حرب تكسير عظام، وإحتلال عقول، بين إعلام الإخوان، ممثلًا في قنوات فضائية وصفحات إلكترونية تدار من تركيا وقطر، وبين قنوات النظام، ولجانه المدارة من قبل أجهزة الدولة العميقة، امتد ذلك الصراع الدامي طوال السنوات الماضية مخلفًا وراءه آثارًا اجتماعية وسياسية واقتصادية مدمرة طالت الأخضر واليابس، بل إن ذلك خلق استقطابًا حادًا وتباغضًا بلا حدود تسرب رويدًا ليتشربه المواطن البسيط غير المؤدلج.

فأصبح الوضع الأخلاقي في مصر في أسوأ أحواله، وأدني مراتبه، وأحط دركاته، فإعلام الإخوان لا يرى في مصر إلا سجنًا كبيرًا، ومحاكم تفتيش، ومجاعات على الأبواب، وحربًا على الإسلام، واغتصابًا للحرائر، وامتهانًا للعجائز. وأي معترض على ذلك التوصيف إما خائن عميل، أو جاهل سفيه. فالمعركة بالنسبة لهم يمكن اختصارها في تصنيفك إما «سيساوي» فتتحول إلى ما يشبه شياطين الإنس بما يتبع ذلك من وسمك بالنقائص وقذفك بوابل من البذاءات التى تنهال عليك من كل حدب وصوب عبر أنامل مجاهدي «فيسبوك» ومناضلي القنوات الفضائية، وإما مناصر للشرعية (الإخوان) فتتساقط عنك كل العيوب كشجرة تنفض أوراقها البالية في الخريف، وتمحى من تاريخك كافة المآثم وتختفي كل مثالبك مهما كانت.

وعلى الجانب المقابل فإن إعلام النظام يحدثنا عن إنجازات ضخمة وعبور ثان ورخاء اقتصادي وقفزة ضخمة يحسدنا عليها الجميع، وريادة مصرية، وفرض نفوذ على كل دول المنطقة، بل العالم بأسره، وكأن ذلك الإعلام يتحدث عن عالم مواز لا يحيا فيه سواهم، وطبعًا كل من يعترض يطرد، كل من ينتقد سياسةً ما أو نهجًا اقتصاديًا تتبعه الحكومة يتحول إلى طابور خامس مناهض لثورة 30 يونيو (حزيران) وعليه أن يتحمل تبعات ذلك.

وفي سبيل إثبات كل طرف وجة نظره – أو بالأحرى وجة نظر مموليه – استباح الإعلاميون كل الخطوط الحمراء، وكان آخرها الموت، تلك الحقيقة الكونية التي لها قدسية ألجمت ألسن أشد وأجلدهم الرجال عبر التاريخ، ففور إعلان وفاة د. مرسي تبارى الفريقان لاستغلال الحدث لتحقيق مآربهم السياسية الوضيعة، هل حقًا وصلنا لتلك المرحلة من المهانة وانعدام المبادىء والأخلاق؟

هؤلاء يرون في موته كربلائية لابد أن تُسخر لدفع الشباب لصدام دموي مع النظام المصري القائم وهدم المعبد على من فيه مهما كانت العواقب والتداعيات، فوفق بيان داخلي منسوب لقيادة الإخوان وموجه إلى كوادرهم قالت الجماعة التالي:

رحم الله الدكتور محمد مرسي وغفر له، وانتقم من فراعنة مصر وطغاتهم.. وإنا لله وإنا إليه راجعون

مقتل قادة العمل الإسلامي في السجون يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الطغاة لا يصلح معهم سوى الجهاد، وأن السلمية لا تزيد المجرمين إلا إجرامًا؛ فلن تردعهم العبارات المنمقة ولا الكلمات الرنانة.. إنما الحديد هو الذي يفل الحديد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

استغلال سياسي مهين لوفاة د.مرسي في محاولة لدفع الشباب للصدام المسلح مع النظام، وما زال قادة الإخوان يصرون على اجترار بحور من الدماء إلى أرض الوطن مهما كانت الخسائر والآلام، ونظرة سريعة لقنواتهم وصفحاتهم الإلكترونية تبصرك بجلاء ما وصل إليه القوم من سوء الصنيع وسفاهة الرأي.

أما على الجانب الآخر – إعلام النظام – فتجد تشفيا جليًا في وفاة د. مرسي مع وصفه بالجاسوس والخاين والعميل والإرهابي وغيرها من النعوت التي ما كان ليسمح بها ضمير حي يعرف أن للموت هيبةً، وأنه لا شماتة في الموت، ضمير يعرف أن د. مرسي – مهما أحسن أو أساء – ما زال مسلمًا نحزن لوفاته، ونسأل له الرحمة والمغفرة جنات الفرودس ولأهله الصبر والسلوان، فلقد أفضى الرجل إلى ما قدم، وانقطع عنه قضاة الدنيا ليقف أمام الديان في محاكمة عادلة لا مراء حولها ولا خلاف.

أرجو من كل هؤلاء الإعلاميين المرتزقة أن يتحلوا بقليل من الأخلاق، وأن يترفعوا قليلًا عما أدمنوه من سافل الأخلاق لكي نحفظ تلك القيم والمبادئ التي تحفظ لنا الحد الأدني من آدميتنا وإنسانيتنا، وإلى الله المشتكى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد