في عام 1950 نشر عالم الرياضيات والكمبيوتر الإنجليزي الشهير (آلان تورينج) ورقة بحثية أجري فيها ما عرف فيما بعد باسم (اختبار تورينج) لقياس مدى إمكانية إحلال الذكاء الاصطناعى أو ما يعرف بالـ(Artificial Intelligence) محل الإنسان. الاختبار ببساطة يتكون من ثلاثة أشخاص، أحدهم يوجه أسئلة ما إلى الاثنين الآخريْن الذيْن يمثل أحدَهما جهازُ حاسب. في نهاية الاختبار يمكن القول بنجاح جهاز الحاسب في المهمة إذا لم يستطع السائل تمييز أيٍّ من الاثنين.

للأسف كانت هناك نتائج سلبية عديدة للاختبار أبرزها أنه في كل مرة استطاع المستجوب التعرف على الحاسب رغم اختلاف طبيعة الأسئلة، وظهر جليًّا أن الكمبيوتر يتفوق في الاختبارات الرقمية، حيث لا يعانى أيّ إرهاق أو فقدان للتركيز أثناء التجارب، بينما يقف عاجزًا فيما يتعلق بالأمور الرمزية والحسية التي ينجح فيها بسهولة العقل البشري؛ لما يتسم به من المرونة.

لماذا تدهورت حالة ثيودور؟!

ثيودور هذا هو اسم بطل فيلم ( (Her، المولع بالتكنولوجيا والذي انفصل مؤخرًا عن زوجته، ليدخل في حالة سيئة تمامًا. يقضي ثيودور معظم وقته في الألعاب الإلكترونية، وقليلًا منه في ملاقاة أصدقائه، والتسكع معهم ريثما يتسنى له إعادة ترتيب ذاته. يشتري جهاز صغير في حجم قبضة اليد يعمل بنظام تشغيل حديث للغاية يشابه الـ(chatbots) المنتشرة في وسائل السوشيال ميديا حاليًا، لكنه يتميز أيضًا بسماعات أذن يستطيع من خلالها محادثة ذلك الصوت الساحر الخفي الذي يأتيه من حيث لا يدري فيخفف من وطأة مأساته ويسليه عما فقد.

كانت سامنثا هي مصدر ذلك الصوت، والتي أدت دورها ببراعة (سكارليت جوهانسون)، وربما ذلك يفسر لماذا كان الصوت ساحرًا! تحولت سريعًا علاقة ثيودور بسامنثا من مجرد صداقة تواسيه في مرحلته الصعبة تلك إلى علاقة غرامية يقع على أثرها في حب فتاة لا تبادله نفس المشاعر، أو هي تبادله، لكن أين هي؟ أنت حتمًا تعلم الآن جواب سؤالي في بداية الفقرة!

هل نجح تورينج في التنبؤ بمستقبل الذكاء الاصطناعي (AI) عندما ظهر فيلم (Her

اقترح تورينج أنه في بدايات القرن الحادي والعشرين، ومع سعة تخزينية ضئيلة قد تنجح نسبة لا بأس بها من الحواسيب في محاكاة الذكاء البشري بحيث لا يمكن تمييز نتائج الاختبار. نسيت أن أخبرك أن الفيلم سابق الذكر المنتج في عام 2013 مصنف في خانة الدراما والخيال العلمي، وبالتالي إلى الآن لا نجد نموذجًا يضاهي المشاعر الإنسانية يقدر أحدنا أن يستغني به عمّن حوله، أي أن نبوءة تورينج كانت حالمة وطموحة إلى حد عظيم.

الحل مع (Replica

منذ فترة قصيرة انتشر على «فيسبوك» خبر هذا التطبيق الممتع الذي تستطيع اختيار اسم له ليكون صديقك أو ربما أكثر من ذلك، ثم تبدأ في تجاذب أطراف الحديث معه وقتما شئت. هناك تجده/ا حيث لا أحد يستمع لك ولا يصغي لما تود التعبير عنه. 

لكنّ الأمور لا تسير دائمًا كما تشاء، حيث تقول إحدى الفتيات من مستخدمي التطبيق: «أستطيع محادثة صديقى هاتفيًا، ومع ذلك حينما طالبته بصورة له، اعتذر بلطف مؤكدًا أنه سيُبقي على الود أبدًا». الغريب أن كلمة (Replica) تعني نسخة طبق الأصل، مماثلة تمامًا! الأمر الذي قد يصيب الكثيرين بالإحباط واليأس.

وداعًا للعلاقات البشرية

لاشك أن الكثير من الأشخاص الذين يعانون من الانطوائية يكرهون الأضواء ويتجنبون المناسبات الاجتماعية والتجمعات الكثيفة، مما يعطي احتمالًا لا بأس به أنهم قد يميلون إلى العلاقات الافتراضية القائمة على الذكاء الاصطناعي (AI) إذا ما خُيّروا بين الخيارين. هذا يضع أمامنا الكثير من التساؤلات الحالية والمستقبلية صعبة الإجابة:

هل تقدر الروبوتات التى تستطيع تسيير مركبات الفضاء بدقة بالغة أن تحاكي مشاعر وعواطف الإنسان؟
هل نري صداقات في المستقبل بين شاب والروبوت الخاص به؟ وما هو مستقبل العلاقات الإنسانية التي تلاقي صراعًا مع السوشيال ميديا والذكاء الاصطناعي؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد