شهد العالم في القرنين الأخيرين تقدمًا غربيًا واضحًا متصاعدًا في شتّى المجالات العلمية والاقتصادية والسياسية والفكرية؛ ما أحدث شرخًا كبيرًا في كبرياء وغطرسة العديد في الأوساط العربية، لا سيما أنهم عجزو عن تحقيق أي تقدم ملحوظ في أي من المجالات؛ مما دفعهم لاستحداث وترويج رؤية عدائية مناهضة لتقدم الغرب تفضي إلى قرب زوال وسقوط هذا الغرب كي يرضوا كبرياءهم وضمائرهم.

الأزمة الماليه العالميه عام 2008 وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ووصول دونالد ترامب إلى الحكم في أمريكا، وأخيرًا جائحة كورونا هذه كانت أحد أهم الأسباب لعلو صوت هؤلاء المتوهمين بسقوط الغرب. في حين أنه بعد الحرب العالمية الأولى 1914 – 1918 الغرب ينتقد نفسه عن طريق الفيلسوف والمؤرخ الألماني شبينغلر spengler الذي طرح كتابه (تدهور الحضارة الغربية) تحدث فيه عن أن هناك أزمة يعاني منها الغرب متوقعًا تدهوره [1].

سرعان ما لقت هذه الرؤيا استحسان هؤلاء الذين يدعون بالأساس إلى ذات الشيء، ووجدوا فيها خلاصهم فشرعوا يتداولون هذه الرؤية على أنها المنقذ لهم مما هم فيه. الانهيار قد يكون ظاهرة طبيعية للحضارات بغض النظر عن حجمها ومرحلتها التكنولوجية، ولنا في التاريخ تجارب عدة, مثل ما حصل من قبل مع حضارات: بلاد ما بين النهرين، ومصر القديمة، والرومانية، والمايا، والأزتك، والسند، والأنكا. فها هو ابن خلدون في مقدمته يخبرنا عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الإعصار ومرور الأيام، وأحوال العالم، والأمم، ونحلهم، لا تدوم على وتيره واحدة، ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال، وأن للدولة أعمارًا طبيعية كما في الأشخاص، ولا يعدو عمر الدولة (في الغالب) ثلاثة أجيال [2].

لذا تجدهم يعملون جاهدين على أن يحافظوا على مكانتهم في الصدارة ولا يجب علينا إنكار هذا، بل يجب علينا أن نبتعد عن وضع تصورات تخيلية لا تمتّ للواقع بصلة فقط لنرضي كبرياءنا، أليس من الأفضل بنا أن نواجه أنفسنا، أن نتساءل أين نحن الآن مما وصلوا إليه، أن نسعى لإصلاح خلافاتنا الداخلية وإعمار عقولنا بالعلم، والعمل بدلًا عن الكسل وانتظار تحقق المعجزة. مع بداية القرن الحالي قد بدأت الثورة الصناعية الرابعة، وإذا نظرنا إلى حال العرب في الثورات الثلاث السابقة فإنه لم يكن العرب خلالها سوى مستهلكين، وليسوا منتجين، ففي القرن الثامن عشر وفي إنجلترا بدأت الثورة الصناعية الأولى مع اختراع المحرك البخاري، الذي كان المصدر الرئيس للطاقة في تلك الحقبة الزمنية حيث اعتمد على تحويل الطاقة الحرارية التي يتم الحصول عليها من البخار إلى طاقة ميكانيكية عن طريق مكبس يتحرك ذهابا وايابا داخل أسطوانة [3].

وبعد 100 عام أي في القرن التاسع عشر بدأت الثورة الصناعية الثانية التي تتثمل بالمكننة mechanization التي استخدمت الطاقة الكهربائية لخلق الإنتاج الضخم، حيث إنها أحدثت نقلة نوعية في المجتمعات وطورت حياة الأفراد. بعدها وفي النصف الثاني من القرن العشرين كانت الثورة الصناعية الثالثة، التي استخدمت الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات لأتمتة الإنتاج، وفي مطلع القرن الحالي بدأت الثورة الصناعية الرابعة، الثورة الرقمية في مجالات الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وإنترنت الأشياء، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وتكنولوجيا النانو، والتقانة الحيوية [4].

مع التنويه للدور الكبير للواقع الذي تحدثه كلمة الثورة، وماذا تحمل هذه الكلمة من معان للدول العربية، ولاسيما في السنوات الأخيرة، وأنها في صراع دائم ضدها، ولكن الأمر هنا مختلف قليلًا، فبعد ثلاث ثورات صناعية ترتبت عليها تبعية اقتصادية تكنولوجية للدول الصناعية المتقدمة، أصبحنا مرغمين ومجبرين بأن نتقدم خطوة للأمام علّنا ندرك القليل مما فاتنا، ونضع قدمًا لنا في قارب التطور.

«الحضارة تنتقل من الدول السالفة إلى الدول الخالفة»[2]، هذا أيضًا ما ذكره ابن خلدون في مقدمته، ألم يكن من الأحرى لمن استشهدوا بنبوءة ابن خلدون لسقوط الحضارات أن يذكروا هذه أيضًا، وأن يعملوا جاهدين على أن يكونوا هم الخلف، أم أنه ليس من الضروري العمل كي تصبح في المقدمة. ففي حال سقوط المعسكر الغربي هل يعتقد هؤلاء أن الغلبة ستميل لصالحهم، ألم ينظروا إلى تقدم العملاق الصيني، والدب الروسي، وكوريا، واليابان، فهم من في المقدمة، وهم من ستؤول إليهم الأمور.

وإنه مع تصاعد قوة تلك الدول فإنه سيحدث تغيرًا في نظام القوى العالمية الحالية يفضي إلى تقاسم موازين القوى بينهم، ونحن! نحن نلتزم أماكننا غير مكترثين لما حولنا، لا نسعى للتقدم إلى الأمام قيد أنملة، ولم نقدم للإنسانية أي شيء يذكر، فها هو سجل جوائز نوبل ومنذ نشأته إلى الآن تتربع على عرشه الدول الغربية، وفي جميع المجالات، فتجد في المقدمة الولايات المتحدة الأمريكية بـ383 جائزة، تليها المملكة المتحدة بـ132 جائزة، وتليها ألمانيا بـ108 جائزة…[5].

وإذا قمنا بإلقاء نظرة إلى ترتيب الشركات الكبرى في العالم من حيث القيمة التسويقية فسوف نجد في المقدمة «مايكروسوفت»، «Apple»، «أمازون»، «فيسبوك» (شركات أمريكية)، و«alphapet»، و«علي بابا» (شركات صينية)[6]. بينما في مجال الحريات الفردية فحسب مؤشر حرية الإنسان الصادر من مركز البحوث «Cato Institute» تجد الدول العربية تتصدر القائمة، ولكن في قمع الحريات! [7].

في كل هذا التقدم الذي نشهده، نحن لم نقدم شيئًا لنستحق عليه أن نكون في مركز القيادة، فنحن بدلًا عن أن نجتهد ونحاول اللحاق بركب الحضارة نبرح موضعنا لا نحرك ساكنًا وننتظر زوال الغرب وأسطورته وهناك البعض يعمل على عرقلة هذا التقدم، ويطول الانتظار وتزداد معه قطيعتنا لركب الحضارة ما نتج عنها جهل وتخلف أحط بالمجتمع العربي، هنا يخبرنا الكاتب والمفكر السوري جورج طرابيشي أن القطيعة لا تكسبنا اي تقدم بقوله «إن هذه الحضارة (يقصد الحضارة العالمية) قابلة بكل تأكيد لأن تنكر ولأن ترفض، ولكن القطيعة معها لن تسجل في هذه الحالة تقدمًا نحو أي مندمج حضاري جديد، بل محض تراجع نحو الهمجية»[8].

هذا الحل والوهم المطروح هو نفس وهم المهدي هو إبرة مخدر للشعوب العربية لتبقى تابعة للآخرين تنتظر مخلصها منقذها، تنتظر من ينتشلها من تحت الركام، يملأون عقولهم بإرهاصات وترهات، قانطين بالخنوع، رافضين للمواجهة، تجدهم في سبات وكأنهم نيام، فهاهو الشاعر العراقي معروف الرصافي منذ ما يقارب 100 عام نظم أبيات يصف حال العرب فيها في ذلك الوقت وذلك الوقت هو مشابه لهذا الوقت، لم يحدث أي طارئ يذكر ما عدا العديد من الخسائر في الأرواح والكثير من الدمار في بعض البلاد العربية فيقول:

يا قوم لا تتكلموا إن الكلام محرم

ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النوّم

وتأخروا عن كل ما يقضي بأن تتقدموا

ودعوا التفهّم حانبًا فالخير أن لا تفهموا

وثبّتوا في جهلكم فالشر أن تتعلموا[9]

من أجل الأجيال القادمة، من أجل مستقبل أفضل لأوطاننا، علينا إدراك الواقع ومواجهته وعدم التهرب منه وإعمال العقل والبدء بالتجديد والاجتهاد، فعالمنا العربي مشتت اجتماعيًا وسياسيًا، ومقسم طائفيًا ومذهبيًا وعرقيًا، وإرادته مهزومة، ولنسعى للتحرر من القيود ومواكبة عجلة التقدم فهي ضرورة ملحة لإنتاج المعرفة والتقانة، ولوضع حد للخروق الجارية لحقوق الإنسان عن طريق تدعيم عمل مؤسسات حقوق الإنسان لتعميم الحقوق والحريات الفردية، على أمل أن ينتهي الألم، ونصحو على غدٍ مشرق في شرقنا، فيا أمة العرب! شيئًا من الغضب!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الغرب, الواقع

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد