من آيات الله في الإنسان أن تؤثر فيه الكلمة، بل قد تقلب حياته الفكرية أو الروحية رأسًا على عقب، وترسم له طريقًا جديدًا يختلف تمامًا عما سلكه في سابق أيامه. طبعًا ليس المقصود كل كلمة، ولكن هي كلمة مختلفة يكمن أن نسميها «الكلمة الفارقة»، التي يُفرق بها بين مرحلة قبلها ومرحلة بعدها. قد يأتي بها القدر مرة واحدة في العمر، فتهز أرجاء الإنسان في أعماقه، وتنفد إلى صميم وجدانه، فتدفعه إلى مصيره دفعًا في مسيرة ليس لليأس ولا للاستسلام فيها مكان، وذلك ما تعجز عن فعله أطنان من الكتب (العادية) وآلاف من الخطب (التقليدية). وهناك أيضا «الكتاب الفارق» و«الموقف الفارق»، وهذه الأشياء تفعل فعلها عند نقطة زمنية تشكل «اللحظة الفارقة» في حياة إنسان تحولت أحلامه إلى حقائق، وطار اسمه علمًا بين الخلائق.

أولًا: نماذج فريدة

أعجوبة زمانه

في طريق رجعته إلى طوس تتعرض جماعة من قطاع الطرق لطالب العلم الفتى الطموح محمد الغزالي، وهو ما يزال شابًا في بداية رحلته في طلب العلم، فيسلبونه كل ما عنده من متاع، فيتبعهم الغزالي وكل همِّه استرجاع التعليقة التي دوَّن فيها ما سمعه على شيخه الإسماعيلي، فيقول لكبيرهم راجيًا متذللًا: أسألك بالذي ترجو السلامة منه أن ترد علي تعليقتي فقط، فما هي بشيء تنتفعون به. فيقول له: وما هي تعليقتك: فيقول: كتبت في تلك المخلاة، هاجرت لسماعها وكتابتها ومعرفة علمها. فيضحك ويقول: كيف تدَّعي أنَّك عرفت علمها وقد أخذناها منك فتجردت من معرفتها وبقيت بلا علم؟ ثم يأمر بعض أصحابه فيسلِّم إِليه المخلاة. فيمكث الغزالي ثلاث سنوات على التعليقة ويحفظها عن ظهر قلب (1)، ثم يصبح ذلك منهجًا له في مسيرته العلمية اللاحقة. لقد أنطق الله قاطع الطريق هذا بالكلمة الفارقة لتساهم في تشكيل ذاك النسيج المذهل، فريد عصره وأعجوبة زمانه، حجة الإسلام أبو حامد الغزالي، وما أدراك من هو الغزالي في دنيا العلم.

فارس المناظرات

أما الشاب الهندي أحمد ديدات يكابد الآلام في عجزه عن الرد على أسئلة المتشككين، ودفع شُبه المبشرين، إلى أن يعثر على كتاب قديم يعلوه الغبار في دكانه المتواضع – الواقع جنب معهد للتبشير – بعنوان «إظهار الحق» للشيخ «رحمة الله الهندي»، فتنقلب حياته ويدخل ميدان مقارنة الأديان والدفاع عن عقيدة الإسلام، ويصبح فارسه الذي لا يشق له غبار. لقد كان هذا الكتاب هو الكتاب الفارق في حياة ديدات، بل في حياة كثيرين من مريديه ومن الباحثين عن الحقيقة، أصحاب التواضع والقلوب الصافية.

المفكر الموسوعي

أما الشاب الاشتراكي عبد الوهاب المسيري فتراه يجد الفتاة التي يرغب قلبه بالزواج منها، فيستشير رفقائه في النضال، فيخبرونه بأنه لا يناسبها ولا تناسبه، لأنهما ينتميان إلى طبقات اجتماعية واقتصادية مختلفة؛ لا يرتاح لهذا الجواب، فيسأل والدته المرأة البسيطة فتقول له: يا بني ألا تشعر بالبهجة عندما تراها، فيقول: نعم، فتقول: إذًا تزوجها!

لقد كان هذا هو الموقف الفارق الأول الذي يهتز عنده الفكر المادي عند المسيري، هذا الفكر الذي يعجز في الإجابة عن: «من أين تأتي هذه المشاعر؟!» ثم عندما يرزق بطفلته، وتنشأ علاقة الأمومة الطبيعية بينها وبين الأم بكل ما فيها من الحب والعطف والحنان، يقف الفيلسوف مرة أخرى متأملًا طارحًا السؤال نفسه: «من أين تأتي هذه المشاعر؟!». إن الفلسفات المادية الوضعية التي يعرفها، والتي عكف على دراستها في السنوات السابقة، تعجز مرة أخرى في تقديم إجابة عن هذه التساؤلات الملحة. وبعد مواقف وجدانية وتأملية وفلسفية فارقة متتابعة، وبعد رحلة فكرية شاقة وطويلة، يتشكل لدينا الفيلسوف وعالم الاجتماع الإسلامي العملاق عبد الوهاب المسيري، الذي لا يضاهيه أحد من علماء العرب في نقد حضارة الغرب وتفكيكها.

الفيلسوف العنيد

أثناء الحرب العالمية الثانية في عام 1941م داخل معتقل للنازية في جلفة الجزائرية، وفي موقف فارق غاية في الكبرياء والنبل يقطع الأنفاس، يرفض الجنود الجزائريون أوامر القائد العسكري بإطلاق النار على الجندي روجيه جارودي وأصحابه العزل؛ انسجامًا مع مبادئهم الإسلامية، معرضين بذلك أنفسهم للقتل. يهتز كيان جارودي من عظمة الموقف، وتخترق كلمة الإسلام أذنيه لأول مرة وصولًا إلى أعماق قلبه، دافعة إياه إلى البحث الجاد المتواصل النادر لنحو أربعين عامًا دون كلل أو ملل، يعتنق بعدها الفيلسوف العنيد والمناضل الكبير الإسلام وهو في سن يناهز السبعين. أتظنُّه يرتاح بعد هذا الكفاح الطويل، كلا، ولا لساعة واحدة، بل يكرس نفسه مباشرة دفاعًا عن قضايا الإسلام السياسية والحضارية والفلسفية، ويخوض المسالك الوعرة، ويركب المخاطر في الكتابة والتأليف متخطيًا الخطوط الحمر والأسلاك الشائكة، التي لا يجرؤ أحد على مجرد الاقتراب منها، وعندما يجبر على دفع الثمن، يظل ثابتًا على مبادئه، لا يزحزحه شيء عن الطريق الذي اختطه لنفسه.

ثانيًا: تفسير الظاهرة

تلك الحكايات هي غيض من فيض من الكلمات والمواقف واللحظات الفارقة، التي كانت سببًا في انطلاقة هؤلاء الرجال، بله الأمم والأجيال، وهي كثيرة في تاريخ عظمائنا، بل في كل رجال الأمم. ولندع قصص هؤلاء محفورة في صفحات المجد والسؤدد، ولننزل إلى واقعنا ونحاول أن نفهم هذه الظاهرة.

قانون حركة التاريخ الإنساني

ليست العبرة في هذه الحالات الفارقة أنها صدى لضربة من ضربات القدر تصيب اتفاقًا أصحاب الحظوظ السعيدة، فالقدر لا يحابي أحدًا، ولا هي معجزات خارجة عن القوانين الربانية والسنن الإلهية، لكن هذه المواقف المميزة تندرج تحت قانون التغيير، ومبدأ محورية الإنسان في هذا العالم، اللذين يحكمان حركة التاريخ الإنساني، ويحددان مساره.

إن موضوع التغيير صار في زماننا عِلمًا له قوانينه ومبادؤه، لكن جوهر قوانين التغيير يتجلى في قوله تعالى: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم». هذا هو السر الأعظم الذي لا يجوز أن يغيب عن بال من يروم تغيير حاله والارتقاء إلى الأفضل. وإذا تأملنا في الوقائع التاريخية والأحداث العصرية لوجدنا أن أي انتصار خارجي يحققه الإنسان أو الجماعة في ساحات الواقع، لا بد أن يسبقه انتصار داخلي على الذات وتجاوز لمثبطاتها ومعوقاتها؛ وكذلك أي هزيمة خارجية لا بد أن يسبقها انكسار أو انتكاسة حصلت في داخل الإنسان لصالح النفس الأمارة بالسوء. إن الإنسان أو الجماعة التي تمتلك نفسًا قوية مملوءة عزة وثقة وطمأنينة لا يمكن أن تُهزم أو تستسلم مهما كان الحشد الخارجي للعدو عظيمًا، ومهما كانت الإمكانيات ضعيفة، نعم قد تخسر جولة أو أكثر، لكنك تجدها بعد لحظات منتصبة بعز وإباء تلملم جراحها، وتبحث عن الأسباب، وتعد للجولة القادمة. وفي المقابل فالنفس الذليلة الخاضعة لا يمكن أن تنتصر مهما توفر لها من عوامل النصر والنجاح، وإذا ملَّكتها كنوز الدنيا وجنان الأرض، فإنها تبدده في برهة من الزمان، ثم يأتي الخراب والدمار والانهزام لا محالة.

وعليه فإن النصر قرار يتخذه الإنسان، ومهما طال الوقت لا بد أن يأتي، وكذلك الحال بالنسبة للنجاح والسعادة.

ولذلك يجب أن ندرك أن الأحداث الخارجية لا تكون منفصلة عن وقائع العالم الداخلي للإنسان بأي حال، ولكن التغيير يأتي دائمًا «استجابة داخلية فعالة» لحوادث خارجية، تتمخض عادة عن معاناة وآلام وتساؤلات وتطلعات وأشواق داخلية، تحدث غليانًا وتوترًا مستمرًّا في العالم الجواني، وتكون الواقعة الخارجية إما بمثابة المناسبة التي يُحطَّم فيها السد وتتدفق المياه المحصورة خلفه هادرة في مجراها الجديد، أو بمثابة انطلاقة السهم بسرعة هائلة صوب الحقيقة، وتشكل الواقعة الخارجية القوس الذي يطلق هذا السهم. أما اللحظة الفارقة فتكون بمثابة النقطة الزمنية التي يُسدل عندها الستار عن بداية الطريق وشعلة النور التي تضيئ أوله. وهكذا يأتي التغيير: الانعتاق والانفكاك ثم الانطلاق.

شروط الاستجابة

الواقعة الخارجية التي قد تشكل اللحظة الفارقة لا تلتقطها وتتفاعل معها إلا عقول أتعبها التفكر والتأمل وكثرة التساؤلات، ونفوس أرهقها الألم والحيرة ومكابدة العناء، وهكذا تكون المستشعرات الداخلية قد تهيأت، وعندما تأتي الإشارة الخارجية تحصل الاستجابة الفعالة محدثة هزة وجدانية عنيفة، تتحطم عندها كل القيود الذاتية المكبِّلة، التي تقيمها النفس في وجه التغيير، بضربة واحدة لا تبقي لها أثرًا.

إن اللحظة الفارقة نداء خفي لا تسمعه إلا العقول المتفكرة، والأنفس المرهفة، والأرواح الحائرة، عند نقطة في الزمان، تتقاطع عندها قوة الإرادة، ونفاذ البصيرة، وصدق النية مع ثقل الوقع الخارجي، والنتيجة تغيير داخلي يورث راحة بعد أن يبلغ التوتر الداخلي مداه، وحركة خارجية وسعي دؤوب في إعادة تشكيل الواقع الخارجي بما يتناسق مع النور الذي سطع في أعماق القلب، وتحقيقًا للرؤية الجديدة التي لمعت في فضاء العقل.

الاستجابة الداخلية هي نتيجة لجهود تراكمية كبيرة سابقة، وتأملات عميقة ونظرات ثاقبة، واعتبار بالأحداث وأحوال الواقع على امتداد زمني قد يطول، أكثر منها تحول فجائي وإلهام لحظي قادم من عالم الخارج. أما «فاعلية الاستجابة» فهي الترجمة الصحيحة والضرورية للتغيرات الداخلية بوصفها فعلًا عمليًّا ملموسًا على أرض الواقع؛ وتأثير اللحظة الفارقة التي نتكلم عنها لا بد أن يصعد هذا المرتقى، وإلا كان تأثرًا محدودًا لا يلبث أن يذهب أدراج الرياح.

عوائق الاستجابة

كثير من الناس تطرق اللحظة الفارقة أبوابهم مرارًا، ولكن دون أن تحصل منهم أي استجابة، أو حتى مجرد توقف للتفكر في الموقف، وأنَّى تحصل والأدوات اللازمة مفقودة، والباطن كالبيت الخرب، والعقل منصرف إلى اتباع الأهواء، والبدن انغمس في الشهوات والملذات، فلا فكرة ولا أمل ولا أشواق ولا تطلعات ولا ألم ولا عناء. ولكن صحراء ليس فيها إلا الخواء. فلا غرابة ألا تؤثر في النفس كلمة أو موقف أو كتاب، وعندما تحضر اللحظة الفارقة لا يشعر بها هؤلاء، بل يطأونها بأقدامهم متابعين مسيرتهم في حياة البهيمية الصماء.

وللأمم نصيبها

والأمم لها نصيب من اللحظات الفارقة أيضًا؛ فالنوع الأول من الأمم يطيب لها حياة الذل والهوان، وكل لحظة فارقة عندها هي انحدار في سلم التخلف والضياع، ذلك أنها استمرأت من قبل الخنوع والخضوع، ولم تتحرك كرامتها وهي تداس بالأقدام، فسلَّمت بالأمر الواقع، ورضت بالقدر المحتوم، فتوقفت عن السعي والفكر والعمل.

اللحظة الفارقة عند أمة من الأمم قد تكون رجلًا صالحًا تسلِّمُه مقاليد حكمها ثم تخذله، أو قاطع طريق يغتصب السلطة فتهابه؛ وقد تكون عالمًا بصيرًا ورعًا تتجاهله، أو حامل علم متفيهقًا يبيع دينه بدراهم فترفعه وتتبعه؛ قد تكون اللحظة الفارقة جيلًا من الشباب الواعي المبدع فتطرده خارج أرضها، أو نفرًا من الشباب التافه فتصدِّره وتعظِّمه.

أما النوع الثاني من الأمم، تكون اللحظة الفارقة لديها هي الانطلاقة إلى تشييد البناء، وإرساء الحضارة، واعتلاء سلَّم المجد، كيف لا، وقد أعدت تلك الأمة سنوات طوالًا من التأمل والبحث والنظر والتفكير والتأليف والتخطيط والعمل، وخلَّفت وراءها لياليَ حالكة مليئة بالآلام والأحزان والمعاناة، ولكن ما فارقتها آمال عريضة وأشواق كبيرة للمجد المفقود والعز المنشود.

السعي وليس الانتظار

اللحظة الفارقة بذرة يسقيها المرء من مشاعره وحبات قلبه ونظرات عقله، حتى إذا صارت شجرة وأثمرت قطفها، فتكون له زاد المسير، والمصباح المنير؛ ومن لا يزرع لا يحصد إلا الأشواك.

وخلاصة الكلام: اللحظة الفارقة لا تأتي صدفة فلا تنتظرها، اللحظة الفارقة شجرةٌ مثمرةٌ فازرعها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد