يعيش العالم اليوم حالة مِنَ الركود الديمُقراطي للعام الثالث عشر على التوالي كما وصفهُ تقرير مؤسسة (Freedom House). لقد انهارت أو تآكلت العديد مِنَ الديمُقراطيات في مُختلف أنحاء العالم. والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن المؤسسات الديمُقراطية أثبتت أنها هشة بِشكلٍ مُدهش في البُلدان التي كانت فيما مضى تبدو مُستقرة.

منذُ العام 2014 حذر مجموعة مِنَ الباحثين البارزين من بينهم (ياشا مونك) و(كاس مود) مِن أنَّ صعود الأحزاب الشعبوية يُمكن أن يُلحق أضرارًا جسيمة بالمؤسسات الديمُقراطية. في ذَلِكَ الوقت، كانت مِثل تِلكَ الادعاءات محل جدل وخِلاف واسع بينَ العُلماء، وكانَ الرأي السائد إنَّ الشعبويين لن يفوزوا أبدًا في الديمُقراطيات الغربية الراسخة. وحتى لو فعلوا ذلك، فسيكونون مُقَيَدين بِالمؤسسات القوية والمُجتمعات المدنية النابضة بالحياة. إنَّ هذا الإجماع القديم انتهى اليوم. إذ أظهر صعود دونالد ترامب في الولايات المتحدة، وماتيو سالفيني في إيطاليا، وجيرو بولسونارو في البرازيل أن الشعبويين يستطيعون حقًا الفوز بالسلطة في بعض أكثر الديمُقراطيات رسوخًا في العالم. كما أظهرَ التآكل السريع للديمُقراطية في بُلدان مثل فنزويلا والمجر وتُركيا إنَّ الشعبويين يستطيعون حقًا تحويل بُلدانِهم إلى أنظمة استبدادية. وهكذا أصبحت الحُجج المُثيرة للجدل حول عواقب صعود الشعبويين لِسُدة الحُكم واقع يشهده العالم اليوم.

يشترك الشعبويون في مُختلف أنحاء العالم اليوم بِسِمَتين أساسيتين هما: أولًا، إنَّ جميع هؤلاء وصلوا إلى السُلطة عن طريق انتخابات حُرة ونزيهة وعِبرَ رسائل مُعادية لِلنُخبة والتعددية. ثانيًا، استخدمَ هؤلاء القادة فيما بعد تِلكَ الانتصارات لِتركيز السُلطة في أيديهم عن طريق إضعاف استقلالية المؤسسات الرئيسة مثل إضعاف القضاء، التضييق على أحزاب المعارضة، وتقليص مساحة الإعلام الحر مِن خِلال اتهامها بترويج الأكاذيب ومُعادتِها لِمصالح وحقوق الشعب كما يفعل على سبيل المثال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

واليوم هُنالِكَ من يعتقد إنَّ التهديد الشعبوي للديمُقراطية الليبرالية هو بِمثابة طريق باتجاه واحد. إذ بِمُجرد أن يتمكن القادة الشعبويون مِن تركيز السُلطة بأيديهم، فإنَّ لُعبة الديمُقراطية ستنتهي. وإذا ما استسلمت هذهِ الديمُقراطيات للنزعة التسلطية لهؤلاء القادة، فإنَّ النظرة المُستقبلية للديمقراطية الليبرالية ستكون قاتمة للغاية.

لكن هذهِ الرؤية تتجاهل عاملًا حاسمًا وهي: إنَّ شرعية القيادات الشعبوية تعتمد على قُدرَتِهم في الحِفاظ على الوهم الذي يتكلمون عنه «مِن أجل الشعب». لكن كُلما تركزت هذهِ القوة في أيديهم، بدا التظاهر في الدِفاع عن الشعب أقل منطقية. الأمر الذي يُثير احتمال لجوء هؤلاء القادة إلى اضطهاد خصومهم بِشتى الوسائل للحِفاظ على سُلطتِهم. وكُلما زادت وسائل القمع المُستخدمة مِن قِبل هؤلاء القادة زاد الشعور لدى شرائح أكبر من الشعب بِأنَّهم مُعرضون لِخطر فقدان حُرياتِهم. ويُعتبر رجب طيب أردوغان الذي يتولى رأس السُلطة في تُركيا منذُ ما يُقارب العقدين حالة مِثالية للطريقة التي يُمكن للديكتاتوريين الشعبويين الاستيلاء على السُلطة والتحديات التي يواجهونها عِندما يؤدي القمع العلني المُزايد إلى تآكل شرعيتهم.

أصبح أردوغان رئيسًا للوزراء في العام 2003 من خلال برنامج انتخابي شعبوي ادعى فيه إنَّ النظام السياسي في تُركيا ليس ديمُقراطيًا حقًا. وهو يخضع لِسيطرة نُخبة صغيرة مِنَ العلمانيين. مُدعيًا تمثِيلهُ للشعب والدِفاع عن حقوقه وإنَّه الوحيد القادر على الوقوف بِوجه تِلكَ النُخبة وإعادة السُلطة إلى الشعب.

في الواقع كانَ أردوغان مُحقًا فيما يتعلق بِفشل النُخبة العلمانية طوال القرن الماضي في ترسيخ المسار الديمُقراطي داخل تُركيا، إذ كُلما كان المسار السياسي يصل لِطريق مسدود كانت الانقلابات مِن قِبل مؤسسة الجيش حاضرة، فخِلال المُدة ما بين 1960 و1997 تعرضت البِلاد لأربعة انقلابات. ولكن على الرغم مِن أنَّ تشخيص أردوغان كان صحيحًا إلى حدٍّ كبير؛ إلا أن علاجه الموعود تبين أنه أسوأ من المرض. وبدلًا من نقل السلطة إلى الشعب، أعاد توزيعها على نخبة جديدة من صنعه. وعلى مدى السنوات الـ16 التي تولى فيها أردوغان السلطة – أولًا كرئيس للوزراء ثم بعد عام 2014، كرئيس – قام إردوغان بتطهير المعارضين من الجيش. فضلًا عن طرد عشرات الآلاف مِن المُعلمين والأكاديميين وموظفي الخدمة المدنية، وسجنهِ للعديد مِنَ الكُتاب والصحفيين.

وعلى الرغم مِن تَمكُن إردوغان مِن جمع السُلطة في يديه، مُستغِلًا الرواية التي غذت صعوده والتي وفرت له الدعم اللازم في صفوف شريحة واسعة مِنَ الشعب التُركي. لكن في الآونة الأخيرة، بدأت قصة إردوغان حول الشرعية – مجموعة الادعاءات التي يبرر بها حكمه – في الانهيار. إذ وقعَ الاقتصاد التُركي في العام 2018 نتيجة سوء إدارة إردوغان في ركود شديد. الأمر الذي ألقى بِظلاله على الانتخابات البلدية التي جرت في مارس الماضي، حيثُ خسر حزب العدالة والتنمية في كل من أنقرة عاصمة تركيا وإسطنبول أكبر مدنها. ولأول مرة منذ توليه منصبه، واجه إردوغان خيارًا صعبًا: إما التخلي عن بعض سلطته مِن خِلال قبول الهزيمة أو تقويض قصة شرعيته من خلال رفض نتائج الانتخابات.

اختار أردوغان الخيار الأخير. وفي غضون أسابيع من انتخابات بلدية إسطنبول، نقض مجلس الانتخابات التركي نتائجه وأمر بإعادة الانتخابات في منتصف يونيو. وقد تبين فيما بعد حجم الخطأ الذي اقترفه أردوغان. إذ أسفر لجوء حزب العدالة والتنمية لإعادة الانتخابات في بلدية إسطنبول إلى غضب عدد كبير مِن سُكان إسطنبول الذين أيدوا أردوغان سابقًا وحزبه بسبب تحديه العلني للإرادة الشعبية التي انقلبوا عليها. عانى على إثرها مرشح حزب العدالة والتنمية بن علي يلدريم من هزيمة أكبر بكثير في الانتخابات الثانية على يد مُرشح حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو. وبعد أن حاول أردوغان وفشل في إبطال إرادة الشعب، يواجه الآن احتمال دوامة الهبوط. لأنه فقد قدرًا كبيرًا من شرعيته، وأصبح يعتمد أكثر على التدابير القمعية للتمسك بالسلطة. لكن كلما اضطهد شعبه بِشكلٍ صارخ، عانت شرعيته أكثر.

وفي الواقع، إنَّ هذهِ الحالة تنطبق على العديد مِنَ البُلدان كما هو الحال في المجر والتشيك وفنزويلا إذ أثبت الشعوبيون الاستبداديون قدرتهم المخيفة على هزيمة المعارضين الديمقراطيين. لكن كما توضح حالة أردوغان، سوف يواجهون في النهاية تحديات خطيرة خاصة بهم. وهُنا لا بُدَّ مِنَ الإشارة إلى أنه بدلًا مِن افتراض أن ظهور الديكتاتوريات الشعبية قدّ يُنهي التطلعات الديمقراطية في بلدان مِثلَ المجر وتركيا وفنزويلا، من الضروري فهم الظروف التي من المحتمل أن ينجح أو يفشل فيها الشعبويون؛ مِن أجل إيجاد حلول واقعية لِمنع صعود مثل هؤلاء القادة الذين يُشكلون تهديدًا حقيقيًا للديمُقراطية.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد