الجامعات تختلف في بنيتها وإدارتها عن غيرها من المنظمات الأخرى كالمستشفيات والمعامل والدوائر الحكومية والقطاع العام والخاص، ويكمن سبب اختلافها إداريًا عن باقي المنظمات كونها تعتمد على نوعين من الموارد البشرية، النوع الأول هم الباحثون والنوع الثاني هم الموظفون، ومن هنا نجد أن هذين الموردين البشريين يختلفان بشكل كامل في نوع الواجبات والعمل ولكل واحد منهما اتجاهاته التي ولنجاح عمل المؤسسة التعليمية يجب ألا يتقاطعا معًا في أداء الواجب.

الموظفون

هم المورد البشري المتعارف عليه في جميع المنظمات وهذا المورد يتم التعامل معه وفقًا لمبدأ تحديد الصلاحيات والواجبات ومعرفة ما للموظف وما عليه وفقًا للقوانين والتعليمات العامة والتي يلتزم بها جميع الموظفين في جميع المنظمات الخاضعة لقانون الدولة (القطاع العام والمختلط)، ويكون الموظفون هم المسؤولون عن إدارة المنظمة وتلبية الاحتياجات فيها، فعلى سبيل المثال فإن المستشفيات ورغم تنوع الشهادات والاختصاصات للموظفين العاملين فيها إلا أنهم جميعهم يؤدون واجباتهم من الخفارات والمبيت والعلاج وكلٌ حسب طبيعة عمله، ولا تجد فيها أي فوارق بينهم من ناحية توزيع العمل، فالطبيب له واجباته وللممرض واجباته ولموظف الاستعلامات وموظفي الخدمات والاداريين والمحاسبين واجباتهم التي تنصب كلها في مصلحة المنظمة، وهنا يمكن للعمل أن يتقاطع بينهم بشكل طبيعي، فالطبيب يتقاطع عمله مع الممرض ومع المحاسب ومع موظف الاستعلامات ومع الاداري ومع موظفي الخدمة، بل وإن هذا التقاطع من ضروريات العمل وهو ما سيحدد أي حالات من القصور في أداء أي جزء من أجزاء المنظمة بغية معالجتها لأن أساس عمل المنظمات هو الفريق الناجح والمتكامل.

الباحثون

اما في الجامعات فإنها تنفرد بوجود مورد بشري استثنائي يتم تحديد عمله وواجباته وفقًا لسلم وظيفي خاص يعتمد على الشهادة الأكاديمية وتخصصها العام والدقيق، وهذا التخصص هو الذي يحدد واجبات الأفراد وعلى ضوء ذلك يتم منحهم مخصصات تتناسب وطبيعة عملهم الاستثنائية، وإن من أكثر الأمور التي تميزهم أنهم مكلفون بشكل أساسي بالاهتمام بتطوير التعليم العالي من خلال البحوث العلمية الرصينة ومن خلال تعليمهم للطلبة وفقًا لمناهج متطورة تزيد من حجم المعرفة، ومن أجل النجاح في هذا الواجب فإن الباحث بحاجة إلى ترسيخ وقته للبحث والتطوير والتدريس وهنا سيعتمد بشكل كلي على المورد البشري الآخر وهم الموظفون الذين سيقومون بواجباتهم في إدارة الأمور الإدارية والمالية للجامعة وذلك وفقًا للقوانين والتعليمات وكما أسلفنا أعلاه ليكونوا كأقرانهم من الموظفين.

التداخل بين الموردين

بسبب عدم فهم المنظمات التعليمية لواجباتها فإنها نظرت بشكل مغاير للمفهوم العام للمؤسسة الجامعية فأعطت لحملة الشهادات العليا مناصب إدارية في غير تخصصاتهم الاصلية والتي من أجلها تم صرف الكثير من الجهد والمال لتنتهي هذه العصارة من التعليم إلى تضييع الوقت في إتمام أعمال إدارية بالإمكان أن يتم إنجازها من قبل الموظفين والذين يتدربون ويتسلسلون في وظائفهم مكتسبين للمعلومة والخبرة التراكمية والتي تمكنهم من تجاوز المشاكل وإيجاد الحلول لانهم أعلم بها من أصحاب الشهادات العليا الذين يكلفون بالمناصب وهم لا يعرفون ألف باء الإدارة، وكل ذلك بسبب النظرة الدونية لحملة الشهادات العليا والتي لا تستطيع أن تتماشى مع فكرة أنهم من طبقة عليا والموظفون من الطبقة الدنيا، وبسبب هذه النزعة العاطفية الفاشلة تراجعت المؤسسات التعليمية بشكل ملحوظ بعدما تحولت من فشل في الإدارة إلى فشل في علاج الأخطاء التراكمية التي نتجت من المديرين الفاشلين السابقين، واليوم يتم العمل وفقًا لفكرة الترقيع في سبيل الاستمرار.

ومن أجل إنجاح الجامعات يجب أن يعاد فصل الموردين البشريين الأساسيين عن بعضهما البعض وأن يتم تحديد أماكن العمل والمناصب التي تناسب كل مورد منهم وألا يتم تداخل عملهم لأن عملهم بالأصل غير متداخل.

مع تمنياتنا للباحثين بدوام الارتقاء نحو مصاف الدول العالمية من خلال جعل البحوث العلمية بحوثًا تستطيع أن تخرجنا من واقعنا لنقفز نحو المجد والتطور وألا يضيعوا واجبهم السامي في الصراع على منصب زائل وكرسي غدار لن يبقى طويلًا، ومع أمنياتي للموظفين أن يكونوا أهلًا للمسؤولية وهم يسخرون خبراتهم في سبيل إدامة عمل المنظمات ومعالجة جميع المفاسد فيها.

والحمد لله رب العالمين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد