حينما كرم الله تعالى الإنسان على سائر المخلوقات المتواجدة على ظهر الأرض، لم يكرمه لأنه خُلقَ في أحسن تقويم فحسب، أو لأنه يملك أجهزة عصبية، وعضلية، وعظمية فريدة من نوعها!

ولا لأنه المخلوق الناطق الوحيد بين المخلوقات – كما يردد الجاهلون، والحمقى، والمغفلون، ويقولون: إنه الحيوان الناطق – متغافلين أنه إنسان مكرم، خُلق ابتداءً، إنسانًا كريمًا، متميزًا، عن سائر المخلوقات، وخُلق ابتداءً من طين لازب، ومن صلصال كالفخار، لما أخبرنا الخبير البصير: «خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ كَٱلۡفَخَّارِ» (1).

وإطلاق اسم حيوان ناطق عليه، هو تحقير له، وحط من قيمة الإنسان، وجعله وضيعًا، مهينًا، وتافهًا، وفيه معارضة، ومصادمة لكلام الله تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ» (2).

وليس الإنسان مكرمًا أيضًا، لأنه يمتلك عقلًا مفكرًا، وذكاءًا خارقًا، استطاع بواسطتهما، أن يبتكر، ويخترع أشياء مذهلة على ممر العصور!

إن كل الصفات التي ذُكرناها آنفًا.. هي مظاهر، وعناصر مهمة، وأساسية، في تفضيل هذا الكائن البشري، على بقية الكائنات الأخرى.

ولكن ثمة عنصرًا جوهريًا، وأساسيًا، ومهمًا جدًا في تفضيل الإنسان، وتكريمه، يغفل عنه أكثر الناس، ألا وهو: خاصية الإيمان بفكرة ما، أو عقيدة ما، أو دين ما، أيًا كان المصدر، الذي أوحى إليه بهذه الفكرة، أو العقيدة، أو الدين، وتعلقه بها، وتفاعله مع تعليماتها، وإرشاداتها، ومبادئها، ونصائحها، والسعي الحثيث، والتفاني، والحرص الشديد، على تطبيقها في حياته العملية الخاصة والعامة، وبذل كل جهوده لنشرها بين الناس، ودعوتهم بكل الطرق المتاحة لاعتناقها، والإيمان بها، والدفاع عنها بماله، وروحه، وجسده، والتضحية بكل ما يملك للذود عنها!

المعيار الذي يميز الإنسان

إن الإيمان بعقيدة، هو المعيار الحقيقي، الذي يميز الإنسان عن بقية المخلوقات، وتزداد قيمة الإنسان سموًا، وعلوًا، كلما ارتقى في عقيدته نحو السماء، واستمدها من رب السماء والأرض عن طريق الأنبياء، والرسل الهادين المهديين.. بينما تهبط قيمته، كلما كانت عقيدته مستمدة من العبيد، أو من الأساطير، والخرافات!

وتصبح قيمته في الحضيض، حينما لا يؤمن بأية عقيدة ألبتة، ويصبح جل اهتماماته، مركزًا على اللهو، واللعب، والمتاع الزائل، الرخيص، واللهاث وراء الملذات الحسية، والشهوات الجسدية!

لا قيمة للإنسان بدون عقيدة

إن الشخص الذي لا يؤمن بعقيدة، ولا يسير في حياته، حسب منهجها، ولا يكرس حياته، لخدمتها، والكفاح، والنضال، والجهاد، لتحقيقها في عالم الواقع.. يخسر شرف لقب الإنسان المكرم، وتصبح حياته أقرب إلى حياة الأنعام، الذين ليس لهم هم، إلا الأكل، والشراب، والجري وراء المتع الحسية، الغليظة!

كما قال الله تعالى: «وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ وَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡ» (3).

وكذلك الذي لا يعتنق أي عقيدة، أو دين، يهوي إلى أسفل السافلين، ويصبح من الضالين الضائعين التائهين، بعد أن خلقه الله في أحسن تقويم: «لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَـٰنَ فِیۤ أَحۡسَنِ تَقۡوِیمࣲ. ثُمَّ رَدَدۡنَـٰهُ أَسۡفَلَ سَـٰفِلِینَ» (4).

فيقول القرطبي في تفسيره: «بِأَنْ جَعَلَهُ مَمْلُوءً قَذَرًا، مَشْحُونًا نَجَاسَةً!» (5).

من يعتنق عقيدة صحيحة، يضحي في سبيلها بكل ما يملك.

إن الذي يعتنق عقيدة، ويؤمن بها، ويقتنع بأفكارها، وتسري في أعماق قلبه، وتسيطر على جميع جوارحه، ويهيم بها حبًا، وعشقًا، وشغفًا، ويكرس حياته كلها لخدمتها، والتضحية في سبيلها، لا يمكن بأية حال من الأحوال، أن يتخلى عنها، مهما لاقى في سبيلها، من عنت، وعذاب، وسجن، واضطهاد، ونفي، وتهجير، وتشريد!

والتاريخ حافل بقصص كثيرة، ومثيرة لمجموعات بشرية كثيرة، آمنت بعقيدة، وماتت في سبيلها، ولم تساوم عليها، ولم تتنازل عنها، قيد أنملة!

ومن أشهر الأمثلة، وأعظم أنموذج في التاريخ للرجل المؤمن الصادق الواثق بعقيدته، هو شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الذي يقول:

«ماذا يفعل أعدائي بي؟ جنتي وبستاني في صدري، إن حبسي خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة!» (6).

قدوة الأنبياء والرسل

والأنبياء والرسل صلوات الله وسلمه عليهم خير قدوة، وأحسن أسوة حسنة.

«لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا» (7).

ولما اشتد أذى كفار قريش للرسول صلى الله عليه وسلم، وكان عمه أبو طالب يدافع عنه ويحميه، بالرغم من عدم دخوله في الإسلام، فقد جاء زعماء قريش إلى عمه أبي طالب، وطلبوا منه، أن يكف ابن أخيه عن شتم آلهتهم، وتسفيه أحلامهم، فماذا كان جواب الرسول صلى الله عليه وسلم لعمه:

«يا عماه، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتى يظهره الله، أو أهلك دونه.. ثم طفرت الدموع من عيونه، واستعبر، فقال له عمه: اذهب يا ابن أخي، فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدًا» (8).

وهكذا نرى، إصرارًا من الرسول صلى الله عليه وسلم، وعزيمة تعلو السحاب، وثباتًا كالجبال الراسيات، ومواصلة الدعوة إلى الله، مهما كلف الأمر، حتى ولو علقوه بين الشمس والقمر! وهذا هو الذي يجب على شباب الدعوة، أن يتخذوا رسولهم – صلى الله عليه وسلم – قدوة وأسوة حسنة لهم، وأن يكون مشجعًا، ومحرضًا لهم، للدعوة إلى الله، لا يهابون أحدًا، ولا يخافون من أحد!

«أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ» (9).

من طبيعة الإنسان التضحية في سبيل عقيدته، ولو كانت باطلة.

إن الإنسان بفطرته، وبتكوينه الروحي، الفكري، والعقلي الفريد من نوعه بين المخلوقات، مستعد أن يموت في سبيل العقيدة، التي يؤمن بها، حتى ولو كانت عقيدة بشرية، أو أسطورية، أو خرافية!

فأعداد بشرية غير قليلة، على مدار التاريخ الإنساني، آمنت بعقائد فاسدة، باطلة، ومع ذلك تمسكوا بها، وثبتوا على دربها، وقاوموا من أراد إخراجهم منها، سواء كان بالتعذيب أو القتل، وأشهر الأمثلة: الشيوعيون الذين تعرضوا إلى السجن، والاعتقال، والتعذيب في البلاد العربية وفي سواها، على أيدي الطواغيت والحكام المستبدين!

فإنهم بقوا صامدين، ثابتين على مبادئهم، غير هيابين، ولا عابئين بكل صنوف العذاب، الذي تعرضوا له على مدار الأيام!

وبالرغم من سقوط الاتحاد السوفيتي الذي كان السند الأساسي للفكرة الشيوعية، وتفككه، وتمزقه مزقًا، وزوال الحكم الشيوعي من جميع بلدانه تقريبًا، إلا أن الفكرة الشيوعية لا تزال حية، وموجودة في أصقاع الدنيا المختلفة، ولا يزال يوجد أناس يؤمنون بها، ويدافعون عنها، ويتحملون في سبيلها، السجن والتعذيب، والقتل!

بل أشهر من هذا أبو طالب، عم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أبى الدخول في الإسلام، ولو في آخر لحظة من حياته، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم: «قال: يا عماه، قلها في أذني حتى أستحل لك الشفاعة يوم القيامة فأبى وقال: يا ابن أخي، لولا مخافة السبة، وأن يعيروني بأن ما قلتها إلا خوفًا من الموت، لقلتها!» (10).

وحينما يؤمن الإنسان بعقيدة ربانية، سيكون حينئذ تمسكه بها، وارتباطه بها، والموت في سبيلها، أعظم وأشد؛ لأنه يرجو من وراء ذلك، نعيمًا خالدًا، في جنة عرضها السماوات والأرض!

وما قصة أصحاب الأخدود عنكم ببعيدة، حيث تم قذف جميع المؤمنين بالله الواحد الأحد، بالأخدود المتأجج بالنار الموقدة، ولم يتراجع مؤمن واحد، عن التضحية بنفسه، والموت في سبيل عقيدته، رجالًا ونساءً وأطفالًا!

حتى أن امرأة، كانت تحمل رضيعًا، فترددت في قدفها نفسها في الأخدود، خوفًا عليه، فأنطقه الله وقال لها: يا أماه، اثبتي فأنت على الحق، وكان هذا أحد الثلاثة أطفال، الذين تكلموا في المهد!

وكذلك ما قاله الرسول – صلى الله عليه وسلم – لخباب بن الأرت، حينما كان متوسدًا بردة في ظل الكعبة، وجاءه يشكو له، ما يلاقيه من عذاب: «وَاللَّهِ إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَيُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَتُحْفَرُ لَهُ الْحُفْرَةُ، فَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، أَوْ يُمَشَّطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا بَيْنَ عَصَبِهِ وَلَحْمِهِ، مَا يَصْرِفُهُ عَنْ دِينِهِ» (11).

ومن هنا يتجلى لنا غباء، وبلاهة، وحماقة العم سام، الذي ظن أنه: بدعوته إلى تشكيل حلف من 50 دولة أو يزيد، يستطيع القضاء على «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، وإزالتها من الوجود، بل طمس أفكارها، أو يريد تخليص عقول المسلمين، وتجريدهم من دينهم، وايجاد دين آخر، مهجن، مدجن، معتدل، حسب تفكيره الفاسد، وقلبه الحاقد!

ولا يعلم هذا الجاهل الأخرق، أنه يمكن لأسلحته الفتاكة، المتوحشة، الجهنمية أن تقتل بعض أصحاب العقيدة الإسلامية، وتدمر بيوتهم، ولكنه لا يمكن، بل من المستحيل أن يميت الفكرة الإسلامية!

فإذا كانت الفكرة اليهودية، التي تعرض أتباعها على مدار التاريخ، من عهد بختنصر، الذي أباد أعدادًا كبيرة منهم، ومرورًا بالقرون الوسطى في أوروبا الكنسية، التي عملت على التخلص من اليهود، بشتى الطرق، ووصفتهم بأنهم أنجاس، وأشرار، وانتهاء بهتلر الذي سعى بكل قوته إلى إبادتهم بالحرق، والقتل، ومع هذا لا تزال العقيدة اليهودية موجودة، وأتباعها هم الآن سادة الدنيا!

فكيف بالعقيدة الإسلامية الربانية، الحقة، الصحيحة المؤيدة من رب العالمين؟

فأنى للعم سام وأخواته، وأحزابه، وشياطينه، أن يقضوا عليها، وعلى أتباعها، أيا كان الاسم الذي يحمله أتباعها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد