تسارعت التقلبات التي شهدها الاقتصاد التركي خلال السنوات الخمس الماضية، فلم يلبث للاقتصاد التركي النهوض حتى طرأت على الداخل التركي والمنطقة المحيطة بتركيا تغيرات تكاد تكون جذرية، فمنها ما قد عاد على هذا الاقتصاد بالنفع، وبعضها عاد عليه بالضرر.

فلم تشهد البلاد أزمة اقتصادية أخطر من الأزمة التي عاشتها تركيا ما قبل عام 2001م، والتي استدعي فيها الرجل التركي كمال درويش والذي عمل مسؤولًا كبيرًا في البنك الدولي وترأسه لفترة، وهو صاحب الخبرة الواسعة في سياسة اقتصاد الدول، فكان لخبرته وعلاقاته المساهمة الأكبر في انتشال الاقتصاد التركي من الحضيض آن ذاك، وتأمين القروض الدولية للنهوض بالاقتصاد التركي من جديد، وتشريع البرامج الاقتصادية التي أخرجت البلاد من أزمتها وقضت على الفساد خلال السنوات القليلة المتلاحقة.

وخلال تلك الفترة، و في ظل الفسحة الديمقراطية التي عاشتها تركيا، وكما هو حال الاقتصاد دائمًا وارتباطه بالشق السياسي، فقد بدأت الأحزاب السياسية خلال برامجها الانتخابية في طرح الوعود الاقتصادية المتعلقة بزيادة الحد الأدنى للأجور والإنفاق الاجتماعي، والتقليل من نسب البطالة، وتوفير فرص العمل من خلال تعزيز الفرص الاستثمارية وتطوير البنى التحتية، وتحسين العلاقات التجارية والسياسية مع دول العالم، ودعم القطاع السياحي الذي يكاد أن يكون المورد الأهم للقطاع الأجنبي والمساهم الأكبر في دوران عجلة الاقتصاد خلال السنوات التي تلت تلك الفترة، فكان الفوز في انتخابات 2003م من نصيب حزب العدالة والتنمية.

ولعله خلال الفترة المنصرمة من عام 2003م حتى 2015م قد شهد الاقتصاد التركي فيها ازدهارًا على جميع الأصعدة، وتطورًا في جميع المجالات التي صبت في تطوير الاقتصاد وجعلته من ضمن الاقتصاديات الأولى ذات الترتيب العالمي نتيجة السياسة الاقتصادية التي كانت متبعة.

ولكن بعض الأحداث السياسية الداخلية التي شهدتها تركيا من انقلاب فاشل عام 2016م والأحداث السياسية الإقليمية والدولية التي حاولت النيل من اقتصاد هذه الدولة ذات الاقتصاد الناشئ قد خلقت بعض الإضرابات الاقتصادية التي تمثلت بشكل واضح في عدم استقرار أسعار الصرف، وتخفيض التصنيف الائتماني العالمي لها من قبل الشركات العالمية المختصة في ذلك، والتي لا تتخذ قراراتها بحيادية كاملة بعيدًا عن السياسة وهيمنة الدول العظمى عليها، فدخلت تركيا خلال العامين الفائتين في مرحلة من الانكماش الاقتصادي نتيجة لاهتزاز الثقة لدى المستثمرين، وتذبذب سعر صرف الليرة التركية بوتيرة غير مسبوقة أمام العملات الأجنبية.

وفي هذه المرحلة شرعت الحكومة إلى أخذ العديد من التدابير اللازمة والصارمة؛ لتحريك العجلة الاقتصادية من جديد، والعمل على تخفيض الفجوة في ميزانها التجاري، فما كان منها إلا أن تعمل على تخفيض أسعار الفائدة بشكل متتالي، متطلعة إلى وصوله إلى الصفر بالمئة بعد أن وصل إلى 24% عام 2019م، مشجعة بذلك الأشخاص والشركات على الاقتراض وزيادة الفرص الاستثمارية الخارجية في الداخل، والتخفيف من إيداع الأموال في البنوك التركية وإبقائها دون استثمار، وعملت الحكومة أيضًا على التقليل من الحدة السياسية مع الدول التي تربطها معها مصالح اقتصادية، أو مع الدول التي لها هيمنة اقتصادية عالمية، محاولة بذلك تحييد اقتصاد البلاد من أي أزمات يمكن أن تطرأ عليه نتيجة للخلافات السياسية، وقد عمل البنك المركزي التركي بموازاة ما سبق إلى تخفيض الدين العام للبلاد، ففي عام 2018م وصل العجز في الحساب الجاري (صافي تعاملات الواردات والصادرات) إلى أدنى مستوى له خلال آخر تسع سنوات، مسجلًا 27.6 مليار دولار مع وجود هدف للإدارة الاقتصادية التركية إلى تخفيض هذا العجز خلال العام الجاري والأعوام الثلاثة التالية، من خلال العمل على زيادة نسبة الإنتاج المحلي الإجمالي، وتوسيع دائرة التصريف الخارجي، والتقليل من نسبة التأثير السلبي في الأرباح والعائدات التي تنتج من ذلك العجز.

وعلى الصعيد المحلي، فقد دعمت الحكومة التركية التصنيع المحلي بشكل أكبر، وزادت من ترسيخ فكرة صنع في تركيا (تصنيع محلي) لدى مواطنيها، فالبضائع التركية مختلفة التدرج من المتوسطة إلى الممتازة من حيث الجودة العالمية.

وكل تلك التدابير جعلت من صندوق النقد الدولي يتوقع نموًّا في الاقتصاد التركي يصل إلى 3% هذا العام مقارنة بصفر بالمئة العام الماضي، كما خفض من توقعات معدل التضخم ليصل إلى 12% العام الجاري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد