كانت وما زالت أجاثا كريستي هي سيدة الروايات البوليسية، منذ نشأة ذلك النوع من الأدب في إنجلترا، بل تعد هي الأب الروحي لكل كتاب الروايات البوليسية على مستوى العالم، لك أن تتصور فقط أنه قد بيع لها أكثر من نصف مليار نسخة، وترجمت رواياتها إلى أكثر من 60 لغة، كانت أجاثا مخرجًا للكثير من الشباب في عالمنا لقضاء مغامرات أرادوا عيشها في الواقع، كانت رواياتها بمثابة فيلم على ورق، بها كل أنواع التشويق العقلي الذي يمكن أن تتصوره، استطاعت وببراعة أن تعرفنا على أسلوب التحريات الجنائية الذي تمنى الجميع أن يكون موجودًا في عالمنا، استطاعت أن تدخل بنا إلى فلسفة القاتل في جرائمه، إلى عقل المجرم ووصوله إلى مرحله تنفيذ جريمته، كانت رواياتها هي حجر الأثاث لمقولة إنه لا يوجد جريمة كاملة، وحتى هذا اليوم رغم مرور أكثر من 40 عامًا على وفاتها، فإن رواياتها ما زالت مصدر إلهام الكثير من منتجي هوليوود.

ومنذ وفاة أجاثا حاول الكثير من الكتاب الأوربيين أن يمشوا في طريقها نفسه، فظهر الكثير من عباقرة ذلك الأدب، أمثال بي دي جيمس بسلسلة روايات بطلها الشاعر والشرطي آدم دالجليش، وجون لو كاريه وهو الاسم المستعار للكاتب الأكثر مبيعًا ديفيد جون مور كور نويل، والذي كان ضابطًا بجهاز الاستخبارات البريطاني، والكاتبة روث ريندل صاحبة الرواية الشهيرة المفتش ويكسفورد.

وللأسف اختفى عالمنا العربي من هؤلاء الكتاب، ولكن مع بداية مطلع الثمانيات خُلق ما يعرف بأدب الجاسوسية، وذلك كان بديهيًّا لفترة الصراع العربي الإسرائيلي التي شهدتها تلك الفترة.

سيطر الكتاب الإنجليز على ذلك النوع من الأدب، رغم ظهور عدد من كتاب الرواية البوليسية في الولايات المتحدة الأمريكية، فإنهم لم يحظوا بشهرة الكتاب الإنجليز، كان ذلك قبل ظهور المؤلف الأمريكي دان براون.

دان براون هو مؤلف أمريكي لقصص الخيال والإثارة الممزوجة بطابع علمي وفلسفي حديث، بأسلوب مشوق مكنه من تحقيق أفضل المبيعات، حققت رواياته رواجًا كبيرًا بين الشباب في العالم، رغم قله إصداراته، والتي لا تتعدى سبعة إصدارات، لعل أشهرها «شفرة دافنشي»، الذي تحول إلى فيلم سينمائي من بطولة توم هانكس.

رغم الاختلاف الواضح ما بين أجاثا كريستي، التي اعتمدت على لغة سهلة وبسيطة في كتابة رواياتها، مما سهل الأمر على القارئ، رغم اتباعها أسلوبًا نثريًّا كان في بعض الأحيان يصل إلى درجه الملل، ولكنها استطاعت أن تقضي على ذلك الملل بوضع الألغاز ما بين سطور رواياتها، حتى تجعل القارئ لا يمل ولا يكل في محاولات لمعرفة الشخص المذنب، دائمًا ما تأخذك بفكره مبسطة حول الأماكن التي تزورها وتصفها لك وصفًا دقيقًا، كروايتها جريمة في بلاد الرافدين، وجريمة على ضفاف النيل، وجريمة في قطار الشرق السريع.

اختلف أسلوب دان براون تمامًا عن أسلوب أجاثا؛ فقد اعتاد براون على وضع نظريات علمية صحيحة، وفلسفة الإنسان والطبيعة، وأقحم المنظمات السرية وعالم الماسونية في بعض روايته، كشفرة دافينشي، والرمز المفقود لما يعلمه من أن مجرد ذكر تلك المنظمات سيجعل الجميع يلتفت، نراه في رواية حقيقة الخديعة أقحم ناسا والفضاء، ووكالة الاستخبارات الأمريكية، ووضع صراعًا فيما بينهم جعل القارئ يضع يديه على الكثير من الحقائق فيما يخص عالم السياسة الأمريكية.

رغم أن الحبكة البوليسية، وحبكة الغموض في رواياته ممكن ألا تتعدى الصفحات العشر، ولكن وضعه للمزيد من المعلومات والأسس العلمية، وتفسيرات الكون، والتي لا تكون معلومة إلا للمتخصصين، هو من جعل الكثير من الشباب يتعلق بكتاباته.

قد يصف بعض الكتاب روايات براون بأنها ليست بوليسية، وذلك بالطبع لما لديهم من خلفية عن الروايات الإنجليزية في بدايات القرن العشرين، ولكن يبدو أن التطور العلمي الذي شهده العالم هو نفسه من غير مفاهيم أسس التحريات والغموض في الرواية البوليسية، فلم يعد على المتحري إلا أن يستخدم تحليل الحمض النووي للكشف عن الكثير من الألغاز التي طالما وقفت على محرري الروايات البوليسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب
عرض التعليقات
تحميل المزيد