مقدمة

تهدف هذه الورقة إلى الإجابة على سؤال «كيف ساهم تطور الفكر النسوي في إجراء مراجعات على الثنائيات التي حكمت التفكير في نظام العلاقات بين الرجال والنساء، ومن أبرزها ثنائيات الجنس والنوع والطبيعة والثقافة». بمعنى آخر، تهدف هذه الورقة إلى تسليط الضوء على تطور مفهوم الجنس والنوع والطبيعة والثقافة في الدراسات النسوية. يمكن القول إن أهم ما يميز الدراسات النسوية أنها تطورت وما زالت تتطور مع الزمن، وذلك من خلال النقد المتواصل للمفاهيم التي تتناولها الدراسات النسوية. لعل ذلك ما جعل الباحثين والدارسين للنسوية يقسمونها إلى موجات متعددة توضح كيفية تطور النسوية. فكل موجة عبرت عن مطالب ومفاهيم محددة كانت تستدعي الحاجة للتفكير والبحث فيها في ذلك الوقت.

وعليه ستتبنى هذه الورقة منهجية التتبع التاريخي. حيث سيساعدنا ذلك في تحديد أهم المساهمات في موضوع الدراسات النسوية التي تناولت هذه المفاهيم لأول مرة.

تطور الحركات النسوية عبر التاريخ:

ترجع المرة الأولى لاستخدام مصطلح الموجة ضمن سياق الحديث عن الحركة النسوية في عام 1968، عندما نشرت الناشطة Martha Weinman مقالة في صحيفة New York Times تحت عنوان «الموجة الثانية للنسوية». ساعد مصطلح «الموجة» الباحثين في الربط بين حراك النسوية في القرن الثامن عشر، وحراك النسوية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وبعد ذلك أصبح مصطلح الموجة يُستخدم لوصف الاختلاف بين الجيل الأول للنسوية والأجيال اللاحقة. يجادل البعض مثل النسوية Linda Nicholson بأن استخدام مصطلح الموجة عمل على تعويم الحركة النسوية تاريخيًّا وليس مفيد سياسيًّا، وأن النسوية هي حركة واحدة ذات مطالب واحدة عبر التاريخ مهما اختلف الزمن[1].

حسب رأيي الشخصي، وعلى الرغم من اتفاقي مع الكاتبة بأن النسوية هي حركة اجتماعية ذات مطالب موحدة لتحرير وتمكين النساء، فإنني أختلف معها على طبيعة استخدام مصطلح الموجة. لأن استخدامنا لمصطلح الموجة هو ضرورة داخل البحث الأكاديمي التي تعطينا الفرصة لدراسة كل موجة نسوية بسياقها التاريخي الذي جاءت فيه، والذي بالتالي ينعكس على فهمنا للمطالب التي ركزت عليها كل موجة.

إذن وباختصار، استخدامنا لمصطلح الموجة في هذه الورقة مهم لفهم تطور الحركة النسوية والسياقات التاريخية التي جاءت فيه، وفي الوقت نفسه لا يعني ذلك أننا نرى أن كل موجة نسوية مختلفة أو منفصلة عن الموجة التي سبقتها بل كل الحركة النسوية بأكملها منذ ظهورها لديها هدف واحد، حتى وإن اختلفت المطالب والموضوعات التي ناقشتها كل موجة.

الموجة الأولى (1848- 1920):

تُعبِّر هذه الموجة عن الحركة النسوية التي بدأت من القرن التاسع عشر إلى بدايات القرن العشرين، التي عبَّرت بشكل رئيسي عن مطالب سياسية للنساء أهمها حق النساء في التصويت في الانتخابات[2]. من المهم لفت الانتباه إلى أن هذه الموجة لا تُعبر عن أول مرة بدأ الحديث فيها عن حقوق النساء، بل تؤرخ بدايات الحراك النسوي في الغرب خاصة في المملكة المتحدة، والولايات الأمريكية المتحدة في نهايات القرن التاسع عشر عندما بدأت النساء تطالب بحقوقهن السياسية أسوة بالرجال[3]. أهم ما ركزت عليه نشاطات هذه الموجة هو الاعتراف بالنساء كإنسان مثلهن مثل الرجال، بالتالي هن لسن ملكية للرجل، بل لهن كيان مستقل مما يترتب عليه أن تكون لديهن حقوق مثل حق الملكية، حق التصويت[4]. بشكل مختصر، الموجة الأولى ظهرت مع الحداثة أو الثورة الصناعية في أوروبا والولايات الأمريكية المتحدة. حيث ركزت على تغيير الثقافة المجتمعية المرتبطة بالتصور المعين لدور المرأة في المجتمع أو في العائلة.

يمكننا القول هنا، إنه منذ بدايات الموجة الأولى ركزت الحركة النسوية على محاولات تغيير الصور النمطية عن المرأة في مجالات محددة فيما يخص عدم قدرتها على التصويت أو العمل أو التعلُّم. ولكن لم يتم التطرق بشكل موسع عن طبيعة الدور الذي تلعبه الثقافة المجتمعية في تنميط أدوار المرأة[RE1] . حيث حاولت ناشطات الموجة الأولى تغيير هذه الثقافة من خلال المطالبة بالحقوق السياسية والاقتصادية للنساء مثل حق التصويت، حق التعليم، حق العمل، حق الملكية. أما بخصوص الجندر والجنس والفروقات بينهما، من خلال مراجعة أهم الإسهامات النسوية في تلك الفترة نرى أنه لم يتم التطرق لهذه المفاهيم في ذلك الوقت بشكل رئيسي – ولكننا سنرى ذلك في الموجة الثانية – ولعل ذلك مرتبط بالسياق التاريخي الذي نشأت فيه هذه الموجة، خاصة أنها ركزت على تحقيق مطالب سياسية للمرأة تكفلها القوانين والدساتير.

الموجة الثانية (نهايات الستينيات إلى التسعينيات من القرن العشرين):

كما ذكرنا سابقًا، خلال الموجة الثانية بدأ استخدام مصطلح الموجة. ركزت هذه الموجة بشكل رئيسي على موضوعات متعددة، يمكننا القول إنه مع هذه الموجة بدأ الحديث بشكل موسع عن موضوعات لم تتناولها الموجة الأولى، بحيث نرى نوعًا ما أنه جرى نقل النشاط النسوي من الحراك السياسي إلى البحث والتفكير والتنظير بكل ما يتعلق بالمرأة وجسدها وحياتها الخاصة والعامة. تنوعت الموضوعات التي تحدثت عنها هذه الموجة مثل المساواة في سوق العمل، العنف المنزلي، المساواة في الزواج، التحرر الجنسي للمرأة، تنظيم النسل والصحة الإنجابية وغيرها من الموضوعات[5]. خلال الموجة الثانية تم التركيز بشكل رئيسي على الجنس والنوع والثقافة والطبيعة. بالإضافة لذلك، برز الجندر ميدانًا بحثيًّا أكاديميًّا مستقلًّا خلال هذه الفترة[RE2] .

الجندر ميدانًا بحثيًّا أكاديميًّا مستقلًّا:

ظهر حقل الدراسات الجندرية من خلال البناء على الدراسات النسوية ودراسات المرأة السابقة قبل ظهوره ميدانًا مستقلًّا، بحيث على الرغم من اعتبار هذا الحقل جديدًا نسبيًّا في المجال الأكاديمي، فإنه لم يأت من فراغ، بل بُني على الدراسات النسوية والنشاطات النسوية السابقة. ظهر هذا الحقل ضمن تحول مهم للدراسات النسوية ودراسات المرأة، بحيث ظهرت الحاجة إلى البحث والتحليل من خلال الاستعانة بحقول الدراسات الإنسانية والاجتماعية الأخرى بحيث تكون منهجيات وأدوات التحليل multi or trans-disciplinary approaches أي استخدام منهجيات بحثية من خلال الاستعانة بحقول إنسانية أخرى مثل علم النفس، وعلم الاجتماع وعلم الأنثروبولوجيا وغيرها. إذن يمكننا اعتبار أن وقت ظهور حقل الدراسات الجندرية ارتبط بالحاجة إلى التفكير والفهم بقضايا متعددة لم تتناولها الدراسات النسوية ودراسات المرأة سابقًا، تلك القضايا التي توجد في الحياة اليومية للمرأة أو التطور العالمي للدراسات النسوية، وكيف أن مجالات الثقافة، الاقتصاد، والسياسة مليئة بالتحيز ضد المرأة[6]. أهم ما يميز هذا التحول نحو دراسات الجندر، التي ارتبطت بما بعد الحداثة، ما بعد البنيوية، واستخدامه تحليلات علم النفس، أنه أدى إلى تراجع تركيز الدراسات النسوية عن النشاط السياسي فقط، بل تعدى الأمر للتنظير والبحث[7]. أما الاتجاه الثاني كان من خلال إنشاء برامج أكاديمية في الجامعات يُدرس فيها دراسات الجندر بشكل مستقل لأول مرة، مثل: جامعة كورنيل عام 1969، جامعة سان ديغيو عام 1970، وأول ماستر في الدراسات الجندرية كان عام 1980 من جامعة كِنت.

بعض أهم الإسهامات في هذه الفترة التي ساهمت في تسليط الضوء على مفاهيم الجنس والنوع والطبيعة والثقافة:

نُشر كتاب سيمون دو بوفوار بعنوان «الجنس الثاني» “The second Sex” في فرنسا عام 1949 وفي الولايات المتحدة الأمريكية عام 1953. وكان لظهور هذا الكتاب دور بالغ الأهمية في التفكير في الجنس والنوع والاختلافات بينهما[8]. عبارة سيمون الشهيرة في الكتاب «المرأة لا تولد امرأة، بل تصبح امرأة» توضح أن سيمون تفرق بين الجنس والنوع، وتفترض أن النوع هو ما يتم تشكليه مجتمعيًّا. وتقصد دو بوفوار أن في خضم عملية أن تصبح المرأة امرأة «becoming a women»، هي عبارة عن عملية طويلة الأمد تتداخل فيها عوامل ليس بالضرورة أن تكون اختيارية كما يتصورها الناس، بل هي عبارة عن عملية معقدة تؤثر فيها الثقافة المجتمعية المحيطة[9]. بالإضافة لذلك نُشر كتاب «السر الأنثوي» «The Feminine Mystique» عام 1963 في الولايات الأمريكية المتحدة الذي بيعت منه 3 ملايين نسخة تناقلتها النساء بشكل كبير بينهن، خاصة نساء الطبقة الوسطى والطبقة المتعلمة[10]. تناولت الكاتبة في كتابها عن فكرة «المرأة المثالية» التي يتصورها المجتمع، بأنها التي تكون ربة منزل تهتم بعائلتها وأطفالها فقط. الأثر الذي تركه هذا الكتاب في النساء في الولايات المتحدة الأمريكية كان كبيرًا وواسعًا، حيث جرى تناقله في الميديا، المدارس والجامعات. مما جعل النساء تفكر بالأدوار النمطية للمرأة التي تفرضها الثقافة المجتمعية عليها. وتم الوعي بهذه التقسيمات التي تفرضها الثقافة المجتمعية على أسس الجنس، بالتالي ينتج من هذه التقسيمات تحيز جنسي ضد النساء في الحياة العامة والحياة الخاصة مرتبط بهذه الثقافة المجتمعية تجاه تصورها لدور المرأة.

من المهم لفت النظر إلى أن ظهور الجندر ميدانًا بحثيًّا أكاديميًّا مستقلًّا كما ذكرنا سابقًا، الاستعانة من نقد العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية والاجتماعية، الذي عملت عليه الدراسات النسوية في هذه الفترة كان مهمًّا جدًّا في إجراء مراجعات على مفاهيم كثيرة مثل النوع والجنس والطبيعة والثقافة. نقدت النسويات كل من علماء الأحياء والأطباء النفسيين الذين يرون أن الطبيعة البيولوجية حتمية، ولا يمكن تغيرها أو تأثرها بالمجتمع المحيط. فترى النسويات أنه على مر التاريخ لعبت وتلعب التركيبة المجتمعية دورًا أساسيًّا في تحديد الجنس، امرأة أو رجل بناء على تصورات طبيعية بيولوجية بحتة. [11] نقدت النسويات أيضًا العلاقة بين تأثير أبحاث علماء الأحياء «الدارونيين» على الطبقة السياسية وسياساتها. وذلك عبر القول إن نتائج الأبحاث التي يتوصل إليها علماء الأحياء بشكل علمي والتي تُقرّ بوجود فروقات بين الجنسين قد تؤثر في السياسات التي تتبناها الحكومات، وبالتالي يؤدي ذلك إلى ترسيخ التحيز الجنسي ضد المرأة في المجالات كافة[12]. أيضًا جادلت بعض النسويات أن التحيز الجنسي ضد النساء في العلوم الطبيعية يرجع إلى هيمنة الرجال العلماء على هذه العلوم، بالتالي ستكون أبحاثهم ذات هيمنة ذكورية بالتأكيد. بالإضافة لذلك، ركزت نسويات الموجة الثانية على نقد نظريات في علم النفس التحليلي، وعلم النفس الديناميكي، التي تتبنى تقسيمات بيولوجية في التحليل النفسي تبين التحيز الجنسي ضد النساء[13].

ربما كانت المحاولة الأكثر شمولًا لتنظير الفارق بين الجنس والجنوسة/ النوع في هذه الفترة توجد في كتابات المحلل النفساني وعالم الإناسة «Robert Stoller»، الذي ظهر كتابه الذي يحمل عنوان «الجنس والجنوسة: حول تطور الذكورة والأنوثة» في عام [14] 1968. فرق روبرت هنا بين مصطلح الجنس ومصطلح النوع، بأن استعمل مصطلح الجنس للدلالة على الفروقات البيولوجية، أما مصطلح النوع للدلالة على مظاهر الأنوثة والرجولة[15]. استعملت النسويات في هذه الفترة الفروقات التي وضعها روبرت[RE3] . فالناشطة النسوية «Gayle Rubin» استخدمت تركيبة الجنس/ النوع، وذلك لتوضح الفروق بينهما. وتقصد بذلك أن النوع هو ما يفرضه المجتمع من تصور عما يعرفه بيولوجيًّا عن الأنثى والرجل. وتجادل الكاتبة أنه رغم أن الفروقات الجنسية ثابتة فإن الفروقات الجندرية هي عبارة عن نتائج تفكير أبوي مُضطهِد يحدد ما يجب أن يكون عليه كل من المرأة والرجل[16]. هناك أيضًا الكثير من المساهمات النسوية الأخرى التي تناولت هذه الموضوعات بضرورة التفرقة بين الجنس والنوع، ولكن حاولنا ذكر بعض الأمثلة نظرًا لضيق مساحة هذه الورقة. ولكن من المهم لفت النظر أيضًا إلى أن الدراسات النسوية المعاصرة رفضت التقسيمة بين الجنس، النوع. وذلك استنادًا إلى أن هذه التقسيمة تفترض مسبقًا أن الجنس – بشكل ما – محدد وحتمي قبل تشكّل الثقافة. وأن هذه التقسيمة تفشل في تصور كيف أن الجنس هو نظام محدد قائم بحد ذاته، بمعنى كيف لنا أن نضمن أنه لا يوجد أي تدخل غير بيولوجي في تحديد الجنس[17][RE4]؟

خاتمة

إذن نستطيع القول إنه خلال الموجة الثانية تصاعد التركيز على مفاهيم الجنس والنوع والثقافة والطبيعة. فركزت هذه الموجة على تغيير تصور الثقافة المجتمعية الأبوية فيما يتعلق بالنوع والجنس. وتم ربط هذه الثقافة الأبوية بعدم المساواة بين الرجال والنساء في الحياة الخاصة أو الحياة العامة. حيث تم الوعي بضرورة نقض التصور المتعلق بالجنس والنوع، وهو وجود جنسين من الناس في العالم، نوع مهمين «الذكور»، ونوع مهيمن عليه «النساء»، بالتالي تم تسليط الضوء على ضرورة تغيير الثقافة المجتمعية التي تُرسِّخ الفروقات بين الرجل والمرأة وضرورة المساواة بغض النظر عن الجنس. بشكل مختصر، نستطيع القول إن المراجعات المستمرة للمفاهيم والمصطلحات التي تميزت بها الدراسات النسوية منذ نشأتها ساهمت بشكل كبير في تغيير التصورات المتعلقة بالجنس والنوع والثقافة والطبيعة. وتأتي هذه المراجعات من خلال النقد الذي وجهته النسويات للموجات السابقة، بالإضافة لذلك النقد للعلوم الأخرى وفي الوقت نفسه الاستعانة بمنهجيات ومفاهيم من هذه العلوم الذي ساهم في تطور الفكر النسوي، والذي بدوره انعكس مباشرة على تطور التصورات المتعلقة بالجنس والنوع والثقافة والطبيعة[RE5] .

هوامش

[RE1] وبالتالي، عدم التطرق للمجال الخاص، حيث يبدأ التنميط ويعاد إنتاجه.

[RE2] لاننسى أيضًا السياق العام لهذه التغيرات: التأثر بالكتابات الإثنوغرافية التي تقود للتنسيب الثقافي ونقد المنظور الطبيعوي، تطور مباحث الجنسانية والتحليل النفسي، وما أبرزه من فروق بين الهوية الجنسية والتماهي النفسي مع هذه الهوية… بالإضافة إلى السياق الثوري وما بعد الاستعماري.

[RE3] الملاحظة السابقة نفسها.

[RE4] كان من المهم أيضًا المرور على نظرية جوديث بتلر في نقد الجنس الغيري heterosexuality بوصفها ثنائية مهيمنة، والتي تعد منطلق كل الثنائيات الاختزالية والمكرسة للهيمنة.

كذلك، كان من المهم التطرق للنسوية الراديكالية بما هي من أهم تيارات الموجة الثانية التي قادت سجالات تم اعتبارها «متطرفة، خارجة عن المألوف» من حيث نقد الأبوية والرأسمالية ومآلاته من تطورات البحث في مجال المثلية الجنسية، ولكن ينسب لها تحفيز النقاش: subversive reflexions.

[RE5] لم يتم التطرق لمنظور النسوية «العربية» حول مسائل الثنائيات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد