شهدت عدة بلدان عربية ثورات شعبية في ما يسمى بالربيع العربي، نجحت بعضها في تحقيق أهدافها بتغيير النظام، بينما فشلت أخرى، تعددت أسباب عدم نجاح تلك الثورات في تحقيق أهدافها فمنها عدم قدرة قوى الثورة على إدارة البلاد بعد توليها الحكم ويعود السبب الآخر إلى موجة الثورة المضادة التي ضربت تلك البلدان والتي قادتها الدولة العميقة التي أعاقت عملية الانتقال الديمقراطي، يتناول هذا التقرير الحالة المصرية التي عملت الدولة العميقة والمتمثلة أساسًا بالجيش المصري، على قلب نظام الحكم الذي أفرزته الانتخابات التي أعقبت الثورة، وأعادت مصر إلى ما كانت عليه قبل الثورة بعد انقلاب عسكري قام به الجيش المصري ودفع بوزير الدفاع إلى سدة الحكم لتعود مصر من جديد إلى الحكم العسكري، سيتناول هذا البحث مكونات وأدوات الدولة العميقة، وسأقوم بتوضيح مصالحها ودورها في الانقلاب على الثورة، وأخيرًا أزعم أن للدولة العميقة المتمثلة بالجيش المصري دورًا كبيرًا في إفشال عملية التحول الديموقراطي في مصر.

فما هي الدولة العميقة في مصر؟ وما هي مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية؟ وما هي أدواتها؟ وما هو دور العامل الخارجي في دعمها وما هي أهدافه؟

تشكلت الدولة العميقة في مصر منذ ثورة الضباط الأحرار 1952، وما تبعها من وصول الجيش إلى سدة الحكم وتغلغله في جهاز الدولة وسيطرته على قطاعات كبيرة من الاقتصاد المصري، ولكنها خرجت إلى العيان مع ثورة 25 يناير التي دفعت الجيش المصري إلى واجهة الأحداث السياسية بعد تنحي مبارك، وبعد وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية وكتابة دستور جديد قد يقوض ويهدد المصالح الاقتصادية للدولة العميقة ويضعها تحت طائل المحاسبة والمساءلة، عملت من خلال أدواتها الإعلامية على تحشيد ملايين المصريين من أجل الخروج للميادين احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية والأمنية تحت حكم محمد مرسي والإخوان المسلمين، ومن ثم الاستجابة إلى رغبة المحتجين من خلال تحرك الجيش وعزل محمد مرسي وملاحقة جماعة الإخوان المسلمين وتعطيل العمل بالدستور، تحت مسمى ثورة 3 يوليو (تموز)، وقد ترافق ذلك مع دعم دولي ماليًا وسياسيًا للجيش المصري من دول الخليج وإسرائيل والولايات المتحدة من أجل تثبيت دعائم الانقلاب وإعطائه شرعية دولية.

فعلى الرغم من شيوع استخدام مصطلح الدولة العميقة في البلدان التي تعاني حكمًا استبداديًا تتعثر فيه عملية التحول الديموقراطي نتيجة وجود قوة خفية ذات تأثير قوي على السياسة المحلية، إلا أن التأصيل النظري لهذا المفهوم يبقى محدودًا وفضفاضًا بسبب عدم وضوحه، ويعرف باتريك أونيل الدولة العميقة والتي يعود تاريخ نشأتها إلى تركيا بأنها «مجموعة من المؤسسات القسرية، والفاعلين المجتمعين، تجمعهم شبكة من العلاقات والتفاعلات داخل الدولة، تضم أطرًا رسمية، وأخرى غير رسمية، نافذة، تكون لها مصالح معينة، متشابكة ومتقاطعة، مدفوعة سياسيًا بمنطق الوصاية على المجتمع، تقوم بالدفاع عن مصالحها، في مواجهة الحكام المنتخبين ديمقراطيًا، والممثلين شعبيًا، وغالبًا ما تجمع بين مكوناتها المؤسسات المحتكرة للقوة في الدولة؛ الجيش، وقوى الأمن الداخلي، والبنى الاستخباراتية، وتبرر ممارساتها دائمًا بزعم الدفاع عن مصالح وجودية للأمة».

وعلى صعيد أهداف الدولة العميقة، يشير مصطفى شفيق علام إلى مجموعة أهداف تضطلع بها الدولة العميقة «خلق صورة مشوهة للنظام السياسي الجديد وجعل الناخبين يشعرون بأنهم لا يستطيعون الاعتماد على النظام، ومن ثم عدم جدوى الخيار الديموقراطي، وجعل الحكومة الديمقراطية عاجزة عن الإنجاز ومن ثم تبدو أمام الجمهور لا قيمة لها ولا تستحق الحكم والتغطية على أي إنجاز حكومي وتشويهه ووأده في مهده واتهامها الفساد والديكتاتورية لهز ثقة الشعب فيها واستغلال الجهاز البيروقراطي لتعقيد وعرقلة مصالح المواطنين وخلق الأزمات المعيشية وإجهاض أي سياسات جديدة تريد الحكومة إقرارها لصالح المواطنين والمستثمرين»[1].

وفي الحالة المصرية برز استخدام مفهوم الدولة العميقة بعد الانقلاب العسكري الذي قام به الجيش المصري على الرئيس السابق محمد مرسي، حيث اتُهِم الجيش بأنه أحد عناصر الدولة العميقة التي قادت الانقلاب وخططت لعزل مرسي.

يعود تاريخ تأسيس الجيش المصري إلى عهد محمد علي باشا، والذي كان له – أي الجيش- دورًا كبيرًا في بناء مصر الحديثة، إلا أن ثورة الضباط الأحرار عام 1952 دفعت بالجيش المصري إلى الحياة السياسية حيث تولى جمال عبد الناصر رئاسة البلاد، وخلفه أنور السادات، ومن بعده حسني مبارك.

ثمة متغيرات كبيرة طرأت على موقع الجيش من النظام السياسي المصري تبعًا لسياسة كل رئيس، إذ تمتع الجيش بدور كبير في الحياة السياسة في بداية عهد عبد الناصر، بينما عمد كل من السادات ومبارك إلى إبعاده عن المشهد السياسي تجنبا لمنافسته إياهم على الحكم، ثمة متغير آخر لدور الجيش وهو الصراع مع إسرائيل حيث إنه وبعد توقيع اتفاق كامب ديفيد للسلام عمدت مصر إلى تقليص الإنفاق العسكري، ومن أجل الاستعاضة عن ذلك دفع السادات بالجيش إلى المجالات التنموية والنشاط الاقتصادي المدني وترافق ذلك مع سياسية الانفتاح الاقتصادي التي تبناها السادات وانفتاحه على الولايات المتحدة التي أمدت الجيش المصري بمعونات عسكرية تقدر بمليار دولار سنويًا، ومع تولي مبارك للحكم والذي وجد الجيش متبرمًا من انكماش ميزانيته عمل على ترضيته من خلال منحه مزايا مادية جديدة، وإعطاؤه دورًا أوسع في مجال التحديث والتنمية، وبهذا يكون الجيش خرج من الحياة السياسية متغلغلًا في الجهاز الإداري للدولة من أجل تأمين مصدر دخل رئيس له.[2]

يسمي يزيد صايغ مصر بجمهورية الضباط[3] في إشارة منه إلى الشبكات العسكرية المستديمة التي تخترق كل فروع ومستويات إدارات الدولة والقطاعات الاقتصادية المملوكة لها والتي تشكلت منذ ثورة الضباط الأحرار وتعززت في فترة حكم السادات ومبارك، ويوضح الآلية التي تسير عليها جمهورية الضباط، بدءا بإعطاء منح لكبار الضباط في فترة عملهم وعند التقاعد مقابل ولائهم للرئيس وتعيينهم في وظائف الجهاز الحكومي المدني والهيئات الرقابية والحكم المحلي والخدمات المدنية ومشاريع الأشغال والمرافق العامة، إضافة إلى المصادر التي تدر دخلًا للمؤسسة العسكرية كالمشاريع الاقتصادية العسكرية والصناعات العسكرية والإنتاج الحربي والمشاريع المدرة للدخل كالفنادق والملاعب.

وبهذا أصبح الضباط المتجذرين بالقطاع الاقتصادي المدني أكثر ميلًا إلى المبادرة التجارية والاقتصادية ويعتمدون اعتمادًا كليًا على التعيين السياسي والمناصب الإدارية داخل الدولة لتأمين مدخل إلى الاقتصاد والحصول على الفرص.

ومما سبق يتضح جليًا التطورات التي حدثت للجيش المصري على صعيد موقعه من الحياة السياسية ودخوله في القطاع الاقتصادي محققًا مكاسب اقتصادية ضخمة، واستحواذه على الوظائف المدنية العليا وتغلغله داخل جهاز الدولة؛ مما يترك انطباعًا بأن الجيش لن يتنازل عن كل هذه الامتيازات التي تمتع بها طيلة 60 عامًا ولن يسمح لأحد بمنافسته عليها.

الدولة العميقة: من 25 يناير إلى 3 يوليو

انتقلت عدوى الثورة العشبية من تونس إلى مصر، فخرجت الملايين إلى الشوارع والميادين تطالب برحيل النظام، حاولت الأجهزة الأمنية والشرطية بالاشتراك مع البلطجية قمع المظاهرات لكنها لم تنجح، بينما كان الجيش حياديًا في بداية الثورة ورفض استخدام العنف ضد المتظاهرين، لا سيما عندما دعاه مبارك إلى فرض الأمن، إلى أن أقر بشرعية المطالب الثورية[4]؛ مما اضطر مبارك إلى التنحي عن السلطة وتسليم إدارة البلاد إلى المجلس العسكري؛ مما اعتبر انتصارًا لثورة 25 يناير (كانون الثاني).

يقول لينين إنه «لا يمكن لثورة جماهيرية أن تنصر، من دون مساعدة قطاع من القوات المسلحة الداعمة للنظام القديم»[6] ولا يمكن فهم موقف الجيش من الثورة دون الأخذ بطبيعة معاملة النظام للجيش «فإذا ما عامل النظام القوات المسلحة معاملة جيدة فمن المرجح أن يسانده الجنرالات في حال اندلعت ثورة ضده والعكس أيضًا صحيح» فما الذي دفع الجيش للانقلاب على مبارك وهو الذي تمتع بصلاحيات وامتيازات كبيرة في عهده؟

ثمة تفسيرات عدة لموقف الجيش من ثورة 25 يناير:

· عدم اقتناعه بما لديه من امتيازات، وذلك بسبب تراجع نفوذه السياسي، وازدراؤه الشديد لجمال مبارك القوي الذي كان مهيئًا لخلافة أبيه.

· استعداده للتضحية بالأسرة الحاكمة لإنقاذ النظام.

· إجهاض حصول تغيير ثوري أعمق.

في خضم فرح المصريين بعزل مبارك واستلام المجلس العسكري إدارة البلاد، وجد الأخير نفسه في مأزق جوهري فهو مطالب بتحقيق أهداف الثورة وتفكيك النظام القديم الذي هو أحد أركانه ومطالب أيضًا بتيسير التحول الديمقراطي رغم أنه لم يعتد أن يحكمه رئيس مدني، ولم يكن يمتلك رؤية لإدارة البلاد، ولم يكن يعي الخريطة السياسية ومشكلات البلاد الاجتماعية والاقتصادية، فلم يظهر تصميمًا على تحقيق أهداف الثورة، بالرغم من قيامه ببعض أهدافها كحل الحزب الوطني واعتقال بعض رجالاته.

وبالرغم من إشرافه على الانتخابات البرلمانية والرئاسية إلا أنه حاول تعزيز نفوذه وقلب المعادلة إن لم تعجبه النتائج، حيث أصدر وثيقة السلمي التي حصن بها نفسه بصلاحيات فوق دستورية، خاصة فيما يتعلق بالقوات المسلحة تحسبًا للمرحلة القادمة، وحل مجلس النواب بعد قرار من المحكمة الدستورية يقضي بعدم دستورية القانون الانتخابي الذي انتخب على أساسه وأصدر إعلانًا دستوريًا مكملًا قبل نتائج الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية تحسبًا لفوز مرسي، وتحصينا لصلاحياته؛ مما دفع القوى السياسية والثورية إلى عقد اجتماع فيرمونت بين محمد مرسي والقوى الوطنية التي اعتبرت الإعلان الدستوري «يؤسس لدولة عسكرية، ويسلب الرئيس المقبل صلاحياته ويستحوذ على السلطة التشريعية».

يتضح مما سبق أن الجيش المصري لم يكن مهيئًا لاستلام إدارة البلاد بعد الثورة، لكنه عمل جاهدًا على تحصين نفسه وضمان امتيازاته والحفاظ على دوره في الحياة السياسية عبر سعيه لنزع صلاحيات من الرئيس الذي ستفرزه الانتخابات لضمان الحفاظ على امتيازاته الخاصة.

جاءت الانتخابات الرئاسية 2012 بالرئيس محمد مرسي بعد فوزه على أحمد شفيق أحد رموز النظام القديم بفارق بسيط، مثلت نتيجة الانتخابات مرحلة مهمة في مصر، إذ جاءت برئيس مدني من جماعة الإخوان المسلمين بعد 60 عامًا من حكم رؤساء عسكريين، عاد الجيش على إثر الانتخابات إلى خلفية المشهد السياسي، غير أنه ظل مؤثرًا فيه، وتردد كلام كثير حينذاك عن أنه أحد أجهزة الدولة العميقة عمل مرسي منذ توليه على تنحية الجيش عن المشهد السياسي فعزل رئيس المجلس العسكري المشير حسين طنطاوي ورئيس هيئة الأركان سامي عنان، وعين المشير عبد الفتاح السيسي وزيرًا للدفاع، ولكن منعًا لاستياء المؤسسة العسكرية برمتها عمل على تحصين امتيازات الجيش وحماية موازنته من الرقابة البرلمانية، وتأصيل ذلك بالدستور.

بدأت أولى الأزمات السياسية في نظام مرسي مع إصداره إعلانًا دستوريًا الذي أحدث استقطابًا سياسيًا ازدادت قوته مع إقرار الدستور الجديد الذي مرره الإخوان المسلمون، وهكذا عاد الجيش لاستعادة ما فقده من شعبية من خلال محاولة تقديم نفسه طرفًا راعيًا للحوار في أزمة الإعلان الدستوري.

العلاقات الخارجية للدولة العميقة

لمصر دور كبير في المنطقة العربية والشرق الأوسط، وإن أي تغير في النظام المصري سينعكس على باقي دول الإقليم، لذلك هناك من نظر بعين الخوف والريبة إلى ثورة 25 يناير ووصول جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم، وقد صبت ثورة يناير في غير ما ترغب به دول عدة كدول الخليج وإسرائيل والولايات المتحدة، لذلك قد عملت تلك الدول بشكل أساسي على دعم قوى الثورة المضادة في مصر في انقلاب 3 يوليو كما عملت على الترويج للانقلاب عالميًا من أجل إكسابه الصفة الشرعية.

أما إسرائيل فإنها معنية باستمرار معاهدة السلام مع مصر وحفظ الأمن في شبه جزيرة سيناء، كما تفترض إسرائيل بأن احتفاظ العسكر بمعظم الصلاحيات في مصر يعتبر مصلحة قومية إسرائيلية، وقد عملت إسرائيل على الترويج للانقلاب العسكري دوليًا من أجل إعطائه الشرعية، كما ضغطت على الولايات المتحدة من أجل ضمان استمرار المعونات العسكرية للجيش المصري، ورأت إسرائيل في الانقلاب استعادة للشراكة الإستراتيجية مع مصر وبعث الحياة في محور الربيع العربي وتجفيف منابع الحركات الإسلامية ومحاصرة حماس.

أما دول الخليج فهي الأكثر تضررًا من ثورة 25 يناير لأنها لا ترغب بوصول هذا المد إلى بلدانها، فهي لا تؤمن بالديمقراطية كأسلوب للحكم وعلى خصومة أيديولوجية مع الإخوان المسلمين، لذلك دعمت الجيش المصري في انقلابه على مرسي، حيث دعمت حكومات الانقلاب في العام الأول بما يقارب 21 مليار دولار، ووظفت علاقاتها الدولية لعدم إدانة الانقلاب.

كذلك الأمر بالنسبة للولايات المتحدة التي تعتبر مصر حليفًا إستراتيجيًا منذ تحول السادات في سياساته تجاهها، ومنذ ذلك الحين تدعم الولايات المتحدة مصر بمعونات عسكرية تصل إلى مليار دولار سنويًا، وتقيم علاقات وثيقة مع المؤسسة العسكرية، ولما قام الجيش بعزل مرسي في 3 يوليو لم تسمه انقلابًا، ولكنها اضطرت إلى إيقاف المساعدات العسكرية مؤقتًا التزامًا بقانون الكونجرس، وقد عملت الولايات المتحدة على دعم أشخاص وجمعيات مصرية معارضة لحكم مرسي من بينهم أعضاء في جبهة الإنقاذ، كما كانت على اتصال بجميع الأطراف قبل عزل مرسي، ولكن دورها كان منحازًا لصالح الجيش إذ حاولت فرض شروط على مرسي تنزع من صلاحياته الدستورية وتجعله رئيسًا صوريًا، ولكن الأخير رفض العرض الأمريكي.

ختامًا

لقد اضطلع الجيش المصري المكون الرئيس للدولة العميقة بدور كبير في الحياة السياسية المصرية بعد ثورة 25 يناير ولم يعد إلى ثكناته العسكرية بعد تولي الرئيس المنتخب رئاسة البلاد، إنما عمل من خلال أدوات الدولة العميقة على إعادة سيطرته على البلاد حفاظًا على مصالحه وامتيازاته الاقتصادية والسياسة، وتلبية لرغبات حلفائه المحليين والإقليميين، وهذا ما يثبته البحث بعد أن كشف عن مصالح الدولة العميقة ودورها في عزل الرئيس محمد مرسي بعد التحريض عليه وتشكيل رأي عام مناهض له ونزول الملايين للاحتشاد ضده في الشوارع والميادين؛ مما دفع الجيش لاستغلال هذه الفرصة المخطط لها للقيام بالانقلاب العسكري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

الفن والسياسة
الربيع العربي
منذ أسبوع
الربيع العربي المنتظر
شارك 74
الربيع العربي
منذ أسبوع