لمحة تاريخية عن الإسلاموية

إنطلاقًا من الثلاثينيات، سيبادر حسن البنا، مؤسس حركة الإخوان المسلمين في مصر، وأبو الأعلى المودودي. مؤسس حزب جماعة (جماعت إسلامي) الهندي الباكستاني إلى إيجاد حركة فكرية جديدة تجهد في تعريف الإسلام نظامًا سياسيًّا في الدرجة الاولى، وذلك على ضوء أبرز أيديولوجيات القرن العشرين. إلا أنهما سيضفان طابع الشرعية على التجديد بخطاب حول «العودة» إلى النصوص وإلى الإلهام الأصلي، إلهام الجماعة المؤمنة الأولى.(أوليفييه روا 7)

كانت بداية تأسيس حركات الإسلام السياسي  في الصومال في منتصف الستينيات عندما عاد إلى أرض الوطن من خريجي الجامعات الإسلامية في كل من مصر والسعودية وتأثروا بالإخوان المسلمين، لكن لم يظهروا في الساحة الصومالية إلا بعد انهيار الدولة المركزية.

لكن بعد فشل الدولة القومية الصومالية في إنشاء الدولة القانون، والمواطنة، أفسحت المجال لحركات الإسلام السياسي في هيمنة الدولة.

ومن هنا يرى الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني فان ظهور الإسلاميين باعتبارهم دعاة معارك المصير، لم يكن إلا عن طريق ما بعد القومية لميل الفراغ الهوياتي الذي خلقه فشل الدولة الأمة وسقوطها في النهاية.

إن الإسلاميين قد جذروا معارك الهوية ولم يستبدلوها ما زال الحلم السياسي كما هو: دولة الهوية هم لم يفعلوا غير تملك جهاز الهوية الذي اخترعته الدول القومية الحديثة من القرن التاسع عشر وحولوه إلى أداة حرب هوياتية ضد شكل وجود الدولة الحديثة لقد غيرت الهوية من ملابسها الدعوية أما لب الانتماء فهو واحد، إنه الانتماء إلى الماضي الأساس، الماضي التأسيسي لطبقة معينة من ذاكرتنا العميقة واستعماله كوسيلة ابتزاز ميتافيزيقي ضد إرادة الأجيال الجديدة.

إن السياسة بالنسبة للحركات الإسلامية من لوازم الدعوة وضرورتها المركزية بمعنى أنها شرط وجودي، ولأنها كذلك يصبح تعريف الإسلام مدغما بالدولة، الشعار الأثير لديهم الإسلام دين ودولة، وبالتالي الدعوة والدولة كينونة بنيوية واحدة والنموذج الوحيد للدولة الذي حافظ الإسلاميون على طهارته بقي في الحدود النموذج المثالي الذي استمد من المدونة التاريخية الفقهية متمثلًا بتجربة النبى، صلى الله عليه وسلم، والخلافة الراشدة دون أن يتعرض إلى بحث منهجي. (عبد الغني عماد مجلة إضافات 54)

ولذلك يرفضون الحركات الإسلام السياسي في الصومال نظرية الدولة الحديثة، والديمقراطية. ويرون أنهما نظريتان غربيتان، ويرون الأخيرة أنها تؤيد الإرادة الشعبية ضد الإرادة الإلهية.

ويرى الإسلامويون حكمًا ذا شكل إسلامي عندما يكون أعضاؤه مسلمين ويمارسون واجباتهم الإسلامية وفرائضهم الدينية ولا يعصون الشرائع الإسلامية.

فالمحرك الحقيقي للمجتمع الإسلامي كما يصف أولفييه روا في نظر الإسلامويين. هو الإنسان المؤمن. ولكي يصبح هذا الإنسان مؤمنًا بالفعل و(إنسانًا إسلاميًّا) ينبغي أن يكون قد أفلح في كسر المجتمع القديم بالعمل السياسي. لكن ومتى قامت الدولة الإسلامية فإن العدالة لا تكون نتائج عمل بقدر ما هي نتائج تضافر سلوكات  الناس، الذين أصبحوا أتقياء ويتقيدون تلقائيًّا بأحكام الشريعة دون الحاجة أن تفرض عليهم.

فإن الإسلامويين يخلطون الدولة الحديثة بمفهومها الحديث أي: السيادة الدولة، جهاز الدولة البيروقراطي، إنتاج الذات الوطنية، وبين الدولة الإسلامية قبل الدولة الحديثة التي كانت السيادة لله.

سجلت الحركات الجهادية الإسلاموية حضورًا مبكرًا في الصومال في أوائل التسعينيات، بمختلف مشاربها، مرورًا بالاتحاد الإسلامي، إلى المحاكم الإسلامية، انتهاء بحركة الشباب المجاهدين الإرهابية. وكان هدفهم إقامة دولة الإسلامية في الصومال.

إن الحركات الجهادية  الإسلاموية في الصومال كانوا يبررون لوجودهم غزو الأجنبي في البلاد خاصة إثيوبيا. كما فعلت القومية الصومالية التي كانت تبرر لوجودها فى إعادة إقليم الأوغادين التي تحتل إثيوبيا بعد إخفاق مشروعها خاصة في ظل نظام حكم سياد برى.

بعدد تفكك المحاكم الإسلامية، تأسست حركة الشباب الإرهابية، التي تسيطر على جنوب ووسط الصومال، التي هجرت وقتلت الآلاف من الصوماليين، من أطباء، وسياسيين، وجنود، ومدنيين عاديين.

ومن هنا نأخذ مرة أخرى المسكيني الذي يرى أن الإرهاب لا يسعى إلى تحسين في شروط الحياة الحديثة، من مواطنة وحقوق إنسان ونسبة المشاركة في الحكم واختيار الحكام بالاقتراع الحر والشخصي وتداول السلطة، إنهم لا يعدون بأي مستقبل.

بل هم ما لبثوا يكررون أن الهدف الأكبر هو النداء المجرد وغير التاريخي بضرورة تطبيق الشريعة أي شرع الله وليس شرع البشر.

فإن أهم ركن في دعوى الإرهاب حسب المسكيني، هو هدم الدولة باعتبارها حاجزًا أمام تطبيق الشريعة باعتبارها الجهاز الشرعي الوحيد الجدير بتحمل مهمة «العدل» في الأرض أو بين البشر. وإن عداوة الدولة هي التي تبرر عندهم «قتل» الأمنيين والجنود باعتبارهم «طواغيت» أي أوثان سياسية تستعملها الدولة «الدنيوية» من أجل القضاء على حلم «المؤمنين» بالحكم الشرعي.

يبد أنه علينا هنا أن نفرق بصرامة بين الدولة والحكم: إنهم لا يقتلون من اجل إقامة «دولة» فهم لا يسمونها بهذا المصطلح إلا تجوزًا، بل لبسط نوع محدد من الحكم، هو حكم لا علاقة له أيضًا بالمعنى الحديث للسيادة.

تفترض السيادة دولة ذات إقليم وحدود وسكان ودستور، الحكم الإرهابي هو استعمال رسمي ومعتمد ومقنن للموت أو للقتل باعتباره وسيلة عقاب نهائية أو أخروية للـ«أعداء» باعتبارهم كفارًا إفتراضيين. لا تحدد للعدو سوى كون هويته الاجتماعية ترتبط بجهاز «الدولة الحديثة» ومن هنا، من الوهم الاطمئنان إلى أن مساحة العداوة سوف تنحصر دائمًا في مساحة من يسمونهم «الطواغيت» اي الأمنيين والجنود. إن مساحة العداوة سوف تنسحب لا محالة على كل أنواع التواجد داخل الخارطة القانونية أو الاقتصادية أو المعنوية للدولة الحديثة. ومن ثم يمكن جد أن يصبح «عمال الوظيفة العمومية» أو رجال الأعمال أو لاعبو الفرق الرياضية أو التلاميذ أو الطلبة، في مرمى الإرهاب باعتبارهم الجنس الثاني من الطواغيت ومن ثم يجب تصفيتهم.

كما فعلت حركة الشباب الإرهابية التي كانت تقول في بدايتها نحن نستهدف «طواغيت»، أي بمعنى من يعمل مع الدولة سواء السياسيين أم الجنود.

لكن في النهاية شملت «طواغيت» شعبًا عاديًّا من (طلاب، وعمال).

خلاصة القول: فإن الإسلامويين في الصومال يعاني من إفلاس في المشروع، لم يعد لهم شيء يقدمونه للمجتمع الصومالي سوى الدولة والفوضى والإرهاب، لكن المشكلة الأكبر لا يوجد معارضة حقيقية تريد بناء الدولة المدنية في الصومال.

بل أصبح نخب السياسية الصومالية غارقة في خناعات عشائرية وبلا رؤية وطنية، وأصبح شاغلهم الشاغل نهب الثروات الشعب الصومالي، وأن يصبحوا طبقة (البرجوازية).

لن يتم هزيمة الإسلاميين في الصومال حتى يتم تقديم مشروع تحديثي قائم على أساس الدولة القانون، والمواطنة، والعدالة الاجتماعية، والتعلم من أخطاء تجربتنا خلال حقبة الاستعمار، والقومية الصومالية، حيث كان التحديث سلطويًّا وقمعيًّا وكان التحديث من الأعلى (البيروقراطية، الجيش)، وبدا التحديث من الأسفل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد