان الشعور بالشفقة والحسرة على الذات.

ولأنّي لست هنا بصدد مهاجمة الموقف العربي الإسلامي الرسمي البائس من القضية الفلسطينية أو انتقاد الموقف الشعبي الضعيف في ردة الفعل، والذي لا يلام عليها بصراحة بالنظر للأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الأصعب في التاريخ الحديث التي تمر بها الشعوب العربية.

فإنني هنا – ومع اتفاقي مع الجميع على أن العرب لن تكون لهم ردة فعل تجابه صفقة القرن المزعومة – أرى أن الحل والخطة الأولى للإخوة في فلسطين العربية المسلمة هو العودة بالصراع للمربع الأول، أي العودة إلى ما قبل أوسلو، النقطة التي كانت نقطة التحول الحقيقي والوحيدة في مسيرة هذا الصراع، إذ إنه ومنذ احتلال فلسطين وقيام كانتون الصهاينة في فلسطين التاريخية إلى اليوم كانت أوسلو أعظم انتصارات الصهاينة على العرب إلى جانب كامب ديفيد ووادي عربة.

في تلك الفترة أي قبل توقيع أوسلو كان الصهاينة في حالة حرب حقيقية ضد الشعب الفلسطيني والعربي، حرب كانت مربكة بالشكل الكافي للمشروع الصهيوني في المنطقة، وتم إنهاء هذه الحرب بتوقيع أوسلو وتحويل الصراع العسكري إلى صراع سياسي دبلوماسي لا أكثر، صراع يمكن السيطرة عليه وخاصة إذا كان من سيجلس في الجهة المقابلة لك على طاولة المفاوضات هي جهة مستعدة للخيانة والعمالة وبيع القضية شيئًا فشيًا، وتمييعها وتحويل الشعب الفلسطيني بوطنه كاملًا إلى لقمة سائغة بين فكي التمساح الصهيوني الذي لا يمكننا، إلا أن نراقبه بصمت وهو يرتب الأمور لمصلحته على حساب الجميع.

إن أكثر ما يزعج أبا مازن اليوم وفريقه ليس إعلان صفقة القرن بحد ذاتها أو تجاهلهم وكأنهم ليسوا طرفًا فيها أو تخلي الجميع عنهم، بل تكمن مشكلتهم التي يعانون منها في أنهم من يفترض بهم تمثيل الشعب الفلسطيني، وهم من يفترض بهم أن يدافعوا عن حقوق الشعب الفلسطيني ووجوده وأرضه، وأنهم في حال أرادوا بالفعل أن يخرجو من هذا المأزق الذي وضعهم نتنياهو فيه، فالحل الأمثل هو حلّ السلطة الفلسطينية تمامًا وسحب فتيل صفقة القرن.

وبالتالي، سيكون على نتنياهو أن ينظر وعصابته في طريقة لفرض هذه الصفقة على الشعب الفلسطيني فردًا فردًا، وعندها ستنفلت الأمور على كافة المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية، على الأقل في الضفة، مما سيربك حسابات كوشنر وخطط نتنياهو، مما سيعود في حال اشتعال انتفاضة جديدة بالصهاينة للمربع الأول، خاصة مع انهيار أوسلو وكل ما ترتب عليها، وعندها ستكون حركة تكتيكية في المقام الأول لا يمكننا أن ننكر أنها قد تتسبب بالكثير من الخسائر وعلى أكثر من مستوى للفلسطينيين، ولكنها ستسبب خسائر للصهاينة تفوق ذلك بمراحل.

طبعًا هذا الطرح هو طرح لا يمكن لأبو مازن وفريقه في فتح تفعيله في وجه نتنياهو، فهو وكما قال الشيخ أحمد ياسين رحمه الله، في لقاء مع قناة الجزيرة عام 1999، عندما سئل عن الشخصية التي سوف تخلف ياسر عرفات في قيادة السلطة الفلسطينية فقام بترشيحه إلى جانب أحمد قريع والرجوب ودحلان، ولكن وكما قال الشيخ فإن خليفة ياسر عرفات الأقرب للقيادة هو الأكثر ليونة وطواعية في يد أمريكا، محمود عباس هو الشخصية الرئيسة في قيادة المفاوضات والترتيب لها على حساب المقاومة العسكرية التي لا تريدها إسرائيل تحت أي ظرف.

وبغض النظر عن تنبؤ الشيخ أحمد ياسين الذي استند على الكثير من الوقائع والبديهيات فإن محمود عباس بشكل أو بآخر قد مهد لصفقة القرن، وهو الشخصية الأكثر علمًا بها وبتفاصيلها، ربما حتى قبل كوشنر وترامب نفسه، ورغم ذلك فالمتابع للقضية الفلسطينية يعلم تمام العلم أن محمود عباس ما هو إلا موظف أجير لدى حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، ينفذ تعليماتها وإملائاتها كيف أرادت وهو رجل التنسيق الأمني الذي لطالما طعن المقاومة في ظهرها وحاربها.

وهنا فإن الكرة هذه المرة في ملعب الشعب الفلسطيني حصرًا فردًا فردًا، وعلى المستوى الشخصي تمامًا، وبدون أي انتماء لأي فصيل أو تنظيم، فيما لو أرادوا إسقاط صفقة القرن فقد بات معلومًا الآن لهم أنهم وحدهم في الميدان، وعليه فإذا لم يحل عباس السلطة ويلقي بكافة المهام التي أوكلها له الصهاينة في وجه الصهاينة فعلى الشعب الفلسطيني بنفسه أن يسقط سلطة أوسلو، ويتوجه من جديد إلى إشعال كامل التراب الفلسطيني بكل طرق المقاومة ابتداءً بالحجارة وانتهاءً بصواريخ القسام، هذا الأمر الذي إن كان لن يحرر من فلسطين شبرًا فإنه سيقتل ما عمره 27 عامًا من بناء للمؤامرة ضد الشعب الفلسطيني لتحقيق حلمه في الحرية والتحرير، وسيعيد مسيرة بناء دولة الصهاينة 72 عامًا، حيث لا مجال للمفاوضات الفارغة واتفاقيات الإذعان التي لم يقبلها فلسطيني منذ فجر المقاومة الأول، ولكن فرضت عليه رغم عنه.

هذا الطرح ليس بالطرح الخيالي غير القابل للتطبيق على الأرض، ففي النهاية لا بد من الرد على هذه المؤامرة بأي شكل يبطئ تنفيذها على أدنى تقدير، لأنه وبالنهاية لابد للشعب أن يقول كلمته التي أمسكتها عليه الأنظمة العميلة في كل دول المنطقة، وما صفقة القرن هذه إلا الشعرة التي ستقسم ظهر البعير بعد أن عرّت كل الأنظمة العربية تمامًا، وحولتها إلى عورة تؤذي كل من يقع بصره عليها، وإلا فإن الحسرات ستتوالى والخسائر ستزداد والتنازلات لن يكون بالإمكان أن يتم التراجع عنها أبدًا.

وهنا فإن على الوعي الجمعي الفلسطيني أن يتفق ويؤكد على فكرة سقوط مسار أوسلو وعلى من يحاولون يومًا تلو الآخر الادعاء بأنهم يمثلون الشعب الفلسطيني أن يرموا بأوسلو في سلة المهملات، بعد أن قام الصهاينة باستخدامها كأوراق الحمام بعد التوقيع المذل عليها من قبل السلطة الفلسطينية فالكل اليوم بات يعلم حقيقتها.

إسقاط أوسلو وحل السلطة الفلسطينية وإشعال كامل التراب الفلسطيني والعودة للسلاح بالإتفاق الضمني مع الفصائل الإسلامية في غزة والعودة إلى المربع الأول في مسار الصراع الفلسطيني الصهيوني، ذلك هو الرد الوحيد المقنع على الصفقة اللعينة والذي سيجعل ترامب وكل اليمين المتطرف الذي يريد تطبيق نظام الفصل العنصري بإرادة وموافقة الفلسطينيين قبل إرغامهم عليه يجعلهم يعيدون حساباتهم ويهدمون بأيديهم كل أركان المؤامرة التي يرسمونها ضد شعبنا البطل في فلسطين العربية المسلمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد