بالتأكيد، يساهم التعليم والبحث العلمي في حل جزء كبير من المشكلات الآنية التي تواجه المجتمع: فالاهتمام بتطوير التعليم والتركيز على البحث العلمي في الجامعات ومراكز البحوث المختلفة يكون ضمانة لتحقيق التنمية المنشودة في كل المجالات.

يواجه التعليم والبحث العلمي مشكلات عديدة في مصر على كل المستويات فيما يتعلق بالميزانية الضعيفة المخصصة لهذا القطاع، ومعايير الجودة والبنية التحتية والمعامل والمكتبات والأبنية والمناهج الدراسية وأوضاع المدرس وأساتذة الجامعات، وغيرها.

فالاهتمام بالتعليم وتطبيق المعايير الدولية وخلق تنافسية على مستوى الجامعات سوف يساعد على تعزيز المنظومة بأكملها وتطويرها، وكذا وجود عدد من الجامعات ضمن قائمة أفضل الجامعات على مستوى العالم، فمصر ليست أقل من إسرائيل مثلاً، التي بها ثلاث جامعات ضمن أفضل 100 جامعة على مستوى العالم في تصنيف عام 2015، وخمس جامعات ضن أفضل 500 جامعة في تصنيف 2016.

وسوف يعمل التعليم الجيد على حل معظم المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها الدولة، وزيادة الإنتاج في القطاعات المختلفة، وتعزيز الصناعة الوطنية وزيادة الصادرات، واستعادة ثقة المستثمر الأجنبي، وتطبيق الأساليب الحديثة وزيادة التعاون مع عدد من الجامعات الأجنبية، وهذا بالضرورة سيعمل على خلق مزيد من فرص العمل للشباب وخفض معدلات البطالة والتضخم… إلخ.

لا تقل أهمية الإنفاق على التعليم عن الإنفاق على التسليح، بل في بعض الحالات تكون أولى، فإذا كان التسليح يحمي الدولة من أي مخاطر أو تهديدات خارجية أو داخلية، فإن التعليم بدوره يحمي الدولة أيضًا من الانزلاق في غياهب الجهل والضلال والتخلف والتدهور.

لا تتجاوز ميزانية التعليم في مصر واحدًا في المائة من إجمالي الدخل القومي، بينما في إسرائيل تتجاوز أربعة في المائة، ولهذا جعلها تمتلك عددًا من الجامعات والمعاهد ضمن التصنيف العالمي.

إعطاء أولوية للتعليم والبحث العلمي لهو من الضرورة القصوى؛ لأن ذلك يساهم أيضًا في محاربة الإرهاب بدلاً من استخدام الحلول الأمنية فقط، التي أثبت فشلها في كل الدول، ومنها مصر.

لن يُجنى ثمار ذلك بدون الاهتمام بالمعلم في كل المراحل التعليمية، سواء في مراحل التعليم الأساسي أو التعليم الجامعي.

في الحقيقة، حال المعلم أو أستاذ الجامعة في مصر «لا يسر عدوًا أو حبيبًا»، إذ إنه –مثل فئات كثيرة في المجتمع– لا يجد اهتمامًا على المستوى الرسمي فيما يتعلق بالإنفاق على الأبحاث، أو فيما يخص دخله المادي الذي لا يقارن بما يقدمه من إنجازات.

وفق إحصائيات اتحاد علماء المصريين في الخارج، هناك أكثر من 86 ألف عالم مصري يعملون في جامعات مختلفة على مستوى العالم، وأن مصر تأتي في المركز الأول في عدد العلماء على مستوى العالم، منهم أكثر من 1883 عالمًا في تخصصات نووية نادرة، وحوالي 42 عالماً في وظيفة رئيس جامعة، و3 آلاف عالم في أمريكا في كافة التخصصات.

وحسب الإحصائيات أيضًا هناك، حوالي 1250 عالمًا في تخصصات مثل الهندسة الوراثية والفيزياء والفضاء والكيمياء الطبيعية والناتو والهندسة الوراثية والرياضيات وغيرها.

إذن المشكلة هنا لا تتعلق بمستوى الأستاذ الجامعي في مصر؛ لأن هناك آلاف الباحثين والعلماء المصريين الذين بزغوا في مجالاتهم العلمية واحتلوا مراكز مرموقة في جامعات عريقة في الخارج.

بيد أن المشكلة تتعلق بكيفية استغلال الطاقات والإمكانيات الوطنية في الداخل وتوفير مناخ جيد لها من أجل الاستغلال الأمثل لها بهدف التطوير، والنهوض بالمنظومة التعليمية على أكمل وجه.

السبب وراء بزوغ هؤلاء العلماء في جامعات مختلفة، هو أنهم وجدوا مناخًا خصبًا لهم ودعمًا كاملاً من الحكومات الذي ساعدهم على التفوق وتحقيق طفرات علمية هائلة في مجالات مختلفة.

كلنا تابعنا ترتيب مصر العام الماضي في المجال العلمي، حيث تذيلت القائمة في جودة إدارة المدارس وتراجعت الى المركز 141 من بين 144 في جودة التعليم وحصلت على المركز 113 دوليًّا في الابتكار والتطوير والـ 135 في جودة البحث العلمي، وإنفاق الشركات على البحث العلمي جاءت في المرتبة 133.

حدثت هذه المستويات المتردية بالتأكيد بسبب السياسات المتراكمة في قطاع التعليم والبحث العلمي خلال الفترة السابقة.

فكلما ظلت أوضاع أساتذة الجامعات والمعلمين مزرية بهذه الدرجة، زادت مستويات التعليم سوءًا، إذ كيف يتسنى لأستاذ الجامعة أن يبتكر وينتج أبحاثًا ذات قيمة علمية كبيرة يمكن أن تساهم في التقدم وهو لا يجد دعمًا حقيقيًا، سواء أكان ماديًا أم علميًا من الدولة؟

بعث لي بعض أساتذة الجامعات رسالة مفادها أن هناك ظلمًا بيْنا يقع عليهم، حيث لم يتم رفع مرتباتهم منذ ثلاث سنوات، في المقابل نجد فئات معينة يتم صرف حوافز لهم ومكافئات بصورة دورية، منها ضباط وأفراد الشرطة الذين تم زيادة حافز الأمن العام لهم منذ أسبوعين من 1600جنية إلى 2200.

ويضيف الأساتذة أنهم ينفقون على أبحاثهم في عمل التجارب والكيماويات والتحليل، وفي النهاية يطلب منهم نشر هذه الأبحاث في دوريات دولية مقابل رسوم يدفعونها بالدولار.

علاوة على ذلك فإن الجامعة تطالب الباحثين بالانتهاء من أبحاثهم في غضون فترة زمنية محددة، وإذا لم يتم ذلك سيحولون إلى وظيفة إدارية داخل الجامعة.

يتحصل الأساتذة على عشرات الجنيهات نظير مناقشة رسالة الماجستير والدكتوراه التي تستغرق جهدًا جهيدًا ووقتًا طويلاً، أما تصحيح ورقة طالب الدراسات العليا فلا تتعدى جنيهات.

كيف يمكن النهوض بالبحث العلمي والدولة تطارد الباحثين وتتعسف ضدهم وتجعلهم يشعرون بالانهزامية ولا تقدم لهم أي دعم على الإطلاق، في حين تُصرف مليارات على أمور لا تُجنى منها فائدة كبيرة وربما لا تساهم في تحسين الأوضاع في المجتمع؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد