الإيمان بالله واليوم الآخر في كل الأديان مبني على الغيب.. ومن شروط المؤمن الحق أنه يؤمن بالغيب.. وإلا فعالم الشهادة (المحسوسات) يؤمن به كل البشر حتى الملاحدة.

لذا أخبرنا الحق تبارك وتعالى في أول آيات القرآن الكريم هذه الحقيقة المهمة: ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب…

والغيب يحتاج إلى مُبَلِّغ، وهو الرسول أو النبي.. ولكي يصدقه الناس لا بد أن تكون الثقة به في أعلى درجاتها قبل أن يؤمر بالتبليغ.

لذا فكل الرسل قبل بعثتهم عُرفوا بالصدق والأمانة، ولم يُجرِّب عليهم أحد من أقوامهم كذبًا أو خيانة.. وسنقتصر على بعض الشواهد من حياة نبينا صلى الله عليه وسلم كي لا نطيل:

عندما جمع صلى الله عليه وسلم قومه ليشهر رسالته سألهم أولًا: لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدّقي؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك كذبًا.. تأمل في السؤال وفي الجواب.

بعد معجزة الإسراء والمعراج ذهب قوم إلى أبي بكر وقالوا: إن صاحبك يزعم أنه ذهب إلى بيت المقدس، وعاد في ليلته، وعرج به إلى السماء طمعًا في أن يشككوا أبا بكر بصاحبه.. فقال أبو بكر: إن كان قال فقد صدق، وذلك تحفظًا منه أن يكون ناقل الخبر كذابًا، فاحتاط بقوله: إن كان قال. فالنبي صادق فيما يقول، والمهم أن يثبت أنه قال فعلًا.

اشترى النبي – صلى الله عليه وسلم – فرسًا من أعرابي فجحده (أي أن الأعرابي قال للنبي: لم تشترِ مني) وطلب شاهدًا ولم يكن أحد حاضرًا الصفقة.. فشهد له خزيمة بن ثابت (أن النبي قد اشترى الفرس)، فقال صلى الله عليه وسلم لخزيمة: بم تشهد ولم تكن حاضرًا؟ قال : بتصديقك وأنك لا تقول إلا حقًا.. وفي رواية قال له: يا خزيمة بم تشهد ولم تكن معنا؟ فقال: أنا أصدقك في خبر السماء ولا أصدقك بما تقول؟ أعلم أنك لا تقول إلا حقًا قد أمناك على أفضل من ذلك، على ديننا.

الشواهد كثيرة وكلها تؤدي إلى نتيجة واحدة: أن الثقة بالمُبلّغ هي التي استدعت الإيمان بالرسالة.

لم يكن الصحابة الأوائل من علماء الإعجاز العلمي في القرآن ليتفكروا بآيات القرآن الكريم ويختبروها قبل أن يؤمنوا.. ورغم كثرة الآيات التي وردت في كتاب الله تعالى تؤكد على التفكر في الخلق، إلا أنها لم تكن هي السبب في إيمان الرعيل الأول.. فهذه الآيات تخاطب كل البشر، ومنهم الذين لم يعاصروا النبوة إلى قيام الساعة، ولا شك أنها مدخل عظيم من مداخل الإيمان لهم.

أما الرعيل الأول فكان مورده الأساس للإيمان هو الثقة بشخص النبي صلى الله عليه وسلم لا غير.

وحتى الذين لم يتبعوه كانوا يعلمون أنه صادق، ولكن الظلم والعلو منعهم كما قال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا…

وحقيقةُ أن الثقة بالمُبلِّغ هي أصل الإيمان عند معاصريه تكشف لنا مدخلا مهمًا من مداخل العقل البشري.

وهو أن الإنسان العاقل المفكر لا يصدق غيبًا، إلا إذا جاءه من طريق شخص لا يشك أبدًا في صدقه، ويثق به ثقة مطلقة.

ومن أنواع الغيب الكثيرة في حياة البشر، أن تعدَ الناس بحياة أفضل إذا اتبعوا تعاليمك وطريقتك في الحياة، وهذا ما تفعله الحركات الإسلامية المعاصرة بأطيافها المختلفة المتنوعة والمتناقضة أحيانًا.

وكان المتوقع من دعاة هذه الحركات وقادتها الارتقاء قدر المستطاع الى درجة عالية من زرع الثقة في نفوس الناس كي يتمكنوا من إقناعهم بالدين وفضائل الأخلاق وتطبيق الشريعة، وهذه الأمور هي غاية كل الحركات الإسلامية المعاصرة.. وقد نجحت في ذلك حينًا من الدهر. فما الذي حصل ليجعلها تنحسر انحسارًا متسارعًا لا يمكن حتى تتبعه بوضوح؟!

السبب الأهم (وليس الوحيد) أن هذه الحقيقة، وهي بناء الثقة وتنميتها في المجتمع، على بساطتها ووضوحها.. لم تؤخذ على محمل الجد عند قادة الحركات الإسلامية، ولا أعطيت الأهمية التي تليق بها (ونُذَكِّر أنها أصل للإيمان نفسه، فكيف بما هو دونه).. ولعل المؤسسين الأوائل كانوا يعون هذه الحقيقة بنسبة ما، لكن الأتباع فرطوا فيها وبشكل كبير.

بناء الثقة في النفوس يتطلب جهدًا كبيرًا، بينما هدم الثقة بسيط جدًا.

والإنسان في المجتمع كلما علَت رتبته أصبح مراقَبًا من الناس على كل صغيرة وكبيرة..

والذي يظهر من الإنسان للمجتمع هو كلامه وسلوكه.

فإن كان كلامه يدعم سلوكَه.. وسلوكُه لا يناقض كلامَه.. حاز ثقة من حوله، والعكس صحيح.

لهذا انتشرت أفكار الحركات الإسلامية بأطيافها المتعددة وتوسعت في النصف الثاني من القرن العشرين، عندما كانت تدعو الناس إلى المثل الأعلى، وعندما كانت بعيدة عن ساحة الاختبار المباشر، وهو المال والسلطة.

لكن عندما اقتربت قيادات هذه الحركات من ساحة الاختبار وساهمت فيه بالفعل، أي المال والسلطة، فشلت فشلًا ذريعًا.

لأنها ببساطة كانت تنظر إلى الانحراف السياسي والمجتمعي والأخلاقي والسلوكي من بعيد، وهذا طبيعي بسبب الأجواء النظيفة التي أحاطت أفرادَها بها.. والمثاليات التي تتداولها في أدبياتها وخطابها.

أما عندما اقتربت من الواقع الحقيقي وعايشته فلم تستطع أن تستوعب الصدمة.. خاصة وأنها لم تكن أصلًا مؤهلة للتعامل مع هذا الواقع.. كما قلنا بسبب الأجواء الفكرية والسلوكية التي تعيشها.

وخذ مثلًا واحدًا: كيف يستطيع نائب في البرلمان أو وزير أو رئيس جمهورية إسلامي أن يلتقي بفنانات أو مطربين ومطربات تابعين لوزارة الاعلام في دولته، ويتصافح معهم ويُسمعهم ويُسمعونه الكلام الطيب.. وقد كان قبل ذلك بشهور يُحرِّم النظر اليهنَّ ويحكم عليهم رجالًا ونساءً بالفسق والفجور.

لا شك أنه سيقع في أزمة نفسية.. إن أظهر مبادئه والتزم بها فهو متخلف إرهابي في نظر الآخر، ولا يصلح للمنصب.. وإن كتمها وأظهر خلافها، فسيفقد ثقة من كان يعرفه من قبل.

وسيضطر حينها للتأويل البارد المتعسف. الذي لا يقنع كل الأطراف.

هذه أبسط الأمثلة.. وقد حصل من أشباهها الكثير.

ومع ذلك فالمشكلة ليست هنا؛ لأن الحركات الاسلامية أو بالأصح قياداتها ذهبت إلى أبعد من ذلك لتُعجّل من فقدان الثقة بها من بعض أفرادها ومن المجتمع على حد سواء.

فقد وعد قادتها الناسَ وعودًا وخالفوها.. أطلقوا تهديدات وجبنوا عن تنفيذها.. صرحوا بمشاريع نهضة وتبين بأنها وهمية.. شارك بعضهم في صفقات مالية مشبوهة، بل دخل بعضهم (في العراق مثلًا) في دوامة الفساد المالي والإداري وبشكل ظاهر لا حياء فيه.

ثم ذهب قادة الحركات إلى أبعد من هذا ليعززوا فقدان الثقة بهم.. فوضعوا أنفسهم في موضع القداسة (طبعًا هم ينفون هذا أمام الملأ) فلا يخضعون للنقد.. وإن سمعوا النقد للضرورات الدعائية في الإعلام فالمبررات جاهزة، ولا يمكن أن تسمع من أحدهم اعترافًا بالخطأ.. وإذا حدثت معجزة واعترف أحد القيادات بالخطأ، فستسمعه يقول بكل براءة: نحن مجتهدون والمجتهد إن أصاب فله أجران، وإن اخطأ فله أجر! هكذا.

ولا بأس أن تضيع بسبب هذا الخطأ الأموال وتزهق الأنفس، ثم بعد ذلك يطمع بأن له أجر!

بعدها تقدمت هذه القيادات خطوة أخرى لقتل الثقة بهم كليًا، فأصبحوا يضعون الموازين التي تناسبهم فقط، ويطبقونها على أنفسهم والآخرين.

– أمواتهم شهداء، وأموات غيرهم قتلى.

– إن حلت بهم كارثة فهي ابتلاء، وإن حلت بغيرهم فهي عقاب رباني.

– إن تركَهُم أتباعهم فالدعوة تُنظف نفسها (وتنفي خبثها) كما يقولون، وإن تخلى الآخرون عن أحزابهم فذلك بسبب فشل تلك الأحزاب.

– إن تعاملوا مع الآخرين عبر الحدود فهي سياسة وفطنة، وإن تعامل غيرهم مع الأجانب فهي عمالة وخيانة.

– إذا زوروا في الانتخابات فهي تصحيح لإرادة الناخب، كما قال أحد القيادات، وإذا زور غيرهم فهي سقطة أخلاقية وجريمة يعاقب عليها القانون.

هذا الانحراف الفكري.. في توهم القداسة وعدم قبول النقد ثم تفصيل المقاييس.. هو الذي توج كل الأسباب التي أدت الى فقدان الثقة بقيادات الحركات الإسلامية، ومن ثم انحسار هذه الحركات.

والعجيب أن هذه الأحزاب والحركات الإسلامية وصلت إلى حد أنها تنكرت حتى لأسمائها وأخفتها في الانتخابات خوفًا من الخسارة.. والشاهد على ذلك أن الانتخابات الأخيرة في العراق لم تشهد مشاركة لحزب إسلامي سني أو شيعي باسمه.. وكأن هذه الأسماء أصبحت معرَّة لأصحابها.

ستجد كثيرين يقولون لك أسبابًا أخرى لانحسار الحركات الإسلامية، مثل كيد الأعداء والظروف غير المواتية والحرب على الإسلام … إلخ.

ونقول لهؤلاء لا بأس بأن تخدعوا أنفسكم، لكن لن تغطوا الشمس بغربال. الانحسار ليس فقط في المجتمع، بل الانحسار طال أتباعكم.. والسبب فقدان الثقة من المجتمع ومن كثير من الأتباع بهذه القيادات المنهكة، والتي تجاوزها الزمن.

إذا كانت أعظم عقيدة في مجتمعاتنا وهي الإيمان بالله أصله الثقة بالمُبلِّغِ والقائد.. فمن باب أولى أن كل ما دون هذه العقيدة يستلزم الثقة بالمبلِّغ والقائد ولا بد.. وعندما أضاعوا الثقة بكلامهم وسلوكهم.. ضاعت معها حركاتهم الإسلامية. الفهم هو الحل

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد