تأثرت كثير من الكتابات التي تتناول الحديث عن السلطة السياسية على مدار العقدين الأخيرين بكتابات ميشيل فوكوه الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي الذي توفي عام 1984. ينظر فوكوه إلى السلطة السياسية الحديثة على اعتبار أنها سلسلة من الآليات للانضباط وللمراقبة ويركز تفصيلًا في أساليب عمل جهات معينة كالسجون والمصانع والثكنات والمدارس والمستشفيات ويبين كيف ظهرت في مثل هذه الأماكن على مدار القرنين الأخيرين مناهج جديدة تمامًا للتنظيم وللاحتجاز والتفتيش والضبط والرقابة.

لقد اعتمد العالم السياسي البريطاني تيموثي ميتشل في كتابه (استعمار مصر) على كتابات فوكوه في دراسة كيفية إدخال المناهج الانضباطية في مصر القرن التاسع عشر وكيف تطورت حيث بدأت محاولات خلق النظام الجديد في عشرينيات القرن التاسع عشر عبر تكوين الجيش، ثم امتد خلق النظام ليشمل كل سكان الريف عبر الدخول في عمليات الإنتاج نفسها من أجل إعادة تنظيمها، ليصل في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر ليشمل كامل مسطح المجتمع في إعادة بناء القاهرة والمدن المصرية الأخرى والإشراف على الأحوال الصحية والتحكم في العمال ومراقبة المجرمين وبإدخال نظام حديث للتعليم المدرسي.

ولا يعني ذلك أنه قبل عصر محمد علي كان هناك حالة من “الفوضى” تناقض “النظام” بل نذكر هنا أن البعض استطاع فرض النظام لبعض الفترات (كما هو الحال مثلًا في وقت سيطرة علي بك الكبير) ولكنها كانت فترات متقطعة ولم تتخذ نفس شكل الآليات الانضباطية التي بدأت منذ القرن التاسع عشر.

تجنيد المصريين في الجيش

واعتبارًا من عام 1822، كان المصريون قد وجدوا أنفسهم يؤخذون بعشرات الآلاف ويُحولون لأول مرة في التاريخ (إذا استثنينا عهد الفراعنة) إلى جنود، وكان ذلك بعد عدم نجاح فكرة محمد علي بتجنيد السودانيين كمجندين في الجيش الذي شرع في تكوينه، وصدرت الأوامر بإنشاء الثكنات ومعسكرات التدريب قرب المدن الرئيسية على طول نهر النيل من أسوان إلى القاهرة وعبر الدلتا وكانت الخطة ترمي إلى تحويل الفلاحين إلى جنود باحتجازهم وتدريبهم وقد أشير لإحداث تلك التغييرات في طبيعة الجيش وطبيعة تدريبه باسم “النظام الجديد” وهو الاسم العثماني لخطة جرى إدخالها قبل ذلك بوقت قصير في الإمبراطورية العثمانية لإعادة تنظيم الجندية ونظام الضرائب الذي يدعمها.

والحقيقة أن الانضباط الذي كان قوامه يعتمد على التقنيات الجديدة والتدريب المستمر والتوقيت الدقيق والاتباع الصارم للانضباط والقيادة والذي تم الاستعانة في تطبيقه بضباط فرنسيين كان بدعة جديدة لم تُعتمد في معظم البلدان الأوروبية إلا قبل جيل أو نحو ذلك من إدخال “النظام الجديد” لدينا والذي كان أول من ابتدعه البروسيين في حرب السنوات السبعة (1756-1763) ثم تلتهم فرنسا وباقي الجيوش الأوروبية الرئيسية.

وقد تقرر أن يجند المصريون في أول الأمر لمدة ثلاث سنوات فقط ثم يُسمح لهم بالعودة بعدها إلى قراهم، ولكن لاحقًا تم تغيير القرار بألا يرتبط بعدد سنوات محددة، كما أصر محمد علي ألا تتجاوز ترقيات “أولاد العرب” (أي المصريين) لأعلى من رتبة البلوكباشي (قائد 25 جنديًا) في حين سُمح للأتراك في الوصول لأعلى الرتب في الجيش.

كان الفلاحون المصريون لم يألفوا الخدمة العسكرية وكانوا ممنوعين قانونًا في العهد العثماني من حمل السلاح، وقد حث محمد علي ضباطه أن يتعاملوا مع مهمتهم في جمع المجندين برفق حينما سمع أنهم يجمعونهم بنفس الأساليب التي يجمعون بها للسخرة، ذلك أن السلطات لم يكن لديها بعد نظامًا طبيًا يُعتمد عليه لفحص المجندين واختيار الأنسب وهو الوضع الذي استمر حتى عام 1830 حين عمل كلوت Clot بك على إقامة مدرسة أبو زعبل الطبية واستخدم طلابها في فحص المجندين، كما أن الضباط لم يُعطوا أي إرشادات بشأن شروط السن والحالة الاجتماعية وعدد الإخوة الذكور لمن يتم تجنيدهم كما هو الحال مثلًا لدى سلطات التجنيد في الجيش الفرنسي بعد الثورة.

فما كان من ضباط التجنيد وهم يفتقرون إلى هذه المعلومات سوى الهبوط على أية قرية تُحدد لهم وإلقاء القبض على أكبر عدد يمكن العثور عليه من الرجال! وحينئذ يُربط هؤلاء الرجال بوحشية بحبال حول أعناقهم في مجموعات من ستة أو ثمانية أفراد ثم يساقون إلى معسكر التدريب تاركين خلفهم “جماعة حزينة محطمة القلب” من الزوجات والأمهات والأطفال يصرخون ويحالون بلا أمل أن يمنعوا الجنود من الرحيل برجالهم تاركين خلفهم أراضيهم لكي تبور.

 

الصورة توضح كيف كان يساق الفلاحون من قراهم مكبلين وهم يضربون بالكرباج للانضمام للجندية

 

الوسائل التي اتبعها الفلاحون للهروب من التجنيد

استخدم الفلاحون مختلف الطرق للهرب من وجه رجال محمد علي المُكلفين بتجنيدهم إما عن طريق التمرد وهذا ما حدث عام 1823 في المنوفية ثم في الانتفاضة الكبيرة في الصعيد عام 1824 التي شهدت تمرد نحو 30 ألف شخص ضد أجهزة السلطة حيث هاجموا الموظفين الذين أرسلوا من القاهرة ورفضوا دفع الضرائب.

كما استخدم الفلاحون أسلوبًا آخر وذلك الذي عُرف بالتسحب (أي الفرار من قراهم لتجنب التجنيد)، فبحلول أواخر الثلاثينات كان انتشار هذه الممارسات قد بلغ حد العثور على قرى مهجورة بأكملها، فكان من أحد واجبات العربان العاملين في خدمة الباشا هو القبض على الفلاح الذي يهجر قريته كما تم تكليف مشايخ القرى في التحري عن هؤلاء الفارين، وكانت عقوبة شيخ البلد الذي يتستر أو يتواطأ مع الفلاح الهارب حسب قانون الفلاحة الصادر عام 1830 هو أن يضرب 200 جلدة بالكرباج.

وحينما اكتشف الفلاحون عدم جدوى الانتفاضة أو الفرار لجأوا إلى تشويه أنفسهم عمدًا حتى يعتبروا غير صالحين طبيًا للخدمة مثل بتر السبابة وخلع الأسنان الأمامية أو وضع سم فئران في العين لتصاب بالعمى الذي يؤمل أن يكون مؤقتًا، وحين أصبحت تلك الوسائل شائعة قرر محمد علي معاقبة المشوهين وشركائهم في الجريمة بإرسالهم إلى السجن مدى الحياة بالإضافة إلى تجنيد أقاربهم بدلًا منهم.

لقد كانت مشاهد العقوبات البدنية سمة مشتركة لكل القوانين المدنية والعسكرية، فكان استخدام العقوبة البدنية شيئًا شائعًا في معسكرات الجيش كالاستخدام المتكرر للفلقة والكرباج، وفي قانون الفلاحة مثلًا والذي صدر ليتناول الجرائم المتعلقة بتدمير الملكية العامة وزراعة الأرض وسلوك الموظفين تنص 26 مادة من مواده الـ 55 على استخدام الكرباج كوسيلة للعقاب، كما كان لمزيف النقود عقوبة أن يُشنق على باب زويلة وتتدلى قطعة من العملة من أنفه! أما الجزار الذي يبيع بسعر أعلى مما حددته الحكومة تمزق أنفه وتعلق قطعة من اللحم فيها كعقاب وهكذا!

ويبدو أن استخدام العنف من قبل السلطة كان موجودًا في العديد من قوانين الجيش التي أقرت في أوروبا في القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر التي وصلت إلى حد الوحشية في تطبيق العقوبة سواء في بريطانيا (حتى القرن الثامن عشر) أو روسيا (حتى النصف الأول من القرن التاسع عشر).

 

صورة توضح أحد أساليب تطبيق العقوبات في إنجلترا. الصورة لوليام برين (1600-1669) في مقطرة والتي تسببت في فقد أذنيه.

 

كما إن الرغبة في الهروب من التجنيد كانت أمرًا شائعًا يحدث مع كل حكومة تلجأ للتجنيد العام حيث نجد حالات مشابهة في الجيوش النابليونية ومن جانب الأقنان الروس في القرن التاسع عشر وحالات جرح النفس بين القوات الإنجليزية وهو أمر له دلالته خلال الحرب العالمية الأولى، وهذا لا يعني أن شيوع العنف الوحشي ضد المذنب أمر يبرر تطبيقه في رأيي!

وقد لجأت السلطات إلى إلزام كل قروي بحمل تذكرة (شهادة مختومة أو جواز مرور) تبين اسمه واسم أبيه وصفاته فإذا ما وجد الفلاح دون تلك التذكرة يعاد فورًا إلى قريته، كما لجأت السلطات إلى طريقة راديكالية تتمثل في وشم أجساد بعض الجنود لتسهيل القبض عليهم في حالة الهرب وهو نفس الإجراء الذي عُمل به بالنسبة لوشم أذرع المساجين في سجن “ليمان” بحرف “ل”، كما وضع المجندون تحت المراقبة المستمرة من قبل العربان الذين استعان بهم الباشا ليسلموا أي هارب للسلطات.

كان من ضمن المشكلة أن السلطات كانت تجهل المعلومات الأساسية المتعلقة بالسكان: حجمهم، تركيبتهم العمرية، أماكنهم، مهنهم .. إلخ، ولهذا فلم يكن معروفًا كم العدد المطلوب مثلًا أن يجندوه من كل مديرية ومن يصلح ومن لا يصلح للتجنيد، ولم يكن كذلك للسلطات كشف بأسماء من توفي من الجنود، وبالتالي تم الشروع في عمل تعداد عام للمديريات الشمالية عام 1827 ثم كان التعدام القومي الشامل في عام 1845.

وتكمن أهمية “التذكرة” أو “الدفتر” أو “التعداد العام” ليس فقط في أنها أدوات ترفع كفاءة الجهاز البيروقراطي بل أيضًا لتحول حركات الإنسان والمساحات الزمنية لتقاس بمقياس دقيق، وهذا ما عبر عنه الفيلسوف الفرنسي فوكوه حينما قال إن “ممارسة السلطة نفسها تخلق وتتسبب في ظهور موضوعات جديدة للمعرفة”.

وبمرور الوقت أصبحت فاعلية الاستخدام الوحشي للقوة محل تساؤل رغم أنه ضمن إلى حد ما في إبقاء كم كبير من الجنود في أماكنهم، وأصبح هناك تغيير في معنى العقاب والغرض منه فلم يعد وسيلة للانتقام من المذنب ولا طريقة تحاول بها السلطة أن تستعيد سيادتها التي جرحت مؤقتًا وإنما أصبح طريقة لغرس اليقين بأنه ما من جريمة ستمضي بلا عقاب.

فقد استخدمت السلطات كما أوضحنا القوة الوحشية بحيث تُخضع الجنود عن طريق إرهابهم، وكان بالمثل قد حدث نفس الاستنتاج في أوروبا في فترة لاحقة حيث أصبح ينظر للعقاب بداية من القرن الثامن عشر “أنه يجب أن يضرب الروح أكثر من الجسد”، أما في مصر فمنذ منتصف ثلاثينيات القرن الثامن عشر وضعت قوانين تقلص عدد عمليات الإعدام العلنية واللجوء للحبس والاعتقال أكثر من استخدام العقاب البدني.

تطبيق نفس المناهج على الحياة المدنية

وعلى صعيد آخر، اشتمل النظام العسكري المطبق في الجيش على نفس مناهجه بالنسبة للحياة المدنية بجميع مجالاتها. فبالنسبة للتعليم، فقد اتبعت نفس المناهج الانضباطية القائمة على فكرة “احتجاز الطلاب” و”نظام المراقبة والإلزام” وجرى تسكين الطلاب في ثكنات شأنهم في ذلك شأن الجنود وانقسموا إلى كتائب تتألف من سرايا وكانت لهم رتب عسكرية.

وفي القرى والحقول فإن تطبيق المبدأ نفسه كان “على مجمل مسطح مصر” عن طريق “احتجاز السكان في مساقط رؤوسهم” منذ عشرينيات القرن التاسع عشر حيث صدر مرسوم حكومي عام 1830 يشترط حصولهم على تصريح إذا كانوا يرغبون في السفر خارج قراهم وكان ذلك للحد من هروبهم مع وضعهم تحت المراقبة المستمرة وزرع مراقبين وجواسيس بينهم في كل موقع. كما صدرت لائحة عام 1829 تحدد لهم المحاصيل التي عليهم زراعتها، واحتجازهم في القرية.

وواجبات أولئك المكلفين بمراقبتهم وكان ذلك لمواجهة مشكلة انخفاض الإيرادات وتزايد الفرار من الأرض، كما تضمنت اللائحة تفصيلًا لعقوبات لأكثر من سبعين مخالفة منها مثلًا “إذا اكتشف شيخ البلد أن فلاحًا قد تخلف عن زراعة حقوله كما هو مطلوب منه فإنه يعاقب بجلده خمسة وعشرين جلدة بالكرباج”، تتصاعد العقوبة بزيادة الجلد إذا لم تنفذ التعليمات بعد جلده. كذلك كان لكبار موظفي القرية عقوبات لعدم تنفيذهم التعليمات تبدأ بالإنذار وتنتهي بالضرب بالعصا أو الجلد.

الصورة لقرية نوبية قرب مدينة الأقصر في صعيد مصر

 

وليست هناك حاجة إلى أن نروي بالتفصيل فشل هذه الممارسات أو الدمار الذي تسببت فيه حيث نشبت انتفاضات سياسية في الأقاليم قمعتها الحكومة بصور منهجية وفرت أعداد ضخمة من الفلاحين من قراهم ولاذوا بالهرب.

وبعد الفشل في ثلاثينيات القرن التاسع عشر بذلت مرة أخرى محاولات في أربعينيات القرن التاسع عشر تمثلت هذه المرة في إعادة تنظيم القرية وتقسيمها بحيث توضع مجموعات تحت وصاية إما أفراد الأسرة الحاكمة أو تجار أوروبيين بحيث تنظم القرى كضياع شخصية تستخدم نفس نظام الاحتجاز المكاني والانضباط والمراقبة! وهي في الحقيقة منشأ نظام الملكية الخاصة للأرض في مصر الحديثة.

وقد جرى التخطيط لعمل ما سمي بـ “القرية النموذجية” بحيث تمت البداية في قرية كفر الزيات وتم تكليف مهندسين فرنسيين لتصميم منازل الفلاحين ومساحات الفناء وأماكن احتجاز المواشي وغيرها على أن يتم تعميم هذا النموذج في قرى أخرى وعلى أية حال فإن خطط إعادة بناء القرى المصرية لم يكتب لها البقاء.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العقاب, مصر

المصادر

كتاب "استعمار مصر" للكاتب البريطاني الدكتور تيموثي ميتشل.
كتاب "كل رجال الباشا" للدكتور خالد فهمي.
عرض التعليقات
تحميل المزيد