المسيرات والاعتصامات من أدوات الشعوب التعبيرية التي لا مراء فيها؛ إذ لا تحمل أوجهًا كثيرة في العادة، غير أنها السلاح المتبقي في جعبتها، وجرس الإنذار الأخير الذي تدقه الشعوب لإشعار حكوماتها بالسخط والامتعاض الذي في داخلها.
وتعد أسلوبًا فاعلًا ومؤثرًا للضغط على الحكومات في كل دول العالم الحديث، ووسيلة حضارية للرفض والاعتراض، وتعد تجليًا واضحًا ومستساغًا بعرف تلك المجتمعات والدول، وثقافة صحية سائدة كردة فعل للشعوب الحية في سياق طبيعي مألوف، لأي عمل تقوم به الحكومات يعكر الحياة العامة لها، خصوصًا حينما تجد قصورًا لدى ممثليها المفترضين في برلمانات تلك الدول.

عندما يمس ديمغرافيتها وأمنها الاقتصادي، ضاغطًا عليها برغيف خبزها ولقمة عيشها، متلاعبًا بحدها الأدنى للبقاء، ومخلًّا باستقرارها الجيوسياسي، ويعمل على ضربه في هويته ومعتقداته، عامدًا إلى تغييرها قسرًا وإجبارًا، وولوغًا في العبث بثقافته واتجاهاته، وتشويهها مع سبق إصرار وترصد، أو يحد ويقيد حريته، محاولًا السيطرة على معتقداته الدينية والاجتماعية.
متخذًا عنها زمام المبادرة، وشارعًا في هذه التحولات، دون الرجوع إلى مادة الدول وروحها النابض، الشعوب، متناسيًا دوره الرئيس أنه أداة تنفيذية خدماتية في الأساس، وأنه سلطة من عدة سلطات تحكم حياة الشعوب وتنظمها، التي يجب ألا تدخر جهدًا في السعي لكسب رضاها، وتجنب غضبتها، والبعد كل البعد عن إغاظتها، بل من الواجب عليها سماع احتياجاتها ورغباتها، وتفهمها والتماهي معها، ذلك في المقام الأول، والتركيز في صميم عملها واختصاصها.

إذ لا يعد هذا إلا وضعًا اعتياديًّا في تفاعلات الدولة والشعب، والاشتباك الدائم المحمود لحياة الأمم والحضارات، ولا تكتفي تلك الدول بالفهم والاستيعاب لهذه الحالة فقط، بل تعمد إلى العمل الحثيث والدؤوب والمدروس لتفسير تلك القرارات والتوجهات وتبسيطها ضمن حركة مستمرة. وتقديم المبررات لماهيتها ودوافعها، وما جذور الدولة وخلفياتها ومقاصدها، وعلى رأسها الحكومة، لاستدعاء هذا الجديد من قمقمه.

مستخدمة جميع مفاصلها، مستنفذة كافة الوسائل والقنوات المشروعة والمفتوحة مع الرأي العام والعقل الجمعي لتلك للجماهير، ممثلًا في الأحزاب وقواعدها الشعبية، ومؤسسات المجتمع المدني، وجماعات الضغط المختلفة؛ للوصول لكلمة سواء بينها وبين الشعوب، عبر الحوار، ولا سبيل غير الحوار، والتسليم لما ينتج عنه، إما تعديلًا لتلك القرارات بما يقبله الطرفان من تسويات وتنازلات، وإما العدول عنها جملة وتفصيلًا.

معلنًا أحدهما نصره على الآخر، وما النصر في حقيقته إلا لهذه الحالة الحية. إذ لا وجود لحكم الوطن عليَّ دون مواطنة أو مواطنة دون حكمه عليَّ. التي تتجلى في رسم صورة العلاقة التشاركية المفترضة بين الوطن والمواطن، والمكملة بعضها لبعض أمام الأمم والحضارات الأخرى.
تحت وصاية وعاء دستوري صادق يضمن للجميع الحقوق والواجبات، يحدد ارتباط الظاهرة بفعل الفاعل، وعلاقته بالمفعول به. وتسمية الأمور والمواضع بتسمياتها السليمة التي تستحق، في معادلة صفرية لا تقبل عواملها إلا استيفاء شروطها كاملة للوصول إلى الحل.
ذلك في رسم جمالي قد لا يخلو من الشوائب والمشكلات، التي تستوجب التطوير والتعديل الدائم؛ لسد العيوب والثغرات في نظامه العام لدول العالم الأول.

أما في عالمنا الثالث فنسيع بهذا الرسم الذي تتخذه كثير من الدول في حكم نفسها انتقادًا، وتحميله أوجه قد لا يحملها في الأصل، ورميه بجميع الموبقات في سبيل لفظه ورفض طرحه، كطريقة قابلة للتطبيق والتنفيذ على أرض الواقع، ووصفه بأبشع الأوصاف.

مستميتن في إجهاضه بأي شكل من الأشكال، مدعين أنها أداة عبثية للتعبير عن الرأي والرفض ضد القرار الحكومي تارة، أو أنها أداة خير أريد بها باطل في تارة أخرى. إذ إنها لا تتيح للحكومات أداء عملها أداء صحيحًا، وإعطاءها الفرصة الكافية لتحقيق تطلعاتها وطموحاتها التي تصبو إليها من تنمية مستدامة، وازدهار واعد، أو المساعدة في الخروج من عنق الزجاجة على الأقل.

بل يحملونها كذلك عجزها عن تقييم قراراتهم فيما بعد، ودراسة إحداثياتها وجوانبها، والتسرع في رؤية حيثياتها وتأثيراتها، معتبرين أنها عبارة «عن وضع العصي في الدواليب» كما يقولون، في أحاديث اعتادت شعوبنا طرقها على مسمعنا.

وإذا استنفذوا جميع ما يملكون من أوراق لا يجدون إلا أن يلاعبونا بورقتهم الرابحة كما يهيأ لهم، فيبدؤون في تكرار أسطوانتهم المشروخة على أنها مساهمة حقيقية في إشراع الباب لمؤسسات ذات أيد خبيثة وأجندات خارجية، لا تصب في مصلحة الوطن والمواطن. وروادها المشاركون فيها أصحاب نفسية مريضة، ونزعة تخريبية في الداخل والخارج.

وتتهم أيضًا بأنها ذات نفوس طامعة في مقدرات وطننا الحبيب، وأسلوب دنيء للتفاني لإثارة الفتنة والفوضى والبلبلة على حد سواء. والسماح للجميع، أيًّا كانت دوافعه ومنطلقاته، بإيقاف عجلة الاقتصاد، أو بالأحرى الحياة، كما يصفون ذلك من بنات أفكارهم. والتلاعب بلقمة عيش المواطن البسيط وسرقتها باسم الحريات والحقوق، وغسيل الأدمغة والعقول، والعمل على إعادة تموضعها في مجتمعاتها وتشكيلها، ليس كما تحتاج أوطانهم، وذاك في تصورهم النفعي لهيئة الوطن.

مثيرين العديد من التساؤلات: لماذا الاعتصامات والمسيرات في ضوء برلمانات ومجالس مدنية انبثقت من الشعب وإليه؟ إن من فشل في إيصال رسالته بتلك الطرق الرسمية التي لها الوزن والقيمة الاعتبارية في مؤسسات الحكم ودوائر القرار، سينجح في الاعتصامات والتظاهرات؟ أليس الأجدر أن يؤسس جماعات يكون الضغط على الحكومات فيها ركيزة أساسية للتعبير عنهم، بدلًا من الرقص على الإيقاع؟

الرد على هذه التساؤلات ببساطة: أليست تلك البرلمانات والمجالس منتخبة على أساس قانون انتخابي بمقاس دولتكم؟ ألا تأتمر بأمر حضراتكم؟ أليسوا من صفوة رجالكم؟

ألم تكن كل جماعات الضغط التي نؤسسها يزج بمؤسسيها ومناصريها في السجن؟ ومؤسسات المجتمع المدني التي ندعمها تقفل؟ وتبقى مؤسسات مكبلة ترضى بالسقف المنخفض الذي حددتم، وتبقى مؤسسات مفرغة من مضمونها، تستخدم ورقة توت تدارون بها سوءاتكم أمام المجتمع الدولي وجماعات حقوق الإنسان؟ أليست تلك الأحزاب أحزابًا كرتونية هزيلة، ومفضلة البقاء تحت مظلة سيادتكم وتدور في فلككم، إذ لا تتعدى في وصفها مجرد دكاكين كما ترغبون؟

لماذا هذه الكمية من التخوين والدخول في النوايا؟ لماذا تقرنون تعبيرنا هذا بالعصيان والخروج عن ملة الدولة والوطن؟ أم الدولة والوطن محصوران لأصحاب النفوذ والذوات، وحكرًا على الفسدة وسارقي المقدرات؟ فماذا بقي لنا نحن من الوطن إذن؟ أم أن نصيبنا منها الغرم فقط والتألم بصمت؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد