نشكو الظلم والظلمات، ونسعى لإقامة الفعاليات؛ إمّا مطالبة بالمساواة، أو رفع الظلم أو … إلخ. ولم ننتبه لمرّة أن دواءك فيك، وما تبصر، ودواءك منك وما تشعرُ!

نغفل عن سقي المبادئ فينا، إن لم تكن قد ماتت أصلًا، وتحتاج لزرع جديد! نهرول نحو خلع الجذع الأكبر، ولا ندري بأن بُصيلاته في الأنفس متمددة! يقول القائل – «هَرْيًـا وخيبة أملٍ، غاضبًا مزمجرًا – امتى بئا البلد دي تتصلح وتبطل الطبقية اللي فيها دي»؟

وهو ذاته يعود للبيت، فلا يُسوّي بين أبنائه، ويمضى والطبقية في بيته تنمو وتترعرع! والله لن تنتهي الطبقية من الحُكّام، حتى تنتهي من كل حاكمٍ على محكومِيه، تُرى متى تَـفنى تلك؟ عندما يستوي الأب في تعاملاته مع أبنائه بالسوية، لا يُقصِي البنت من أجل الولد، وتَعدل الأم بين أولادها في كل ما تملكه، حتى تصل لأن تعطيهم جميعًا ذات النظرة الحانية، لا أحد دون أحد!

تَفنى! حينما يعامل الأستاذ تلامذته بحق القدوة، لا بحق الجُنيه، يسمع لكل تلميذ، ينصت له قدر ما ينصت لذاك!

تَفنى… حينما لا نفرق بين ولد وبنت فيما لا يخالف ما قال الله، حين لا فرق بين الطفل المعسر في دراسته وأقرانِه الموسرين، فليس ذنبه أن خلقه الله هكذا!

حينما لا نفرق بين اثنين، حين يفهم البشرُ أنهم بشر! يخطئون فيعتذرون، لا يمنعهم عن ذلك سوى إدراكهم لمن المخطئ! يرون الحق يُقاتل، فيقومون ناصرين له، يتعالى الباطل بينهم، فيكسرون شوكته في أنفسهم قبل أنفس الآخرين.

حين نفهم أن الثورة لا تأتي بتجمعات في الميادين فحسب، فالثورة لفظ جامع لكل أنواع التغيير، وأن التغيير لا يتأتي بمصباح سحريّ، ولا بسيف مسنون أو بندقية محشوة، حينها قد يشرق الصبح القديم الذي لطالما انتظر تلك الصحوة، ونادى بها مصطرخًا، ولكن لا حياة لمن يناديهم.

سألتُ مُعلّمي يومًا عن البناء الشامخ في الصحراء كيف يثبُت؟ فأخبرني بأنه لن يكون بناء سوى بلبناته، ولن تصمد اللبنات من ضعفٍ أبدًا!

لا يصنع البناء نفسه، لا يصنع المجتمع نفسه،  فكما أن اللبنات تبني الصرح، فإن الفرد ليقيم الأمّة، ولن تقوم الأمة بفرد ضائع تائِه، لا يعرف واجباته، أو يعرفها، لكن لا يؤديها، مَدينٌ من كل الخلائق، إما باعتذار تكبّر عن إبدائِه، أو بسِرّ أفشاه في لحظة ضعف للنفس، أو بدنيئة عرفها عن خلانه؛ فأقسم أن يعرفها الناس، فاغتابه، أو … إلخ.

مسكين هو، وديونه تغشاه رأسًا، لا يدري أن الأمة كانت تنتظره لينال شرف القيامة، ولم يدرِ أن بقاءه على تلك الحال قليلًا قد يستبدل به الله من يتسلم الراية، إن لم يكن قد استبدل به الله فعلًا، ونحن نأمل فيه الخير!

على مشارف الساعة نقف، فإما أن نسقط في الهاوية، أو ينجينا الله بهمة تحيي القلوب بعدما أماتتها النفوس بأوهام خاوية، وأحلام يقظة غشيت عقولها حتى فقدنا في نفوسنا الأمل، وغدونا نرسم صورة لبطل كصلاح الدين ينقذنا، كأن الأمة مصابة بحمى، وشافيها طبيب، لكن الأمة مصابة بما لا يملك مداواته كأبنائها أو يقبضها الله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد