يراهن الكثير من المراقبين للشأن العراقي، ومن بينهم سياسيون عراقيون على انتهاء المظاهرات، التي شهدتها محافظات الجنوب والوسط، مع انتهاء موجة الحر، وأن هذه المظاهرات لن تؤثر على سير العملية السياسية في العراق، وحجتهم في ذلك أن هذه المظاهرات مجرد انفعالات موسمية من بعض المواطنين قد بدأت، كما المظاهرات السابقة، بسبب انقطاع التيار الكهربائي المتزامن مع بداية شهر يوليو (تموز) الذي تصل فيه درجة الحرارة إلى 50 درجة مؤية.

وسواء استمرت المظاهرات أو لم تستمر، فقد حصدت ثمارها الثمينة، ليس المقصود هنا تحقيق مطالب المتظاهرين الأولية، والتي تتلخص بتوفير الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وفرص عمل وتعليم … إلخ، بل كان المكسب الحقيقي هو تجريد الزعماء السياسيين والدينيين من أقنعتهم النبيلة وهالتهم القدسية، التي طالما دفعت العراقيين إلى اتباعهم والتمسك بهم باعتبارهم حماة الوطن وسوره الآمن.

لقد تنامى الوعي السياسي لدى العراقيين، ولم تعد الكهرباء والماء مطالب للمتظاهرين، صار المطلب الأساسي اليوم التغيير الجذري للنظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية منذ عام 2003 وإبعاد جميع الأحزاب التي شاركت في «تقسبم الكعكة» عن مركز القرار السياسي، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني فضلًا عن إعادة كتابة الدستور.

الأحزاب السياسية التي تعتاش على الأزمات واستشراء الفساد، لا يمكن أن تبني دولة مؤسسات أو تضع الحلول الملائمة لمشاكل المواطنين الخدمية، كما وأن أهدافها ومصالحها تتناقض، كليًّا، مع فكرة قيام دولة مدنية قوية، تكون قادرة على فرض سيطرتها من أجل البدء بتصريف شؤون مواطنيها بطريقة نزيهة وعادلة. ولايحظى المواطن العراقي أيضًا بأي اعتبار لدى تلك الأحزاب، ولن يكون أكثر من رقم يدفع به إلى جبهات القتال تارة وإلى صناديق الاقتراع تارة أخرى.

أحزاب شوفينية رجعية لا تؤمن بالحقوق والحريات العامة للمواطنين، اغتصبت العراق وأخضعت المجتمع العراقي بقوة السلاح والخطاب الطائفي المضلل، لا تتردد في ممارسة القمع والبطش ضد كل من يرفض سياستهم في إدارة شؤون الدولة.

المئات من المتظاهرين سقطوا بين شهداء وجرحى بنيران الحمايات الخاصة لمقرات أحزاب السلطة، بسبب تظاهرهم أمام تلك المقرات ورفعهم شعارات تطالب بمحاسبة الفاسدين، ولم تتوقف حملة القمع ضد المتظاهرين إلى هذا الحد، بل توسعت إلى اغتيال الناشطين المدنيين والبارزين في تنظيم المظاهرات بالتزامن مع اعتقال وتعذيب العديد من المتظاهرين من قبل القوات الأمنية، إلى جانب نعت المتظاهرين، من قبل قياديين في أحزاب السلطة، بالجهلة والمخربين أو بالبعثيين والمندسين. وأطلقوا الوعيد بالقصاص من كل من يجرؤ على المساس برموزها أو مقارها بالفعل أو القول.

وقد حاول رئيس الوزراء حيدر العبادي إنهاء المظاهرات بشتى الوسائل المتاحة، فهو يعرف جيدًا أن استمرار المظاهرات ستؤدي إلى تقويض آماله في حصوله على ولاية ثانية، كما وستؤدي، أيضًا، إلى إنهاء حقبة حزب الدعوة في رئاسة الحكومة، فمن جهة حرك مختلف قطعات الجيش (جهاز مكافحة الإرهاب وقوات سوات وقوات مكافحة الشغب) للسيطرة على المظاهرات وإنهائها، ومن جهة أخرى دعا بعض شيوخ عشائر المناطق المحتجة للقاء بهم وشراء سكوتهم مقابل حفنة من المال.

من المؤكد أن هذه المظاهرات لا تحدث تغييرًا آنيًا في النظام السياسي الحالي، أو تدفع الطبقة السياسية الحاكمة إلى تبني سياسات من شأنها تقديم الحلول والنهوض بواقع الدولة والمجتمع، فهذه الطبقة السياسية غير مؤهلة لإدارة البلد ولا تؤمن بالنظام الديمقراطي ودولة المؤسسات، رسخت مفهوم المحاصصة الطائفية والتي ترجع إليها مجمل الأزمات والكوارث التي عصفت بعراق ما بعد 2003، وقد باتت العمود الفقري للنظام السياسي العراقي، لكن المظاهرات أنتجت وعيًا سياسيًا وطنيًا لدى الشعب العراقي، خلاصته أن لا وطن مع هذه الطبقة السياسية الرجعية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد