في عالم الجرائم تختلف كل جريمة عن جريمة أخرى وذلك من حيث البشاعة، ومن حيث الظروف والملابسات المحيطة بها، ومن حيث الفاعل وغير ذلك. وباختلاف الجريمة وقساوتها سواء على الضحية أو على المجتمع يختلف الجزاء الموقع على مرتكب الفعل الجرمي.

وتعتبر أقسى عقوبة التي من الممكن توقيعها على الجاني هي الإعدام وحرمانه من حقه في الحياة، وذلك لارتكابه أفعالا تمس بحيوات الآخرين أو تمس بالنظام العام والأخلاق الحميدة كالقتل العمد والإرهاب وباقي السلوكات الإجرامية المثبتة للإرادة الإجرامية الخبيثة للمجرم.

ويمكن تعريف الإعدام بأنه قتل شخص بإجراء قضائي من أجل الردع والعقاب، واختلف تطبيق هذه العقوبة بين مختلف الدول وذلك اعتمادًا على طبيعة مجتمعاتها وأديانها وقوانينها الوضعية، فعلى سبيل المثال نجد فرنسا قامت بإلغاء الإعدام سنة 1981 بموجب مقتضى دستوري وتحديدا في المادة 66 التي جاء فيها «لا يجوز الحكم على أي فرد بالإعدام» وذلك استنادًا على أنه لا يحق لأحد أن يحرم الآخر من النعمة الإلهية الممثلة في الحياة.

أما إذا بحثنا عن الإعدام في الشريعة الإسلامية فنجده يسمى بالقصاص عملا بالآية الكريمة التي جاء فيها (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 179] ومعناه هو أن يتلقى المجرم عقابه بمثل ما فعل، فيقتل القاتل، وهو من العقوبات المقدرة التي ثبتت أصولها في الكتاب وفصلت في السنة النبوية وترفع هذه العقوبة بعفو أهل القتيل أو قبول الدية. أما بالنسبة لباقي الديانات السماوية الأخرى فنجد الديانة المسيحية قد دعت من خلال نصوصها إلى تجنب عقوبة الإعدام، أما اليهودية فلا تخالف تطبيق عقوبة الإعدام من الناحية النظرية شريطة أن يكون الدليل المقدم لتطبيقها قاطعا وجازما لكن من الناحية العملية فقد ألغيت هذه العقوبة استنادا على العديد من القرارات المبنية على نصوص التلمود.

أما بالنسبة للإعدام في المغرب فنجده حاضر كعقوبة على مر التاريخ فبين سنة 1956 وسنة 1993 تم إعدام 528 فردا، حيث تم إعدام المقاوم بنحمو الفواخري وثلاثة من رفاقه سنة 1961 بسبب حيازة السلاح والقتل العمد، وكذلك في سنة 1974 تم إعدام سبعة محكومين بتهمة حيازة السلاح والإخلال بالأمن العام وتوالت بعد ذلك الإعدامات ليكون آخر إعدام تم تطبيقه فعليا في الدولة المغربية هو إعدام عميد شرطة محمد مصطفى ثابت بسبب هتك عرض مجموعة من النساء مع استعمال العنف والوحشية وذلك سنة 1993.

بعد هذه السنة وخلال 27 سنة التي تلتها إلى حدود الآن لم يتم إعدام أي فرد وإن حكم عليه بذلك، وذلك باعتبار أن الإعدام عقوبة حاضرة في القانون الجنائي المغربي حيث يقوم هذا الأخير بتصنيفها كعقوبة أصلية بجانب السجن المؤبد أو المؤقت والتجريد من الحقوق الوطنية والإقامة الجبرية وذلك بمقتضى الفصل 16 من القانون الجنائي المغربي، وعملا بذلك فإنه يتم الحكم بالإعدام في عدة جرائم منصوص عليها وعلى عقوبتها الممثلة في الإعدام بوضوح في المجموعة الجنائية، فعلى سبيل المثال، في الفصل 392 يعاقب على القتل العمد بالإعدام إذا سبقته أو صحبته أو لحقته جناية أخرى أو إذا كان الغرض من القتل إعداد جناية أو جنحة أخرى أو تسهيل ارتكابها أو إتمام تنفيذها أو تسهيل فرار الفاعلين أو شركائهم أو تخليصهم من العقوبة. وكذلك الفصل 393 ينص على أن القتل العمد بسبق الإصرار أو الترصد يعاقب عليه بالإعدام، كما أن الفصل 396 يقر بأن من قتل أحد أصوله عمدا يعاقب بالإعدام ويعاقب به كذلك من ارتكب جريمة التسميم طبقا لمقتضيات الفصل 398، ويعاقب به كذلك الموظفون المتهمون بالتحريض على المساس بالأمن الداخلي للدولة، وتوضح مقتضيات الفصل 3-218 على أن الإعدام عقوبة ثابتة في حق مرتكب جريمة الإرهاب إذا ترتب عنه موت شخص أو أكثر، بالإضافة إلى العديد من الجرائم المعاقب عليها بالإعدام في القانون المغربي.

لكن بالرغم من حضور عقوبة الإعدام في القانون المغربي ويترتب عن هذا الحضور الحكم به من طرف القضاء، إلا أنه لا يتم تنفيذه بشكل فعلي وذلك راجع لعدة أسباب، منها أن المغرب صادق على عدة مواثيق دولية التي تسمو فور نشرها على القوانين الوطنية، ومن هذه المعاهدات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص في مادته 20 على الحق في الحياة، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية فقد جاء في المادة 6 منه «الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان وعلى القانون أن يحمي هذا الحق ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفا»، بالإضافة إلى دعوة مجموعة من الحركات الحقوقية بالمغرب إلى إلغاء عقوبة الإعدام وحذفها من القانون الجنائي وذلك تماشيًا مع المواثيق الدولية وسعيًا إلى حماية الحق في الحياة. هذا ما يؤجج الصراع الأيديولوجي القائم بين فئتين، فئة تدعو إلى تنفيذ الإعدام وذلك لحماية حقوق الضحية ولكي تكون العقوبة من جنس العمل وليتم ردع المجرمين، وبين فئة تقر بأن الله من يهب الحياة وليس من حق أي أحد سلبها من الآخر.

بين هذا التضارب، تتخذ الدولة المغربية موقفًا يمسك بالعصا من الوسط، وتسعى إلى إيجاد معادلة بين الحق في الحياة والحفاظ على النظام العام عن طريق الإبقاء على هذه العقوبة في القانون الجنائي مع وقف تنفيذها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد