لا يفارق خيالي يوميًا كيف يقضي المعتقل يومه في السجن، وكلما بدأت أتخيل كيف يبدأ يومه في هذا الجو الصعب سواء من حرارة الجو، أو من إيذاء السجّان له، أو حتى مجرد وجوده بين أربعة جدران دون ذنب أو جريرة سوى أنه أراد الحرية للذين يؤيدون سجنه، زاد يقيني أن الله يختارهم كما يختار الشهداء، فأي صبر وأي رضا بقضاء الله الذي يملأ صدورهم ويعينهم على تقبُّل هذا الوضع الصعب.

إن تحمل أكثر من عشرين ساعة داخل الزنزانة وذلك في أحسن الفترات المسموح فيها بممارسة الرياضة والخروج من الزنازين، هو قمة الثبات لهؤلاء الأبطال، وحسن الظن بالله وبأن ما عند الله خير وأبقى، فعندما تلقاهم يبثون فيك الأمل والرضا والصبر والرجولة، يعرفون قضيتهم حق المعرفة، ويوقنون بنصر الله تمام اليقين، مُدركون طبيعة الصراع وأهمية المرحلة الحالية في الصراع بين الحق والباطل.

إن أقلّهم تضرّرًا هو من فقد وظيفته، أو من توقف مصدر رزقه، فهناك من صودرت جميع ممتلكاته، وتجمدت أرصدته، وتأممّت شركاته، لكن الجميع هناك متساوون في الصبر والرضا.

إنهم جميعًا ثابتون صامدون، فماذا عنك أنت؟

ليس المطلوب منك أن تتعلم منهم الصمود (المُعتقلون علمُونا الصمود) بل المطلوب هو أن تتحرك وتبذل قصارى جهدك لتحرير المعتقلين، هو ألا تترك سبيلًا إلى هذا الهدف إلا وتسلكه، فعل المعتقلون ما بوسعهم ونشكر جهدهم، لكن هل أديت أنت دورك؟ هل استنفدت جهدك؟

إن تحرير المعتقلين مسئوليتنا جميعًا ولا يحق لنا التفكير في أي شيء من أمور حياتنا الخاصة والعامة بمعزلٍ عن هذه القضية، فليس الوقت الآن وقت الشعارات بل وقت البذل، وقت التنفيذ، فلقد جلس الجميع سنواتٍ يدرس الإسلام بشكل نظري، ويسمع القصَص والنوادر، وحكايات السيرة ثم يلقي علينا جميل الخواطر ليشرح لنا تلك المواقف، وها قد جاء وقت التنفيذ.

إن الطبيب الماهر هو الذي يعرف كيف يسيطر على سير العمل في غرفة العمليات، وليس من يحفظ الآثار الجانبية المكتوبة على علبة الدواء، إن الطبيب إذا استمر في دراسة الطب عشرين سنة بدلًا من ست سنوات لن تتمكن من الحُكم عليه إلا عندما ينزل إلى ميدان العمل، هذا لا يعني عدم أهمية الجانب النظري بل هو مجرد أساس لأشياء كثيرة وهامة تأتي بعد ذلك، فلا يمكن أن تسكن بيتك بعد بنيان القواعد فقط.

يجب أن يكون الهدف الأول في أذهان أصحاب القرار هو حصول المعتقلين على حريتهم، وليس محاولة إثبات أن الجماعة أو الحزب على قيد الحياة، فإذا كُنتم صادقين (وأنتم كذلك إن شاء الله) في أنها دعوة ربانية وأن ما تطمحون إليه هو أن يسود شرع الله فلا داعي للقلق لا على الدعوة ولا على الشرع، فالله كفيل بحفظهما.

يجب أن يستمع جميع الأطراف دون شروط ودون مواقف مُسبقة، لكل الاقتراحات التي من شأنها حل الأزمة، وأن يشارك الجميع دون استثناء في وضع التصور المطلوب للخروج من الأزمة، وأن يكون للشباب التمثيل الطبيعي بل الأكثرية فهذا مُستقبلهم يكتبونه كما يريدون، وألا نغفل آراء المعتقلين فهم من الأطراف الفاعلة والمؤثرة في وضع تلك الاستراتيجية لمواجهة الانقلاب، وأن تخلُص النوايا حتى لا يخسر معسكر الشرعية أكثر مما خسِر بسبب سوء الإدارة وأُحادية القرارات.

إن الأوطان لا تُبنى بالأماني، ولا تُنصر الدعوات بالنوايا الصالحة، وقد انتهى زمن المعجزات فلن تُحلّ القضية إلا بالتخطيط والعمل والأخذ بالأسباب واستنفاد الجُهد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات